مبادئ الجدل والمناظرة

يوليو 11, 2025 - 11:35
يوليو 11, 2025 - 12:08
 0
مبادئ الجدل والمناظرة

المبحث الأول : ماهية الجدل والبحث والمناظرة... 

يقع كثير من طلبة العلم في الخلط بين عدة اصطلاحات منها الجدل والاختلاف ونحوها ويرى الإمام الجويني -رحمه الله -  " أنه لا فرق بين المناظرة والجدال والمجادلة في عرف العلماء بالأصول والفروع وإن فرِّق بين الجدل والمناظرة على طريقة اللغة " 
وأما الخلاف فلا شأن له في طبيعة الجدل والمناظرة فهو وصف لشيئين لا دخل له في طرائق التفكير وإن كانت الأفكار تختلف لذلك يقول ابن خلدون : " فتارة يكون الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة ومالك يوافق أحدهما وكان في المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة ومثارات اختلافهم ومواقع اجتهادهم وكان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات " ويقول في موضع آخر : " لا بد لصاحبة - أي الخلافات - من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الاحكام كما يحتاج إليها المجتهد إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته " 
لهذه الفروقات بين ابن خلدون الفرق بين الجدل والمناظرة والخلاف 

ويخلط البعض بين علم الجدل وبين أصول الفقه ويذكر في ذلك الإمام الطوفي رحمه الله فيقول :
" أصول الفقه خاص فهي تلزم الجدل وهو لا يلزمها لأنها أعم منه وهو أخص منها " إذن بين أصول الفقه وبين الجدل عموم وخصوص مطلق  والمادة العامة بينهما هي البحث عن الدليل ولكن يفترقان خصوص كل منهما  بمادة أخرى فيكون الجدل البحث عن الدليل لغاية المنازعة وفتل الخصم بالحجة ويكون علم الأصول البحث عن الدليل الإجمالي مطلقاً  

فما هو علم المناظرة والجدل ؟ 
الجدل هو : رد الخصم عن رأيه إلى غيره بالحجة 
ومعنى الجدل ينبي عن البون بين الطرفين وهذا لازم بخلاف المناظرة 
فالمناظرة هي : النظر من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهاراً للصواب 
فعلم المناظرة والجدل مركب من لازمين أولهما الجدل وثانيهما المناظرة وكلٌّ منهما يضفي معناً خاص لنفس العلم إذ ليس غاية العلم هو فقط الجدل أو فقط المناظرة ولكنه مركب منهما 

ومن هنا يظهر أن النسبة بين الشيئين المتجادل فيهما إما أن تكون : 
- تبايناً كلياً أو جزئياً 
فينظر فيها في أحكام التقابل التصوري 
- عموماً وخصوصاً مطلقاً أو وجهياً 
وهذا ينبي عن أرضية مشتركة لازمة بين الطرفين ويكون الاختلاف بينهما في العنوان البحثي المطروح 
وهذا يلزم على المتناظرين تحرير المباحث أي كما قال الخوارزمي : "تحرير المباحث أي تعيين محل البحث " ومن المهم في البحث والمناظرة تعيين مدخل الجدل فالجدل يكون في محل البحث لا في الحكاية مثلا إذ الحكاية لا دخل عليها من المنع والمعارضة لأن فائدة الدخل إبطال الدعوى أو الدليل والحكاية لا دليل فيها ولا دعوة فالدخل عليها عبث ولكن ما يُساق من حكايا يلزم منه التحرير 
كأن يذكر احدهم فيقول : دعاء القنوت في الفجر من سنن الأبعاض عند الشافعي 
فهذه حكاية ونقل مجرد ويلزم عليه أن يحرر ما هي سنن الأبعاض مثلا وماذا يلزم من تركها ثم يكون الجدل في أصل ادعائه لا في حكايته ولا أريد الاستطالة هنا لأن هذا له مبحثه قادماً إن شاء الله 

وعلم الجدل نوعان : 
- عام : فهو عام في كل الأدلة والمسائل من أي علم كان 
يقول الإمام الجويني  فيه : " أسلوب تصحيح لكل اوضع فاسد يتنازع فيه خصمان على التدافع والتنافي " 
- خاص : والخاصة في علم معين كالعلم الشرعي وأدلته من إجماع ونصوص ونحوها 

الجدال المنهي عنه : 
- الجدل بغير حجة ولا برهان 
- الجدال بالشغب والاشتبهاه والتمويه 
كقول الله : " وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ " 
يقول الفتوحي : "فأما اجتماع متجادلين كل منهم لا يطمع أن يرجع إن ظهرت حجة ولا فيه مؤانسة ومودة وتوطئة القلوب لوعي حق فمحدث مذموم" 
ويشترط في السائل والمتناظر : " ويشترط انتماء سائل إلى مذهب ذي مذهب للضبط وأن لا يسأل عن أمر جلي فيكون معانداً " 

الفرق بين الجدل المنطقي والجدل الإسلامي ... 
يقول الشيخ طه عبد الرحمن : " إن اليقين الذي يبنى عليه الجدل الإسلامي هو يقين عملي بينما اليقين المنطقي هو يقين نظري صناعي تصوري واليقين العملي أقوى على التوجيه وأقدر على التغيير من اليقين النظري هذا اليقين لا ينتفع به ويبقى حبيس القرطاس والقول " 


المبحث الثاني : فيما يكون الجدل... 

ينقسم القول بحسب دلالته على قسمين : 
- الأول : المفرد وهو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه كزيد ( علماً ) 
والمفرد لا تجري فيه المناظرة ولكن إذا عرض على المفرد غرابة أو تمويه يُسأل عنه مع الأخذ بتحرير المبحث ويستفصل عن المفرد بالقول الشارح كان حدّاً أو رسماً ويُكتسب القول الشارح عن طريق التركيب 
ما هو التركيب ؟ 
" نأخذ شخصاً من أشخاص المطلوب حده بحيث لا ينقسم وننظر من أي جنس من مقولات العشر فنأخذ جميع المحمولات المقومة لها التي في ذلك الجنس ولا يتلفت إلى العرض واللازم بل يقتصر على المقومات ثم يحذف ما تكرر ويقتصر من جملتها على الأخير القريب ونضيف إليه الفصل " انتهى من الغزالي 

ونقض الحد يكون بطريقتين : 
- أن يكون بإبداء الحد ولا محدود ويسمى في عرف الجدليين نقضاً وهذا إنما يكون بأن يأتي باسم مضاد 
- أن يكون بإبداء المحدود ولا حد ويسمى عكساً وهو أن يجعل المحمول من القضية موضوعاً والموضوع محمولاً مع حفظ الكيفية وبقاء الصدق  والكذب 
ويُدفع النقض في الأول بطريقتين : 
- في وجود الحد 
- منع خلوه عن المحدود 

ويُدفع النقض في الثاني بطريقتين : 
- منع وجود المحدود 
- منع خلوه عن الحد 
لماذا تجري المناظرة في الأقوال الشارحة ؟ 
الأقوال الشارحة قد يكون فيها ادعاءات تحتمل الصدق والكذب فقول القائل مثلاً يُحدُّ الانسان بأنه حيوان ناطق يتضمن ادعاءات معنوية منها مثلاً أنه عرَّف بالحدِّ لا بالرسم وأن تعريفه مؤتلف من الذاتيات المقومة لا من العرضيات وأن تعريفه جامع مانع وكذلك لو قال قائل الكلمة إما اسم او فعل أو حرف فقد ادعى ضمناً أن تعريفه حاصر فعلى هذا يجب إثبات الادِّعاء وأرى أنه من سخف المتناظرين أن ينشغلا بالحدود تاركي تحرير المبحث فالحدود يُلجأ إليها بمعية محرر المبحث  

- الثاني : المركب وهو ما يدب جزؤه على جزء معناه كرامي الحجارة 
وشروطه ثلاثة : 
- أن يكون للفظ جزء 
- أن يكون للجزء معنى 
- أن يكون ذلك المعنى جزء من المعنى الموضوع للفظ 

ينقسم المركب إلى ثلاثة أقسام : 
- مركب تام خبري كقولنا : الإنسان حيوان ناطق 
- مركب ناقص كقولنا : حيوان ناطق 
- مركب تام إنشائي كقولنا : ادرس درسك 
وتكون المناظرة في التام الخبري فقط لأنها قضية تحتمل الصدق والكذب لذاتها ويصح أن توجه المناظرة إلى المركب التام الإنشائي شريطة أن يكون ناقلاً فيُطالب بصحة منقوله 

فعلى ما سبق تجري المناظرة في ثلاثٍ : 
- التقسيم فيُعارض بعدم حصره 
- التعريف سبق أن ذكرنا معارضته 
- المركب التام الخبري الصحيح وسنأتي في المرة القادمة على معارضاته 


أركان المناظرة تكون باعتبارين : 
الاعتبار الأول : أن تكون في جزئها الداخل في حقيقة نفسها 
الاعتبار الثاني : أن تكون فيما يوقف تحقق الشيء عليه 

فالاعتبار الأول تكون الأركان هي : 
- السؤال 
- الجواب 
- والاستدلال 
- الاعتراضات 
- وجه التخلص منها 

وفي الاعتبار الثاني تكون الأركان هي : 
- الدَّال 
- والدَّليل 
- والمستدل 
- والمستَدل عليه 
- والمستَدل له 

المبحث الثالث : حدُّ الدليل 

الدليل : من دلل وفاعله دال والدال هو الله عز وجل والدليل بمعنى المرشد ودليل على وزن فعيل والفاعلية هنا مجازية لا حقيقية فهو في حقيقة أمره مفعول أي مدلول والدليل والدال هو الله سبحانه وتعالى 
لذلك كان كتابه سبحانه دليل ودال حقيقة لا مجازاً وليس هو فقط محصور بالدلالة كما يفعل بعض الحداثيين أو فلاسفة التأويل في علم الهرمنيوطيقيا في اعتبار النصوص مجرد تأويل ومثله موجود عند الباطنية وجنسه موجود عند المتكلمين 

والدليل باعتبار وجوده ينقسم إلى : 
- دليل شرعي 
- دليل عقلي 
- دليل حسي
- دليل مركب 
وأما الدليل الحسي فهو ما يُدرك به المحسوس وأما العقلي فهو ما يثبت به لازم هذا الحس والشرعي هو الدليل الذي ثبت صحة الاستدلال به والمركب ما رُكِّب من عقلي وشرعي  أو الحدس وهو ما رُكِّب من 
من الحس والمشاهدة مع تعليل لماهية الحدث المحسوس 

لماذا لم نقل أن المركب ما رُكب من حسي وعقلي ؟ 
لأن الحسَّ شرط في العقل فلا يمكن أن يتركبا من بعضهما إذ بينها تلازم والمقصود بالتركيب هنا ما رُكب من طبيعتين وماهيتين منفصلتين ودلالة هذه الأدلة إما أن تكون قطعية أو ظنية فإن كانت قطعية يمتنع التعارض بين مختلفاتها لأن هذا يفضي إلى قلب الحقائق والثوابت وإن كان أحدهما قطعي فهو المقدم وإن كانا ظنيين فيصار إلى الترجيح  ويمكن هنا تقسيم الدليل بحسب دلالته إلى قطعي وظني ولكن هذا سنبحثه مفصلاً في المبحث القادم إن شاء الله 

ويقسم الدليل باعتبار آلته إلى قسمين : 
- كلي عقلي 
- حسي جزئي 
فالقضايا الكلية شأن العقل لا الحس ولكن بواسطة الحس كما ذكرت آنفاً فالعقل يرى إطراداً قوياً أو ضعيفاً في تماثل على سبيل التواطؤ العالم أو الخاص أو تشابه على سبيل التشكيك أو تباين جزئي أو كلي فيجعل للقضية التصورية سور كلي أو جزئي ( نقصد بالجزئي هنا الجزئية أي سور لجزء أفراد القضية ) 
والحس لا يُدرك إلا الجزئيات والعقل ركن في تصحيحها وتقويمها ولكن لا حكم مطرد في الجزئي إذ هو قضية شخصية لا كلية 

ويقسم الدليل باعتبار باعتبار نفسه إلى قسمين : 
- دليل مستقل 
- دليل غير مستقل 
وهذا للصراحة في نفسي منه شيء لأنه قول من يقول بالمعرفة القبلية وأنا لا أقول بها إذ قول الله تعالى في محكم تنزيله مخالف لهذا ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ) وحتى القول بالعرفة القبلية مخالف للمشاهد إذ نرى يرعان الأطفال في تعلمهم والمعرفة غير الغريزة إذ تلقف الطفل ثدي امه عند الولادة غريزة وليس معرفة وشيخ الإسلام يقول :" لو لم يكن في الأجسام ما هو واحد امتنع حكم الذهن بأن الواحد نصف الاثنين " مع أن قضية أن الواحد نصف الاثنين عقلية محضة لا يحتاج العقل لغيرها في تأكيدها ولكن هي منتزع من حسٍّ سابق  ويذكر السنوسي في تعريف الأوليات " بأنها تدرك بأول توجه للعقل " وتوجه العقل لا يكون إلا بالحس 

فقد نجعل التقسيم هنا أوضح من هذا فنقول : 
- دليل لا يحتاج إلى غيره في نفس الدليل ( ولا يعني استقلاله مطلقاً ) 
- دليل يحتاج إلى وساطة غيره في نفس الدليل 
فالأولى كالقضايا اليقينية الأولية التي لا يحتاج العقل إلا إلى تصور طرفيها والثانية كالقضايا اليقينية الحسية التي يكون الحس واسطة فيها وكالشرع الذي يحتاج إلى العقل في إثبات صحته طبعا نقصد بإثبات صحته أي تصور أدلته المصححة لنفسه وليس المقصود هنا تقويمه كما تفعل عقول المتكلمين بل الشرع صحيح ثابت في نفسه ولكن تصحيحه للعاقل يحتاج لتوسط العقل وهذا هو المقصود

المبحث الرابع : قيمة الحجة 

يعتمد المستدل في استدلاله على شيئين : 
- قيمة الدليل 
- تأثير الدليل 

وأما تأثير الدليل فموضعه بالنقض والمعارضة إذ مسموعات الجدل تدور عليهما ولو خلت المناظرة من النقض والمعارضة لكانت هذياناً وعبثاً ولكن قبيل تأثير الدليل يجب النظر في قيمته وبين التأثير والقيمة عموم وخصوص مطلق إذ تأثير الدليل مطرد مع قيمته فكلما قويت قيمة الدليل منع النقض عليه أو صعب وأوجب على المقابل من مقابلته بدليل يكافؤه 
وقيد قيمة الدليل هو صدقه ومطابقته لنفس الأمر وتحققه خارجاً إذ هو شرط المعرفة ولا يُتحاكم على صحة وجوده خارجاً أو عدم العلم بامتناع وجوده فهذه عدم واقعية ومثالية ساذجة 
وإجمالاً قيمة الدليل متلعقة بدرجة ثبوت دلالته وتأثيره بتركيبه 
ومبحثنا متعلق بقيمة الحجة او الدليل وقيمة الحجة المفروضة تكون على قسمين : 
- يقينية 
- ظنية 
ويخرج بهذه القسمة الحاصرة الشك فليس هو بحجة أو الشبهة وهي ما كان شبيهاً بالحق وليست به وشرط الجدل أن يُسلَّم لقيمة الحجة فتكون قيمتها مشهورة عند الناس أو الخصم وغن كانت يقينية فهذا برهان ولا جدال فيه إلا لمسفسط فيؤدَّب 
ومن عنا ندخل إلى مسألة وهي مسألة المنع والحجر ... 
لأنه من المقرر أن المتفق عليه يصح الاستناد إليه مطلقاً وأما المختلف فيه إما أن يكون مدعياً من جهة المستدل ممنوعاً من جهة المعترض أو العكس وهذا فيه احتمالات ... 
- أن يُمكَّن المستدل من الإستناد إليه ويُحجر على المعترض إن لم يؤاخذ 
- أو ان يكون للخصم مؤاخذة فيُردُّ الكلام إلى مسألة أخرى 

فذهب الجدليون في هذا إلى ثلاث مذاهب : ( من كتاب غاية الأمل للآمدي ) 
- مذهب قال بالمنع من التمكين مطلقاً لما فيه من التطويل وتكثير الكلام فلا يكون الدليل عندهم إلا فيما اتفق فيه 
- مذهب قال بجواز التمكين والمنع مطلقاً لتعذر الحجر على كل واحد منهما في الاستناد إلى ما له فيه مأخذ 
- مذهب قال بالتفصيل فإن المستروح إليه من الاستدلال والمنع إن كان لا مأخذ لهما سواه ولا معتمد إلا هو فلا حجر 
ومسألة أخرى وهي هل يصح استدلال الخصم بما ليس حجة عنده ؟ 
يمتنع عليه الاستدلال به ويجوز له الإلزام 

الأول : اليقينيات ... 
بالمعنى الأعم : مطلق الاعتقاد الجازم 
بالمعنى الأخص ( وهو مقصودنا ) : الاعتقاد المطابق للواقع 
واليقين بالمعنى الأخص يتقوم من مقومين : 
- أن ينضم إلى الاعتقاد بمضمون القضية اعتقاد ثانٍ لا يمكن نقضه مقوِّم لكون الاعتقاد جازماً وهذا الاعتقاد الثاني إما أن يكون صفة في نفس القضية كما في الأوليات أو واسطة خارجة عنها 
- أن يكون الاعتقاد الثاني لا يمكن زواله أكان أولياً أو عن طريق الكسب



 المظنونات : 
وتسمى الأمارات ، وهي دليل ولكنها يعرض عليها الخطأ احتمالاً إما لنفس الظان أو المظنون وغالبها في الظَّان فهي قضايا يٌصدِّق بها العقل لغلبة الظَّن مع تجويز نقيضه وليس التجويز هنا بمعنى الإمكان الخاص لأن التجويز فيه قد يكون صفراً نسبياً كما سيأتي 
فأنواع المظنونات خمسٌ : 

- المشهورات : 
فالمشهورات بالمعنى الأعم : هي ما تطابق على الاعتقاد بها آراء العقلاء كافة فتشمل حينئذ المشهورات بالمعنى الأخص والأوليات والفطريات ... 
والمشهورات بالمعنى الأخص هي القضايا التي عمدة التصديق بها الشهرة والعموم 
والمؤثر في الشعرة هنا العقل والحسُّ لأنه لو خلِّي الإنسان عنهما لما حصلت هذه الشهرة وتختص المشهورات بأن يُقابها الشنيع واليقينيات يُقابلها الكاذب 
فأنواع المشهورات : 
1. واجبات القبول : وهي ما كان سبب شهرتها كونها حقاً جلياً 
2. التأديبيات الصلاحية : وهي ما كان سبب شهرتها وتطابق الآراء عليها قضاء المصلحة العامة 
3. الخلقيات : وهي ما كان سبب شهرتها اقتضاء الخلق الإنساني ذلك كحسن الشجاعة 
4. الانفعاليات : وهي التي يقبلها الجمهور بسبب انفعال نفساني عام كالرقة والرحمة 
5. العاديات : وهي التي يقبلها الجمهور بسبب جريان العادة عندهم كاستقبال الضيف ثلاثاً ثم سؤاله عن حاجته 
* تنبيهات مهمة : الفيصل في هذه التقسيمات هو حدها الماهوي لذلك قد يوجد عمومات وجهية أو مطلقة فيها وهو ما يخلط الكثير فيها فحصر تأثير الأخلاق بالتأديبيات الصلاحية كما يفعله الملحدون ينيب عن قلة تدقيقهم وكذلك حصر الاخلاق في الانفعاليات أو الانفعاليات في الاخلاق فيكون كل انفعال برحمة هو الخلق مطلقاً !! 
فالنفس تنفعل للقتل وإن كان أحياناً للمجرم ولكن عين هذا ليس بخلق فالأصل في هذه المباحث الضمُّ مع المحافظة على الحدود الماهوية لهذه التقسيمات 
6. الاستقرائيات : وهي التي يفعلها الجمهور  بسبب استقرائهم فإن كان ناقصاً أفاد الظنَّ وإن كان تاماً أفاد اليقين وهو ما يُسمى اليقين العادي وهو من ضروب التصورات الإجمالية وهي تختص بالناطقيات من الحيوانات مثاله : تكرار الفعل يفيد الملل ( استقراء ناقص ) كل ما أعيانه في العالم حادث فقير ( استقراء تام ) 
فالبحث في الاستقرائيات بحث جزئي ثم تعميم كلي ولا يشترط التعميم إلا لوضع قضية كلية ففحص نفس الجزئي كافٍ في كونه يقيناً عادياً ولكن الكلية عرض في العقل للزوم الحسِّ والتكرار وهذا هو الاستقراء والاستقراء والإحصاء ملكة إنسانية ولكن يكفي هنا أن اليقين العادي مفيد للقطع إن تمَّ استقراؤه 

- المسلمات : قضايا سُلمت من طرفين أو أكثر سواء كان الطرفان متناظرين أو دينين أو طائفتين وهكذا دواليك أو عدة أطرفاً من طوائف وأديان و ... 
ملاحظات : 
- التسليم للشيء قد يكون من المشهورات 
- التسليم للشيء قد يكون في علم خاص وهو ما يكون من الأصول الموضوعة  للعلم أو مبادؤه أو ما يتواتر فيه كعلوم الحديث 
- أول ملاحظتين من التسليمات العامة والتسليم الخاص هو ما يكون بين متناظرين أو متجادلين 

- المقبولات : قضايا مأخوذة ممن يوثق بصدقه سواء كان شخصاُ أو كتاباً أو غيره والأخذ هنا تقليدٌ ولكنه مما ثبت للشخص صحته وصدقه فمثلاً العقل صدَّق بالوحي فأخذه من الوحي لمجرد الوثوق به مقبول وإن أخذ مع نظر وكسب صار يقينياً لأنه أصاف إلى اعتقاده في المسألة الجزئية التي صدَّقها من الوحي اعتقاد لا يمكن خرمه ولا نقضه فصار على يقين إجمالي ويقين تفصيلي 
* ملاحظة : اتباع الكتاب والسنة ليس تقليداً وذلك لطبيعتهما في المعرفة ففيهما من جنس المعقول وأصول الفطرة ما يجعل اتباعهم  يقيناً فيهما ولكن الكسب والنظر بالمعرفة القرآنية كعلوم اللغة العربية والأصول الفقهية مما يقوم عند الناظر حسن تدبره وتعقله مطلوب فيكون اصطلاح التقليد في الوحي خاصٌ لما سبق وليس هو ما يصطلحه المتكلمون والفلاسفة بل ملكات الوحي خاصة به وهو منطق العرب ومفهومهم وفطرة الناس كافة وتصوراتهم الإجمالية بدون هرطقات الكلام والفلسفة 

- قد يطرأ على ظنِّ الإنسان لعلة عدم عصمته ما يظنه صدقاً لغلبة ظنه هو أو لتركيب خاطئ في صورة القياس أو مادته ومن هذه : 
- الوهميات : والمقصود بالوهم هنا الوهم الصرف التي يتوهم مضافات المحسوسات لا نفس المحسوسات 
- المشبهات : وهي قضايا كاذبة يعتقد بها لأنها تشبه اليقينيات أو المشهورات في ظاهرها والمشابهة تكون من نحوين : 
1. من الناحية اللفظية فالأصل هنا الاستفصال اللفظي 
2. من الناحية المعنوية فالأصل هنا الاستفصال الاصطلاحي أو المعنوي



المبحث السادس : مواد القياس 

مقدمة : القياس إما أن يكون بسيطاً وإما أن يكون مركباً والقياس البسيط المكون من مقدمتين يجري مجرى البدهيات لذلك القياس المراد في البحث والمناظرة هو القياس المركب إذ لا مناظرة في البدهيات إلا لمن فقد عقله 
والمركب يلزم منه اتفاق العلة او الوصف في أصل الحكم ... 
مثاله : 
1 . الزيادة ربا 
2. كل كيل الزيادة فيه ربا 
= الزيادة في الكيل ربا 
نأخذ من هذا القياس على الكيل ونضعها في البر فنقول ... 
1. البر كيل 
2. الزيادة في الكيل ربا 
= الزيادة في البر ربا 
فهنا جئنا لأصل العلية وهي علة الكيل واستدللنا عليها في القياس الأول ثم في القياس الثاني فيكون مركب الأصل فهو أن يتفق الخصمان على حكم الأصل وعلى كون الوصف المدعي أنه علة موجوداً فيه والأصل هنا الحرمة وقد تتغاير العلة مثلاً فيقول أحدهم أن العلة ليست الكيل إنما الطعم ولا مشاحتة طالما أن الأصل متفق والعلل مسلمة ولكن إن لم يُسلم أن العلة موجودة في الأصل فيسمى قياساً مركبَ الوصف لا الأصل 
ويثبت التركيب هنا بإثبات العلة أو الشرط مع الفارق بين العلة أو الشرط في حكم الأصل
 
مواد القياس : 
1. التلازم : وهو امتناع تحقق الملزوم إلا عند تحقق اللازم 
الملزوم : ما يستلزم وجوده وجود الحكم 
اللازم : ما لا يثبت الحكم مع عدمه فعلى هذا هو أعمُّ من الشرط والعلة والسبب أو جزئه ومحل الحكم فيه 
والتلازم في عرف الأصوليين ما يعرف بقياس التلازم وعند المناطقة ما يعرف بالقياس الاستثنائي والشرطي المتصل ( التي قضيته لزومية لا اتفاقية ) 

والتلازم من حيث الثبوت والنفي نوعان : 
- تلازم إيجابي : وهو عبارة عن امتناع تحقق الملزوم إلا عند تحقق اللازم 
- التلازم السلبي : وهو عبارة عن سلب التلازم الإيجابي 

* تنبيه : ما ذكرنا من امتناع تحقق الملزوم بدون اللازم لا يقع على التلازم الذهني فالذهن يمنع تصور الملزوم دون اللازم وإن تصوره فليس بشيء واقعاً ( كاصطلاح الفلاسفة والمتكلمين على التركيب )  ولكن لا يمنع تصور التلازم 
مثاله : حصول المال يسلتزم حصول الغنى 
فيمتنع تصور الغنى دون المال ولكن الذهن لا يمنع تصور الغنى من حيث هو هو أو المال من حيث هو هو بغض النظر عن لازمة 

أنواع اللازم بالنسبة للملزوم : 
- عاماً بالنسبة إلى الملزوم مثاله : الحيوان بالنسبة إلى الإنسان 
- مساوياً بالنسبة إلى الملزوم مثاله : الناطق بالنسبة إلى الإنسان 
فاللزوم إن كان من جانب واحد يكون اللازم عاماً وإن كان من جانبين يكون اللازم مساوياً 
* تنبيه : لا يمكن كون اللازم خاصاً بالنسبة إلى الملزوم أي أن يكون الملزوم أعمُ من اللازم وإلا يستلزم تحقق الملزوم دون اللازم مثاله : لو تصور أن الإنسانية أعم من الحيوانية والحيوانية خاصة لأمكن تحقق الإنسانية بدون الحيوانية وهو محال  ونقصد هنا بالملازمة الملازمة الكلية الذهنية لا الجزئية الخارجية 

وفي أحكام وجود النوعين السابقين : 
- إن كان اللازم عاما بالنسبة إلى الملزوم  يستلزم من عدم اللازم عدم الملزوم ولا يستلزم من عدم الملزوم عدم اللازم و يلزم من وجود الملزوم وجود اللازم ولا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم إلا على سبيل الاحتمال  ...
والمقصود بالاحتمال هنا الملازمة الكلية وهي ما يكون اللازم فيها كليا وتخرج الملازمة الجزئية لأنه لا وجود للازم العام الكلي خارجاً إلا إذا كان اللازم جزئياً 
- إن كان اللازم مساويا للملزوم يلزم من وجوده وجوده ومن عدمه عدمه 

تنبيهات : في التلازم الذهني والتلازم الخارجي يجب التفريق بينهما من حيث 
- أن الخارجي لا وجود للكليات فيه 
- أن الخارجي كل مافيه مخصوص معين 
- قولك : لو كان كذا لكان كذا مدَّعياً نفسَ الأمر فهذا لا يكون ذهنياً إنما خارجياً 
يقول البغاري : " اعلم أن المراد بالواقع والخارج ونفس الأمر هو ما لا يكون ذهنياً ولا فرضياً ولا اعتبارياً بل يكون خارجاً عن المشاعر والأحاسيس " 

والتلازم من حيث دلالته وقيمة حجيته قد يكون ضرورياً كما هو واجب الثبوت في نفس الأمر فلا يحتاج إلى إقامة دليل عليه وقد يكون غير ضروري فهذا إما أن يكون بمنزلة الضروري كالمتواترات أو ليس بمنزلة الضروري كسائر المختلفات 

كيفية الاستدلال بالتلازم : 
- الاستدلال بانتفاء الملزوم على انتفاء اللازم 
* قاعدة : التلازم لا يكون متحققاً إلا وأن يتحقق اللازم عند تحقق الملزوم وأن لا يتحقق الملزوم عند عدم تحقق اللازم فيكون عدم الملزوم من لوازم عدم اللازم 

كيفية هدم الملازمة : 
التلازم لا ينهدم إلا بالتلازم أو ما يُسمى القلب وهو من أنواع المعارضة وسياتي تفصيل المعارضة والقلب هو بيان أن ما استدل به الخصم يكون عليه لا له
والقلب بكون بإثبات التلازم 1. بين نقيض الملزوم وعين اللازم  2. وعين الملزوم وملزوم اللازم 3. بين عين الملزوم ونقيض اللازم 4. بين لازم نقيض الملزوم وعين اللازم 5. وبين تناقض اللزوم وعين اللازم او ملزومه

 
2- التنافي 
والمتنافيان هما اللذان لا يجتمعان في محل واحد في زمن واحد في جهة واحدة والمقصود من إيراده أو أنه طالما وجد أحدهما نفى الآخر 
ففي هذا أن كل ما استلزم تناقضاً لا يجتمعان ومنه أيضا الملزوم ونقيض اللازم لأن اللازم يستلزم الملزوم ونقيضه يسلتزم نقيضه فلا يجتمعان 
وما ينفى ويثبت نوعان : 
- نوع يلزم نفيه فيلزم له الآخر 
- وجود الطرفين ممكن دون اجتماع 

3- الدوران 
وهو وجود أمرٍ مع أمر آخر وعدمه عند عدمه ، وقيده كل ما يترتب عليه أثر على الشيء في الوجود مرة بعد مرة وهذا أعمُّ من العلة والسبب وهو نقيض التنافي وأخص من التلازم 
وأركانه : 
1- المدار وهو المدَّعى عليته 
2- الدائر هو معلولها 
* يشترط لصحة المدار صحة التعليل ... 

شروط علية المدار : 
1- الترتب وهو أن يقال وُجد هذا فوجد هذا 
2- أن لا يُقطع بعدم عليته أو أن يكون هناك مزاحم صالح للعلية المدَّعاة 
3- أن لا يكون الحكم المدَّعى متخلفاً عنه 
4- تخلف ضد الحكم المدَّعى عن ضد المدار 

الفرق بين المدوران والتلازم : 
الملزوم لا يمكن انفكاكه عن اللازم  والمدار يمكن انفكاكه عن الدائر 
بين المدار والتلازم عموم وخصوص مطلق أي أنه كلما وُجد التلازم وجد المدار والعكس غير صحيح 
* لا يتوقف الدوران على وجود الدائر ولا على وجود المدار لأنه الدوران قد يكون نسبة بين حقائق الأشياء كأن يكون إمكاناً أو امتناعاً فهنا لا يحتاج إلى وجود خارجي بل يكفي فيه الوجود الذهني فالدوران نسبة بين الدائر ( المعلول ) وبين  المدار ( العلة ) والنسبة التي هي الدوران تتأخر عن المنتسبين اللذان هما المدار والدائر في الوجود الخارجي والذهني 
مثاله : القتل العمد العدوان ( علة ) دار مع وجوب القصاص ( المعلول ) وجوداً وعدماً فالدوران هنا تأخر على وجود العلة والمعلول 
والدائر والمدار من حيث وجودهما وعدمهما ثلاثة : 
- كلاهما وجوديين كوجود النهار مع طلوع الشمس 
- كلاهما عدميين كعدم النهار مع عدم طلوع الشمس 
- احدهما وجودي والآخر عدمي كوجود النهار مع عدم الليل 

وكل قسم من هذه الثلاثة ينقسم إلى ثلاثة أقسام : 
أولاً : أن يكون المدار مداراً وجوداً وعدماً وهذا هو السبب عند الأصوليين كالزنى الصادر من المحصن مع وجوب رجمه 
ثانياً : أن يكون مداراً وجوداً لا عدماً كالهبة الصحيحة مع ثبوت الملك وهذه مبينة على جواز ثبوت الحكم بعلل أخرى فإن الملك إن لم يثبت بالهبة فإنه قد يثبت بالصدقة أو الإرث أو غيره 
ثالثاً : أن يكون مداراً عدماً لا وجوداً كالطهارة لصحة الصلاة فإن عدمها يعدم الصلاة ووجودها لا يلزم وجود الصلاة 

تعدد علل الحكم أو عدم تعدده : 
1- الحكم إن كان له علة واحدة كما في أن يكون المدار وجوداً وعدماً فهنا لا يجوز لها أن تتعدد إن كانت علة عقلية ويجوز عليها التركيب إن كانت شرعية ويشترط فيها الاطراد والانعكاس 
2- الحكم إن كان له علل متعددة كما في أن يكون المدار وجوداً لا عدماً أو عدماً لا وجوداً فيشترط في كل علة الاطراد دون الانعكاس

 

- القياس 
وهو تعدية الحكم المتحد من الأصل إلى الفرع بعلة متحدة فيهما 
فالمعني بالاتحاد هنا شيئان : 
- المقيس عليه وهو الأصل 
وقيل فيه أنه ما يبنى حكم غيره عليه أو ما ثبت به حكم غيره أو هو محل الحكم المشبه به 
والفارق بينه وبين المقيس أن العلة فيه أثبت أو أقوى 
- المقيس وهو الفرع 
وقيل فيه أنه ما تأخر علمه عن علم غيره أو ما ثبت حكمه بحكم غيره أو محل المشبه 
تنبيه : الاتحاد يكون من حيث الصورة لا الحقيقة إذ لو كان من حيث الحقيقة فتعدى الحكم من الأصل إلى الفرع للزم أن لا يبقى الحكم في الأصل ثابتاً وهذا خلاف الفرض إذ الأصلُ أن الأصلَ مسلَّمٌ بحكمه والنزاع في الفرع  ولكن الحكم يُضاف إلى العلة حقيقة وقد يُضاف إلى الحكمة ( يوجد منشورات سابقة في القناة في التفريق بين الحكمة والسبب والعلة ومناط ثبوتهم وتعلقهم بالمناسبة  )

دليل العلية هو المناسبة ... 
والمناسبة من النسبة أي الموافقة بين الشيئين 
وقيل فيها : أنها مباشرة الفعل الصالح لحصول المطلوب 
والمباشرة هنا مقصود بها إرادة الفعل وإثباته مطلقاً 

والمباشرة هنا  نوعان : 
- المباشرة بحكم حصول المطلوب وهو قولنا لو وجد يوجد ذلك المطلوب 
- المباشرة بحكم الشرع وهو أن يكون منصوص العلة ونحوها هي الشريعة 
فالأول عليه الحنفية والثاني عليه جمهور الحنابلة وأهل الحديث وقال البعض بالجمع 
وقد يكون الخلاف في أنه هل المناسبة توجب الإضافة - أي إضافة الحكم إلى الفرع - وهذا الخلاف يراه بعض الأصوليين أنه لفظي لا حقيقي يقول الإمام الغزالي رحمه الله : " والخلاف لفظي مبني على حد العلة فمنهم من أطلقها على العلامة الضابطة لمحل الحكم وقد تطلق على الباعث الداعي على شرع الحكم وهو " وجه المصلحة " وقد تطلق على السبب الموجب للحكم الذي يتنزل في الإيجاب وإضافة الموجب إليه منزلة العلة العقلية بنصب الشرع " 
* تنبيه : من ضروب إثبات العلة عن طريق المناسبة هي الدوران على ما سبق ... 
فلو اصطلح على الموجب أنه ما لو جرد النظر إليه يغلب الظن على ثبوت موجبه أو يقطع بثبوته فيكون الظن أو القطع هنا دار مع المناسبة وجوداً وعدماً والمدار يدل على كون المدار علة للدائر  فإذن بين الدوران والعلة تلازم 
* ملاحظة : من أراد الاستفادة في التمثيل على القياس السابق فليراجع مسألة زكاة الحلي بين الحنفية وغيرهم ففيها من التفصيل الكثير 

الخلاف في اسم العلة : 
اختلف العلماء في اسم العلة على ضربين : 
- العلة المؤثرة بجعل الشرع إياه مؤئراً 
- العلة الباعثة على الحكم مع التنصيص في الأصل 
* وحقيقة الاختلاف هنا : أنه لو فعل الفاعل الأمر لأجل هذه العلة فلا يخلو إما أن يكون فعل الفعل لأجل الباعث لهذا الأمر لا غيره أو لأجل غيره وللتنبيه الخلاف هنا في الحكم الشرعي لا في أحكام التحسين والتقبيح أي في كونه يترتب على فعله ثواب أو عقاب أو لا واحد بمسمى حكمه أن يكون واجباً أو محرما أو مباحاً 
والخلاف بينهم لفظي لأنه إن عني بالأول أنه الباعث على الحكم أو الداعي إليه بجعل الشرع ذلك أو على شرح الحكم في الأصل فكونه منصوصاً عليه لا ينافي كونه معللاً ولكن لو أريد به  أنه مطلق الباعثية فهذا ينافي الباعثية بمعنى المنصوص عليه لأنه قد يحتمل أن يكون الداعي غير النص وهذا باطل 
ومن جميل ما ذكره الأصفهاني في هذه المسألة حينما أتاها أن قال : " وليس هذا موضع تحرير حدّه فلهذا وقعت المسامحة فيه " 
* اعتراض : إجماع العلماء أن القياس يكون في عدم مورد النص فكيف لا يتصور المعارضة والتعارض 
نقول في هذا شرط العلة هي التعدية والتعدية لا تكون إلا بالأصل والأصل عند العلماء في الحكم هو الشرع فإذاً المناسبة وونحوها من المعاني تكون معقولة في الشرع لا غيره والقياس به لا يغيره 
فإن كان حكم الأصل مضافاً إلى العلة فالعلة منصوص عليها 
وإن كان حكم الأصل مضافاً إلى النص بالنسبة إلى نفسه فالتعدية متحققة واشتراك الأصل والفرع في العلة متحقق 

والعلة في الأصل نوعان : 
- أن يكون مختصاً وهو نوعان : 
1. ثابت به 
2. ثابت لأجله 
- أن يكون مشتركاً وشرط تحققه المناسبة والتعدية وهو نوعان : 
- وجودي 
- عدمي 
والعدمي لا يكون مشتركاً بين عدمين أو أن يكونا المشتركين علة للعدم وليس قولنا هنا في الإعدام إنما في العدم 
والمانع من التعدية هو أن يكون مختصاً ثابت به ...

- الترديد أو التقسيم  
وهو ذكر الاحتمالات الممكنة للشيء 

وتقسيم هذا يكون في نوعين : 
الأول : تقسيم الكل إلى أجزائه 
والكل هنا هو الحكم على الموضوع وجزؤه ما ترتب منه ومن غيره واجتماعه هو الكل باستحضاره ذهناً أو تحققه معناً  فحقيقة الكل ليست هي حقيقة الجزء وكذا العكس 
الثاني : تقسيم الكلي إلى جزئياته 
والكلي هنا ما لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه والجزئي ما يمنع وحقيقة الجزئي أنه مصداق خارجي للكلي والكلي متحصل بالاشتراك بين جزئياته ذهنا 
ففي الأول تتحصل حقيقته بذكر أجزائه كقولك القول لفظ ومعنى وفي الثاني تتحصل الحقيقة عن طريق ذكر قيود متباينة أو متضادة راجعة إلى المقسَّم المراد معرفة حدِّه وحقيقته أو أن يكون المراد هو عين القسُومات الصادقة على المُقسَّم  ففي الأولى كقولك : الحديث إن أضيف للنبي فهو المرفوع وإن أضيف إلى التابعي فهو المقطوع وفي الثاني كقولك : الكلمة إما اسم أو فعل أو حرف 

أنواع تقسيم الكلي إلى جزئياته : 
- التقسيم الحقيقي ... 
وهو أن تكون أقسامه متباينة مختلفة عقلاً وخارجاً 
فأما عقلاً أي أن العقل قد حدَّ لكل قسم حقيقة تغاير حقيقة القسم الآخر 
وأما في الخارج فليس ثمة واحد   تجتمع فيه المتباينات أو المختلفات ولو باعتبارات مختلفة 
مثاله : الموجود إما ممكن أو واجب 
- التقسيم الاعتباري ... 
وهو ما اختلفت أقسامه عقلاً فقط ويمكن وجوده خارجاً شيئاً واحداً 
كقولك : الحيوان إما إنسان وإما غزال وإما فرس ...إلخ 
- التقسيم العقلي 
وهو المحصورة أقسامه  عقلاً  كقولك : العدد إما زوج أو فرد 
- التقسيم الاستقرائي 
وهو أن يجوز العقل زيادة على تقسيم ويمنعها الخارج كقولك : العنصر إما ماء أو تراب أو هواء او نار 
* قد يؤتى بالتقسيم الاستقرائي على صورة تقسيم عقلي كقولك : الكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها أو لا والثاني هو الحرف والأول إما أن يكون الزمن جزء فيه او لا فالأول هو الفعل والثاني هو الاسم 

شروط التقسيم : 
أولاً : في الكل إلى أجزائه ... 
- أن يكون حاصراً مانعاً ، إن كان عقلياً فيجمع كل الاحتمالات العقلية وإن كان استقرائيا فكل احتمالات الخارج 
- أن يكون كل قسم مباينا لغيره من الأقسام ومبايناً للمقسَّم 
ثانياً : في الكلي إلى جزئياته ... 
- أن يكون حاصراً مانعاً كما الأول 
- أن يكون كل قسم مباين لغيره من الأقسام 
- أن يكون كل قسم أخصُّ مطلقاً من المقسَّم 
* ملاحظة : المباينة في الحقيقي عقلاً وخارجاً وفي الاعتباري عقلاً 

الاعتراض على التقسيم : 
- أن يكون غير حاصر 
- أن يكون في الكلي إلى أجزائه أحد الأقسام مساوٍ أو أعم من وجه او مطلقاً للمقسَّم 
- أن تكون الأقسام غير متباينة 
* ملاحظة : لا يعترض على التقسيم الاستقرائي بتجويز العقل احتمال مقسوم على ما حصره المُقسٍّم

بقلم الشيخ جهاد آل ذيب حفظه الله.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 2
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 2
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
مصعب ابن محمد (طالب علم) أَثريٌ، مهتم بالذب عن عقيدة السلف و الرد على من خالفهم، و ببيان منهج أهل السنة في التجريبيات و تقرير أقوالهم في العقليات، كذلك مهتم بقضايا فلسفة العلم و الإبستيمولوجيا .