مسألة خلود الكافر في النار | مَجد
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلقه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، إمام الهُدى وناشر النور، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وقفتُ على مقطعٍ لأحد الزنادقة يُورد فيه شبهةً تتعلّق بمسألة خلود الكافر في النار، زاعمًا أن ذلك ينافي العدل والرحمة المنسوبين إلى الباري جلّ وعلا. وحاصلُ اعتراضه أن أفعال الكفار من الكفر والذنوب – وإن عظمت وكثرت – فإنها واقعة في زمنٍ محدود ولها قدرٌ متناهٍ، فكيف يُعاقِبهم الله عليها بعذابٍ أبديٍّ لا انقطاع له؟ ويزعم أن العدل يقتضي أن تكون العقوبة بقدر الجناية، مساويةً لها في المقدار، وأن إيقاع العذاب الأبدي على أفعالٍ محدودةٍ في الزمن ينافي مقتضى العدل والرحمة.
وقد اختصرت هذا الرد من كتاب الشيخ سلطان العميري، وعدلت عليه، أسأل الله أن يتفع به القارئ، ويجعله هادياً لمن أراد الهدى.
وهذه مسألة ليست بجديدة؛ فإن الناظر في كتب العقيدة عند العلماء يجد أنهم قد تعرضوا لها منذ قرون، وتكلموا عليها بحثًا وتحليلًا، غير أن مسالكهم في الجواب عنها قد اختلفت وتنوعت.
وتُعد مسألة الخلود في النار من المسائل العظيمة التي وقع فيها النزاع بين السلف والخلف؛ فذهب جمهور أهل السنة إلى أن النار لا تفنى، وأن عذاب الكفار فيها دائم لا ينقطع. وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالخلود هو المكث الطويل، وأن عذاب الكفار في النار ليس أبديًا، بل له أمد ينتهي إليه.
وقد حكى ابن تيمية رحمه الله هذا الخلاف فقال: «وأما القول بفناء النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين ومن بعدهم».
فعلى القول الأول، وهو أن عذاب الكفار ليس أبديًا بل ينتهي عند وقتٍ معيّن، يسقط هذا الاعتراض من أصله؛ إذ لا يبقى حينئذٍ محل للإشكال.
وأما على القول الثاني – وهو القول الحق الذي عليه جمهور العلماء – أن النار باقية وأن عذاب الكفار فيها دائم لا ينقطع أبدًا، بل قد نقل بعضهم الإجماع على ذلك؛ فإن ثبوت هذا لا يقدح في كمال عدل الله ورحمته جلّ وعلا.
وذلك لأن هذا الإشكال إنما بُني على أصولٍ فاسدة ومقدماتٍ غير صحيحة، سنبيّن فيما يأتي وجوه فسادها.
فساد الأصل الأول:
وهو جعله العلاقة بين العقوبة و الذنب علاقة رياضية لا سببية، و الحق انها علاقة سببية، بعض الذنوب و الأخطاء القليلة في عددها قد يترتب عليها عقوبة عظيمة، نتيجة ضخامتها في الكيف و لسعة ما يترتب عليها من الآثار الفاسدة ولما قام في نفس فاعلها من الإستخفاف والأستطالة وعدم المبالاة وهذا مما يشهد له الواقع، فلو أن رجلا اتلف او سرق عامدا متعمدا ألف كيلو من الفضة، فإن المستشكل نفسه لن يساوي بينه و بين من أتلف او سرق مئة كيلو ذهب، فمن سرق الذهب او أتلفه سيكون جرمه أعظم و ذنبه أشنع مع أن فعله أقل في الكم من الآخر.
فساد الأصل الثاني:
فبعد بيان أن العلاقة بين الذنب والعقاب علاقة سببية لا عددية، فإن الذنب الذي وقع فيه الكافر بلغ مبلغًا عظيمًا، إلى درجة استحقاقه للعذاب. فالمعذَّب ينكر شيئًا دلالته ظاهرة في النفس والعقل، فقد خلق الله البشر على فطرة مقتضية للحق، وأرسل رسلًا لبيان مقتضياتها وإرشاد الناس عن الانحراف الذي هم فيه، وأنزل كتبًا أبان فيها معالم الطريق إلى الحق، وبيَّن فيها عقوبة المخالف لها، والتهديد والوعيد لكل من يكفر بها. فمن بقي على كفره بعد علمه بهذه الأمور، ولم يوجد مانع يمنعه من قبول الحق، وانتفت عنه الشبهات، فهو لا محالة ظالم لنفسه ومستحق للعذاب.
والعذاب الأبدي ليس على أفعاله المقدر عددًا، بل هو على حالة الكفر وطبيعة التعالي والاستهانة بما يترتب عليها من العذاب والعقوبة. وقد بين الله سبحانه وتعالى حال هؤلاء في القرآن الكريم، فقال:
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
فهذا خبر منه عن حال هؤلاء الكفرة الذين بقوا على كفرهم بعد بلوغ الحجة إليهم. والواقع خير شاهد على جحودهم، فقد ترى من أولئك الملاحدة من يسفط البديهيات وينكر ما يعلم صدقه ضرورةً، فتجد أحدهم يجيز اجتماع النقيضين، أو يطعن في حواسه، أو يشكك في الحقائق، حتى لا يجد المؤمن سبيلًا لإلزامه. ومن شهد مناظراتهم علم من حالهم أنهم كما قال الله سبحانه وتعالى:
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا
ولأجل هذا استحق الكافر التخليد في النار، والحكم عليه بعدم الخروج منها، لا لأجل فعله، بل لأنها عليه حالة الإعراض والتكذيب والاستهزاء، ما جعل وقوع العذاب عليه من العدل لا ظلماً.
فساد الأصل الثالث:
هذا الإشكال مبنيٌّ على أصلٍ فاسد، وهو أن الله يجب عليه أن يفعل الأصلح والألطف بكل الناس، وأنه إن لم يفعل ذلك كان ظالمًا أو غير رحيم. وهذا أصل غير صحيح؛ فإن الله تعالى لا يجب عليه أن يفعل كلَّ صورةٍ من صور اللطف والصلاح لكل أحد. بل الصواب أن يقال: إن الصلاح واللطف بالعباد نوعان:
الأول: الصلاح واللطف المتعلق بالعدل.
وهذا النوع قد أخبرنا الله تعالى أنه أوجبه على نفسه، كما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا».
وهذا النوع من الصلاح قد فعله الله تعالى بعباده، فلم يفرّق فيه بين المؤمن والكافر؛ فقد أعطاهم جميعًا أدوات الفعل من القدرة والإرادة، ولم يفرّق بينهم في البيان والهداية والإرشاد إلى طريق الحق.
الثاني: الصلاح واللطف المتعلق بالفضل والتكرم.
وهو ما كان من العطاء الزائد على مقتضى العدل. ومثال ذلك: رجلٌ أعطى عمّاله أجورهم كاملةً كما اتُّفق بينهم، فهذا هو العدل؛ لأنه أعطى كلَّ واحدٍ حقَّه الذي يستحقه. ثم إنه بعد ذلك اختار أحدهم فأعطاه مكافأةً إضافية تفضّلًا وإحسانًا منه، لا لكونها حقًا واجبًا له.
فهذا العطاء الزائد فضلٌ وتكرّم، وليس ظلمًا للآخرين؛ لأنهم قد استوفوا حقوقهم كاملةً، ولم يُنقصهم شيئًا مما يستحقون.
وهذا النوع من الصلاح واللطف ليس واجبًا على الله تعالى، لا في الشرع ولا في العقل؛ إذ لا يوجد من يُلزم الله بشيء أو يفرض عليه فعلًا، فهو سبحانه المتصرّف في ملكه، وكل شيء خاضع لقدرته وقهره. كما جاء في الحديث [ مَثلُكم ومَثَلُ مَنْ قَبْلَكم كمَنِ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ:
مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ.
فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالُوا : مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا وَأَقَلَّ عَطَاءَ؟ قَالَ: هَلْ تَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقَّكُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاء ]. فمن شاء الله تفضّل عليه وأعطاه، ومن شاء منعه، وهو سبحانه لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون.
إنتهى.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
2
عدم الإعجاب
1
احببته
1
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
2