الرد على قناة مساحة - يوسف اعبو | هل علماء الاسلام ملحدون؟
يخرج علينا يوسف أعبو صاحب قناة "مساحة" ليُسجّل حلقة جديدة من تحريف التاريخ وتشويه مواقف علماء الإسلام، مدّعيًا أن الفقهاء حاربوا الفلاسفة والعلماء واضطهدوهم فقط لأنهم كانوا "يستعملون عقولهم"!
وهذه دعوى قديمة مكرّرة، لا تمت للواقع بصلة، بل هي نتاج قراءة سطحية وانتقائية للتاريخ، تعيد تدوير سرديات المستشرقين وأعداء التراث الإسلامي، متجاهلة السياقات الحقيقية التي كانت في غالبها سياسية أو فكرية لا علاقة لها بالفقهاء أصلًا.
في هذا الرد، سنفكك بالأدلة العلمية والمنطقية جملة من المغالطات التي روّج لها، وسنُبيّن الحقائق كما نقلها المؤرخون الثقات، بعيدًا عن الشعارات الزائفة والعناوين المضلّلة.
فلا القصة بين "النص والعقل"، ولا الغزالي كفّر الفلاسفة بلا دليل، ولا الكندي أو ابن سينا أو ابن رشد عُذّبوا لأنهم فلاسفة، بل كانت الأسباب سياسية أو خلافات فكرية جوهرية لها مبرراتها العلمية، لا علاقة لها بحرب على "العقل" كما يزعم صاحب القناة.
فلنبدأ كشف الحقائق، وتفنيد الأكاذيب... واحدةً تلو الأخرى
أولًا:
دعوى الصراع بين "النص والعقل" هي مغالطة في التوصيف؛ فالعقل عند علماء المسلمين ليس خصمًا للوحي، بل هو أداته في فهم النص. بل لم يعرف التاريخ عقلاء كفقهاء الأمة. وإنما كان الخلاف – إن صح تسميته كذلك – بين "العقل المجرد" و"الرأي المنحرف"، لا بين العقل والنص. وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك حين قال:
"لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه."
ثانيًا:
القول بأن الكندي حورب لأنه "فيلسوف" باطل. فالفلسفة ليست سُبّة، بل هي علم له فروع كثيرة، من أخلاق ومنطق ومعرفة ورياضيات وطبيعيات وإلهيات. أما موطن الخلل، فكان في فلسفة الإلهيات، التي انحرف فيها بعض الفلاسفة.
والكندي لم يُحارب من طرف الفقهاء، بل خاصمه أحد رجال الدولة بسبب صراعات سياسية داخل القصر العباسي. ومن الجهل الفادح القول إن من اضطهد الكندي هو الخليفة المعتصم، والمصيبة أن المعتصم كان معتزليًّا، وكان الكندي من المقرّبين إليه.
المشكلة أن سبب مصادرة كتب الكندي لم يكن في عهد المعتصم، بل في عهد المتوكل، بسبب خلافه مع المنجم سند بن علي. وقد تعرّض حينها للضرب أو الجلد، لأنه كان يُخطئ في التنجيم، لا بسبب فلسفته.
ثالثًا:
اتهام الغزالي بأنه هاجم ابن سينا فقط لأنه فيلسوف، مغالطة كبرى.
فالغزالي ناقش ابن سينا في ثلاث مسائل:
-
القول بقدم العالم،
-
إنكار علم الله بالجزئيات،
-
وإنكار البعث الجسدي.
وكل هذه الأقوال مثبتة في كتب ابن سينا، كـ"الشفاء" و"الإشارات والتنبيهات".
لكن الغزالي لم يُكفّر ابن سينا والفارابي في تهافت الفلاسفة، بل صرّح في المنقذ من الضلال أن هؤلاء متجمّلون بالإسلام.
أما محنة ابن سينا، فلم تكن لأنه حاول التوفيق بين الدين والفلسفة، بل لأنه كان وزيرًا في بلاط الدولة السامانية، وسُجن مرتين بسبب خلافات سياسية، لا لأنه فيلسوف.
رابعًا:
أما محنة ابن رشد، فلم يكن سببها الفقهاء، بل تعود لأسباب سياسية داخل بلاط الموحدين، حيث اتُّهِم بازدراء الخليفة عندما كتب:
"ورأيت الزرافة تلد عند ملك البربر"،
فعدّ ذلك إهانة للسلطان لأنه لم يصفه بـ"أمير المؤمنين".
ثم استُخرجت عليه عبارات من شرحه لكتاب "الحيوان" لأرسطو، فغضب السلطان وأمر بإتلاف بعض كتبه الفلسفية، دون أن يمس كتبه في الطب أو الفلك.
وقد نقل هذا المؤرخ عبد الرحمن المراكشي في كتابه النفيس المعجب في تلخيص أخبار المغرب.
خامسًا:
من الأخطاء الفادحة أيضًا أن صاحب القناة زعم أن ابن الجوزي وصف أبا بكر الرازي بـ"كبير الزنادقة"، وهذا خلط وجهل؛ فقد خلط بين أبي بكر محمد بن زكريا الرازي، الطبيب الشهير، وبين يوسف بن الحسين الرازي، الصوفي، وهو الذي وصفه ابن الجوزي بذلك في تلبيس إبليس.
أما الرازي الطبيب، فقد اختلفت فيه الأقوال، ولم يثبت هذا الوصف عليه.
سادسًا:
وأما جابر بن حيان، فالتشكيك في وجوده لم يصدر عن الفقهاء كما ادّعى صاحب القناة، بل نقله ابن النديم في الفهرست عن بعض الورّاقين، الذين رأوا أن كثيرًا من الكتب نُسبت إليه زورًا، أو أن شخصيته غير حقيقية.
وقال ابن النديم إن نسبة جابر إلى جعفر الصادق هي قول الشيعة، وأن الأرجح أنه ينتمي إلى سيده جعفر البرمكي.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية، فنقل أن جابر مجهول، ولم ينكر وجوده.
حتى المستشرق مارسيلين بيرثيلوت قال أيضًا إنه شخصية غير حقيقية.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0