نقد الثقافة الساذجة: من الانبهار الأعمى إلى غيبوبة السؤال؟

من أكثر مظاهر السذاجة الفكرية في عصرنا أن يظن البعض أن التقدم العلمي والتقني قد أراح البشرية من عناء التساؤل، وأن كل ما كان يُطرح سابقًا من قضايا فلسفية أو أسئلة أخلاقية قد تم تجاوزه بفضل “العقل العلمي الحديث”.

مايو 17, 2025 - 00:59
مايو 17, 2025 - 20:58
 0
نقد الثقافة الساذجة: من الانبهار الأعمى إلى غيبوبة السؤال؟

من أكثر مظاهر السذاجة الفكرية في عصرنا أن يظن البعض أن التقدم العلمي والتقني قد أراح البشرية من عناء التساؤل، وأن كل ما كان يُطرح سابقًا من قضايا فلسفية أو أسئلة أخلاقية قد تم تجاوزه بفضل “العقل العلمي الحديث”.

هذه السذاجة لا تنبع من كثرة المعرفة، بل من الكسل المعرفي، والعجز عن الغوص في عمق القضايا، والتعوّد على استهلاك الجواب الجاهز دون مساءلة. إنها ثقافة النظرة الأولى، التي قيل عنها بحق:   «النظرة الأولى حمقاء».

في هذا السياق، يروج بعض الخطاب "الحداثيين" لفكرة أن زمننا هو زمن الأجوبة، لا زمن الأسئلة. ويستبله أتباعه بهذه العبارة البراقة التي توحي أن العقل الإنساني قد تجاوز المراحل الصعبة، ولم يعد بحاجة إلى فلسفة أو تفكر، بل يكفي أن “نؤمن بالعلم” لنحل كل شيء!

لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا.

مثال معاصر: أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

خذ مثالًا واضحًا: في السيارات ذاتية القيادة، إذا وقعت لحظة حرجة لا مفر منها، وكان على السيارة أن تختار بين دهس طفل يعبر الطريق أو الاصطدام بجدار يعرض حياة الراكب للخطر، فمن يقرر ما هو “الأخلاقي” في هذه اللحظة؟

هل على الخوارزمية أن تضحي بالراكب؟ أم بالطفل؟ بأي مبدأ؟ وبأي مرجعية؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ الشركة؟ المبرمج؟ القانون؟ الإنسان نفسه؟

هذه الأسئلة لا يملك لها العلم التجريبي جوابًا. لا المعادلات الرياضية، ولا نظريات التطور، ولا الفيزياء، يمكنها أن تقرر “ما هو الخير والشر”. هذه من وظائف الفلسفة، والدين، والأخلاق، لا المعمل ولا المختبر.

وإذا لم نكن نملك إجابات واضحة، فهذا لا يعني أن السؤال انتهى، بل أن السؤال قد تضاعف وأصبح أكثر إلحاحًا.

تفنيد طرح بعض "الحداثيين"

الحداثي ومن على شاكلته يسوّقون أن مشكلات الإنسان الأخلاقية والوجودية قد حُسمت، وأن على الناس أن يتجاوزوا “الأسئلة القديمة”. وهذا – في حقيقته – ليس إلا تسويقًا للجهل في ثوب العلم، ومحاولةً لإقناع العامة أنهم لا يحتاجون إلى تفكير، بل فقط إلى “الثقة بالمختبر”.

وهو مناقض تمامًا لما يعيشه الواقع العلمي نفسه، إذ أن أبرز مؤتمرات الذكاء الاصطناعي اليوم تدور حول سؤال: من يقرر القيم؟ هل نبرمج الآلة على القيم الغربية؟ الشرقية؟ العلمانية؟ الدينية؟ الفردية؟ الجمعية؟ لا يوجد اتفاق.

الزمن الذي نعيش فيه ليس زمن الأجوبة، بل هو زمن تضخم الأسئلة.

الآلة تتطور، لكن الإنسان يتعثر. والسؤال الأخلاقي والفلسفي يعود بقوة، لا لضعف العلم، بل لأن العلم ذاته لا يملك إلا نصف الصورة.

لا تكن من أولئك الذين أراحوا عقولهم، وسلموها لأفكار مريحة ظاهرها التقدم وباطنها الجمود. بل كن من أولئك الذين يعيدون إحياء السؤال… فإن السؤال بداية العقل.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 1
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
أيوب طالب علم متخصّص في الفيزياء الحديثة، مهتم بدراسة الملف الإلحادي والرد على الشبهات العلمية بأسلوب منهجي يجمع بين المعرفة الشرعية والفهم الدقيق للعلوم الطبيعية.