حين يختلط الدين بالأسطورة والخرافة

يناير 31, 2026 - 07:30
يناير 31, 2026 - 07:45
 0
حين يختلط الدين بالأسطورة والخرافة

دائمًا نسمع من الجهلة، ومن أدعياء التنوير، ومن أصحاب الثقافة الشعبوية الزائفة، قولهم إن الدين خرافة، أو معتقد أسطوري، أو دين خرافي. وهذا في الحقيقة دليل على جهلهم بهذه المصطلحات المختلفة، ويبدو أن هذا الاعتقاد شائع بشكل خاص بين الملحدين. وكثيرًا ما سمعتُهم يرددون عبارة: «أديان اليوم هي أساطير الغد».
إلا أن هذا الاعتقاد خاطئ؛ فمصطلحا «الدين» و**«الأساطير»** و**«الخرافة»** يشير كلٌّ منها إلى أمور مختلفة تمامًا.

الأساطير هي مجموعة من القصص التقليدية المرتبطة بثقافة معيّنة، تناقلتها الأجيال جيلًا بعد جيل، ولها دلالات ثقافية و/أو دينية عميقة لدى أفراد تلك الثقافة. وقد تكون الأساطير ذات طابع ديني أحيانًا، لكنها قد تكون أيضًا مهمة لجوانب أخرى من الثقافة.

كلمة «أسطورة» مشتقة من الكلمة اليونانية μῦθος (ميثوس)، والتي تعني حرفيًا: قصة أو رواية. وفي الاستخدام الدارج غالبًا ما تحمل هذه الكلمة دلالة على أن الشيء الذي تُطلق عليه خاطئ أو مغلوط، أمّا وفقًا لتعريفها الأكاديمي الدقيق فإن كلمة «أسطورة» لا تُشير بتاتًا إلى صحة القصة من عدمها.

أمّا الخرافة فلا معنى لها محددًا على هذا النحو المتداول اليوم، بل يُروَّج لها خطأ؛ فكلمة خرافة في أصلها اسمُ رجل، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

حدَّث رسولُ الله ﷺ نساءَه ذاتَ ليلةٍ حديثًا، فقالت امرأةٌ منهنَّ: يا رسولَ الله، كأنَّ الحديثَ حديثُ خُرافةَ.
فقال: «أتدرينَ ما خُرافةُ؟ إنَّ خُرافةَ كان رجلًا من عُذْرةَ، أسرتْه الجنُّ في الجاهلية، فمكث فيهم دهرًا طويلًا، ثم ردُّوه إلى الإنس، فكان يُحدِّث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديثُ خرافة!»

أمّا ما يُقصَد اليوم بكلمة خرافة، فحقيقتها في الاصطلاح الغربي هي Superstition، وهي اعتقاد بأمور لا عقلانية، أو ممارسات يعتبرها غير الممارسين غير عقلانية أو خارقة للطبيعة. ويُستخدم هذا المصطلح عادةً لوصف المعتقدات والممارسات المتعلقة بالحظ، والقدر، والسحر، والتمائم، والتنجيم، وقراءة الطالع، والأرواح، وبعض الكيانات الخارقة للطبيعة، ولا سيما الاعتقاد بإمكانية التنبؤ بالأحداث المستقبلية من خلال أحداث سابقة محددة وغير مرتبطة بها.

والاسم الدقيق لهذا المعنى في لغة العرب هو الطِّيَرة، لا الخرافة، كما يُروَّج له جهلًا.

أمّا معنى الدين، فبحسب كتاب «الأسس المنهجية لنقد الأديان» للدكتور محمد بن بسيس بن مقبول السفياني، يقول في تعريف الدين لغةً واصطلاحًا:

إن كلمة الدين تُؤخذ:

  • تارةً من فعلٍ متعدٍّ بنفسه: (دانه يدينه)،

  • وتارةً من فعلٍ متعدٍّ باللام: (دان له)،

  • وتارةً من فعلٍ متعدٍّ بالباء: (دان به).

فإذا قلنا: (دانه دينًا)، عنينا أنه ملكه، وحكمه، وساسه، ودبّره، وقهره، وقضى في شأنه، وجازاه، وهو هنا يدور في معنى الملك والتصرف.
وإذا قلنا: (دان له)، أردنا أنه أطاعه وخضع له، فهي تعني الخضوع والطاعة.
وإذا قلنا: (دان به)، أردنا اتخذه دينًا ومذهبًا، أي اعتقده واعتاده وتخلّق به.

وبعد أن قام درّاز بهذه الدراسة المستفيضة قال:
«وجملة القول في هذه المعاني اللغوية أن كلمة الدين عند العرب تشير إلى علاقة بين طرفين، يُعظِّم أحدهما الآخر ويخضع له؛ فإذا وُصِف بها الطرف الأول كانت خضوعًا وانقيادًا، وإذا وُصِف بها الطرف الثاني كانت أمرًا وسلطانًا وحكمًا وإلزامًا، وإذا نُظر بها إلى الرابط الجامع بين الطرفين كانت هي الدستور المنظِّم لتلك العلاقة، أو المظهر الذي يعبّر عنها».

ونستطيع أن نقول إن المادة كلها تدور على معنى لزوم الانقياد؛ فإن الاستعمال الأول للدين هو إلزام الانقياد، وفي الاستعمال الثاني هو التزام الانقياد، وفي الاستعمال الثالث هو المبدأ الذي يُلتزم الانقياد له.

ويُتعقَّب هذا بأن من معاني الدين الجزاء، والجزاء إنما هو ثمرة العلاقة بين الطرف الأول والطرف الثاني؛ فإن التزم وانقاد جُوزي بالنعيم، وإن كذّب وتولّى جُوزي بالعقاب.
فكان عندنا أربعة أقسام لا ثلاثة:

  1. المعبود.

  2. العابد.

  3. الدستور المنظّم لتلك العلاقة.

  4. الجزاء على تلك العلاقة.

وقد استعمل العرب هذا المعنى في كلامهم فقالوا: «كما تدين تُدان».

أمّا الدين اصطلاحًا، فهو:

  • ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه من الأحكام.

  • أو التسليم لله تعالى والانقياد له.

  • أو وضعٌ إلهيٌّ سائقٌ لذوي العقول باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل.

فهذه التعريفات عند علماء المسلمين تحصر معنى الدين في الدين الحق، أو ما كان أصله سماويًا صحيحًا، فيخرج منها كل دين وضعي أو وثني.

ومن هنا يتبيّن الفرق بين الأساطير والخرافات والدين؛ فالدين ليس خرافة ولا أسطورة، بل إن الدين الإسلامي مبرهَن بالأدلة العقلية والنقلية، الموافقة للفطرة البشرية، وجاء ليمنع أن يُترك الناس سُدًى بلا شريعة تهدي إلى الحق.

أمّا الخرافة أو الطِّيَرة، فهي اعتقادات جاهلية جاء الإسلام لينهي عنها، لكونها بلا أصل ولا دليل. والأساطير ليست إلا ثقافات وتراثًا شعبيًا لا يقوم على برهان، بخلاف ما جاء في الدين الإسلامي من أمور ثبتت بطريق التواتر القطعي الذي يفيد العلم اليقيني.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 1
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
الباحث بالدارجة مرحبًا بكم في عالم نكشف فيه أسرار الماضي، نعيد قراءة الحقائق الغائبة، ونصحح المغالطات الرائجة. هنا حيث يلتقي التاريخ بالدقة، وتتجلى الحقائق بعيدًا عن التشويش والزيف. جميع روابط التواصل الاجتماعي https://linktr.ee/albahtalbahit