تصحيح الوحي القرآني لتحريفات التوراة: زوجة نوح أنموذجًا بين التنزيه والتحريف
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، النبي الأمي، المبعوث رحمةً للعالمين، المؤيَّد بالوحي المبين، صادق الوعد، الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اما بعد
قبل أن يُنزَّل الوحي على محمدٍ ﷺ، ما كان هو ولا قومه على علمٍ بأخبار الأنبياء السابقين ولا بأحوال الأمم الغابرة. لم تكن بين أيديهم كتب، ولا في أسماعهم أخبار، ولا في صدورهم علمٌ موروث عن الأولين. بل كانوا أمةً أمّية لا تقرأ كتابًا ولا تخطّه بيمينها. فجاءهم هذا القرآن العظيم، يتلو عليهم من أنباء الغيب ما يعجز العقل عن تصوّره، وما كان ليُعلم إلا بوحيٍ من العليم الخبير.
قال تعالى في سورة هود، كاشفًا هذه الحقيقة الباهرة:
﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49].
قال ابن كثير في تفسيره: يخاطب الله نبيه محمدًا ﷺ قائلًا: هذه القصة وما شابهها من أنباء الغيوب الماضية، إنما نوحيها إليك ونعلمك إياها على وجهها الصحيح، كأنك شاهدٌ لها، ولم يكن لك بها من علمٍ سابق، لا أنت ولا قومك، حتى يُقال إنك تعلّمتها من أحدٍ من الناس. بل إن الذي أخبرك بها هو الله عز وجل، وصدقها ما شهدت به كتب الأنبياء قبلك، مما يدل على أن مصدرها واحد، وهو وحي السماء.
ومن عظيم دلائل النبوة، أن هذا القرآن جاء بخبرٍ عن امرأة نوح، وهي من الأخبار التي لم يكن يعرفها أحدٌ من قوم النبي ﷺ، بل لم يكن يعلمها إلا خواصّ أهل الكتاب، وربما لم يكن يعرفها سوى بعض كبار أحبارهم. قال تعالى:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: 10].
وهنا ينقل القرآن خبر كفر امرأة نوح، على خلاف ما جاء في سفر التكوين الذي ذكر أنها ركبت السفينة مع زوجها، كما في النص:
"فدخل نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه إلى الفلك" (التكوين 7:7).
أما امرأة لوط، فقد وافق القرآن ما ورد في نفس السفر، حيث جاء فيه:
"ونظرت امرأته من وراءه، فصارت عمود ملح" (التكوين 19:26).
فلو كان محمدٌ ﷺ قد أخذ هذه الأخبار من التوراة، كما يزعم الطاعنون، لنقل القصة كما هي، بجميع تفاصيلها، لكنه خالفها في موضع، ووافقها في آخر، مما يدل دلالة قاطعة على أنه لم يكن ناقلًا ولا ناسخًا، بل كان مبلغًا لوحيٍ يصحّح ما دخل على التوراة من تحريفٍ وتبديل.
وقد كشف الباحث غابرييل سعيد رينولدز في كتابه The Qur'an and the Bible: Text and Commentary أن ثمة روايات غنوصية سابقة للإسلام، كانت تحمل صورةً مختلفة عن زوجة نوح. ففي كتاب الباناريون (2:26) لأبيفانيوس (توفي سنة 403م)، يُروى أن طائفة الغنوصيين قالت أن زوجة نوح — والتي سموها "نوريا"، من الجذر السرياني "نورا" أي النار — قد أحرقت السفينة ثلاث مرات، ولم يُسمح لها بركوبها، بل سُميت في الرواية اليونانية بـ"بيرثا".
وهذا دليل آخر على أن الروايات حول امرأة نوح كانت مختلفة ومتضاربة بين الطوائف، بل لم تكن من النصوص المعروفة لعامة الناس، ولا مما يمكن لمحمدٍ ﷺ أن يطّلع عليه، خاصة وأن جزيرة العرب — وخصوصًا الحجاز — لم يكن فيها أثر لمثل هذه الكتب، ولا لوجودٍ منظمٍ لأهل الكتاب إلا نادرًا. فكيف لرسولٍ أمي، لا يقرأ ولا يكتب، ولا عاش بين علماء أهل الكتاب، أن يأتي بخبر دقيق كهذا، يخالف فيه الرواية التوراتية المعتمدة، ويوافق مصادر خفية لا يطّلع عليها إلا قلة؟
بل الأعجب من ذلك، أن القرآن لم ينقل هذه الأخبار من الكتب السابقة فحسب، بل جاء ليصحّحها، ويكشف ما طاله التحريف والتلفيق. وما ذلك إلا لأن مصدره ليس الأرض، بل السماء. وليس قائله بشرًا، بل رب البشر.
إن في هذا لحجةً ناصعة، وبرهانًا مبينًا على أن هذا القرآن هو الحق، وأن محمدًا ﷺ رسول الله حقًّا، وما ينطق عن الهوى.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
2
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0