كنتُ من الذين شاهدوا فيلم The Matrix عند صدوره عام 1999. في البداية، لم أفهمه إلا على مستوى سطحي جدًا: مجرد فيلم خيال علمي مليء بالإثارة، حرب بين الإنسان والآلة، لا أكثر ولا أقل. ولم أكن حينها أفقه الإنجليزية أو الفرنسية، مثل حال كثيرين من أبناء جيلي، فاكتفيت بمتابعة الصور والمشاهد دون عمق.
لكن مع مرور الوقت، وبعدما توفرت الترجمات العربية، أعدت مشاهدة الفيلم فاكتشفت فيه أبعادًا أخرى: لم يعد مجرد قصة خيالية، بل بدا يحمل رسائل فلسفية عميقة. إذ يعرض فكرة الوهم الذي يعيشه الإنسان على أنه حقيقة، وأن الحقيقة مؤلمة ولا يستطيع الجميع تحمّلها. وقد تجسّد ذلك في المشهد الشهير حين قدّم مورفيوس لـ نيو خيارين:
الحبة الزرقاء: البقاء في الوهم المريح.
الحبة الحمراء: مواجهة الحقيقة القاسية والخروج من "المصفوفة".
ومع مرور السنوات، ومع ظهور الشروحات على يوتيوب، بدأت أتعرف على قراءات مختلفة للفيلم. بعضها تناول الفكرة من زاوية فلسفية (الوهم/الحقيقة، الحرية/العبودية)، لكن كثيرًا من هذه التحليلات – مثل ما قدمه "الدحيح" أو قناة "مساحة" – كانت محملة بأفكار إلحادية أو شبهات فلسفية مشوشة، بعيدة عن المعنى الحقيقي الذي قصده المخرجون.
النقطة الفاصلة بالنسبة لي جاءت قبل أشهر، عندما اكتشفت حقيقة المخرجين: لورنس وأندرو واتشاوسكي (Wachowski) اللذان تحولا فيما بعد إلى لانا وليلي بعد خوضهما تجربة التحوّل الجنسي! عندها اتضحت الصورة: رمزية الحبة الحمراء والزرقاء لم تكن مجرد إسقاط فلسفي، بل مرتبطة مباشرة بفكرة "عبور الجندر".
لفهم ذلك، يجب أن نعود إلى الجذور. مفهوم الجندر ظهر مع الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار في كتابها الشهير الجنس الآخر (1949)، حيث قالت عبارتها الشهيرة: "المرأة لا تُولد امرأة، بل تُصبح كذلك." أي أن الذكورة والأنوثة ليستا معطى بيولوجيًا ثابتًا، بل بناء اجتماعي يمكن تغييره. هذا الفكر الوجودي-النسوي هو الذي ألهم المخرجين، فجاء فيلم الماتريكس ليصوّر المجتمع كـ"مصفوفة" تفرض عليك هوية جنسية، بينما التحرر يكون عبر كسر هذه الهوية والدخول في "الحقيقة الأخرى".
إذن، كل التحليلات الفلسفية المنتشرة على يوتيوب عن الماتريكس ليست سوى بطيخ. أما الحقيقة الأعمق فهي الترويج لأجندة "الجندر" وفكرة التحرر من الجسد البيولوجي نفسه.
السينما كأداة تمرير أفكار
الأمر لا يقتصر على The Matrix. السينما الغربية، خصوصًا الأفلام الضخمة (Blockbusters)، ليست أعمالًا عفوية، بل محمّلة برسائل فكرية وأيديولوجية، منها:
أفلام الكائنات الفضائية: غالبًا ما تُعرض الكائنات بلا ملامح جنسية واضحة، لترسيخ فكرة أن الإنسان يمكن أن يعيش بلا هوية جنسية محددة.
أفلام الزومبي: تهيّئ المشاهد نفسيًا لتقبّل مشاهد القتل الجماعي بلا رحمة. فتتحول صور الإبادة الحقيقية إلى مجرد "مشهد سينمائي". (ولعل فيلم World War Z يقدم إسقاطًا واضحًا على غزة بطريقة رمزية خصوصا مشهد هجوم الزومبي على القدس ).
أفلام الأبطال الخارقين (Marvel و DC): ليست مجرد قصص كوميكس، بل منصة لإعادة صياغة أفكار الإلحاد والعدمية، مع الترويج للمثلية تحت شعار "التنوع والتمثيل".
أفلام الأساطير والتنانين مثل The Hobbit وGame of Thrones: التنين في الثقافة الغربية مستمد من سفر الرؤيا (الإصحاح 13) حيث يُذكر "الوحش ذو العدد 666". في العصور الوسطى أسقط بعض مفسري الكنيسة هذا الوصف على أباطرة الروم، ثم على الإسلام والنبي محمد ﷺ. لذلك فالتنين ليس رمزًا بريئًا بل محمل بعداء تاريخي.
أفلام مثل Dune: تسقط مباشرة على فكرة "المهدي المنتظر"، مع استعارة رموز من العقيدة الإسلامية، لكن بطريقة مشوهة.
Avatar (2009):
يظهر كفيلم بيئي، لكنه في العمق يروّج لفكرة العودة إلى الوثنيات والديانات البدائية (عبادة الأم الكبرى Mother Gaia)، مع تصوير الإنسان الأبيض (المستعمر) كشر مطلق، مقابل "الشعوب الوثنية النقية".فالخطر الحقيقي ليس فقط في السينما ذاتها، بل في "ثقافة الشرح" التي تُعطي الانطباع الكاذب بأن المشاهد يفهم ويحلل، بينما هو في الحقيقة يُساق إلى تبنّي أجندات غريبة عنه وهو يظن نفسه مثقفًا وواعيًا.