تحذير لم يُسمع… فكان البلاء

يناير 10, 2026 - 02:27
 0
تحذير لم يُسمع… فكان البلاء

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتركوا الترك ما تركوكم»، وهذه من براهين النبوة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، فقد حذَّر ونهى وأمر بترك الترك، وهم اسم جامع لعديد من القبائل في شمال آسيا من المغول والتتار.

وقد جاء في الحديث الصحيح: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج»، وقد فسَّر بعض أهل العلم، أمثال أحمد أنور الكشميري في شرح صحيح البخاري، أن لهم خروجًا أول، أو خروج جنسٍ منهم، أي المغول، وهذا القول له شاهد في مسند الإمام أحمد بسند صحيح، عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

«إنكم تقولون لا عدو، ولا تزالون تُقاتلون عدوًّا حتى تُقاتلوا يأجوج ومأجوج، عِراضَ الوجوه، صغارَ العيون، صُهبَ الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة».

وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من جنس الترك، أو كما قال: «اتركوا الترك ما تركوكم». ومعلوم أن الترك، أي المغول، ما كانوا يريدون قتال المسلمين في الأصل، فقد تركوا المسلمين، وكان تيموجين المعروف بجنكيز خان إنما يريد المعاملة التجارية بينه وبين المسلمين، رغم أن بعض المتأخرين، أمثال إدوارد براون وبارتولد المؤرخ الروسي، لا يرجح ذلك، لكن المصادر المبكرة تقول إن جنكيز خان لم يكن ينوي محاربة المسلمين، وهذا له شواهد.

فكانت أول ملاقاة للمسلمين مع المغول عند فرار قبائل المركيت من جنكيز خان، وهذه القبيلة هي واحدة من الاتحادات القبلية الخمسة الرئيسية في الهضبة المنغولية، وقبيلة المركيت هي قبيلة أم تيموجين، لكن كانت بينهم عداوة، فلما خسرت القبيلة فرت إلى حدود الدولة الخوارزمية عند نهر إيرجيز في كازاخستان الحالية، ولحق بهم ابن جنكيز خان وقائد جيشه جوتشي، فقتلهم عند نهر إيرجيز.

وسمع بهم أمير الدولة محمد بن خوارزم، فنزل بجيشه، وكانت المناوشة، فقاتل المغول، لكن جوتشي قال لمحمد بن خوارزم: لم أؤمر بقتلك، إنما أريد غنائم المركيت. وهنا صُدم المسلمون بقوة المحارب المغولي؛ فالمغول وحوش في أبدان بشر، فهم جهلة لا دين لهم، لا يعرفون ما النكاح كما يقول ابن الأثيريأكلون كل شيء ، ولا يعرفون شريعة، إنما شرع لهم تيموجين عقيدة اسمها الياسا، وهي خليط بين المسيحية و الإسلام والبوذية. ولا يزرعون ولا يصنعون، إنما يعرفون فقط الصيد.

ورغم ذلك، فهذه المناوشة بين الدولة الخوارزمية والمغول لم تكن هي سبب الغزو، فقد أرسل تيموجين سفارة من المسلمين إلى محمد بن شاه ردًّا على سفراء محمد بن خوارزم، وقال له إن هناك قافلة فيها تجار وبضائع قيمة يريدها أن تدخل إلى دولتهم وتبيع البضائع، فطلب فقط حمايتها.

 وكانت القافلة فيها 450 شخصًا أغلبهم مسلمًين  من رعايا تيموجين , فلما وصلت القافلة إلى مدينة يُقال لها أترار، وكان على هذه المدينة في أوزبكستان الحالية أمير ماكر اسمه غاير خان، فلما سمع بمرور هذه القافلة المغولية أمر بنهبها وقتل كل من فيها.

والمصيبة أنه لما وصل الخبر إلى علاء الدين محمد خوارزم شاه ما غضب، بل طلب نصيبه من القافلة، وهنا ما ترك المسلمون المغول، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتركوا الترك ما تركوكم». فقد وصل الخبر إلى تيموجين، هذا الوحش في هيئة إنسان،

فاستشاط غضباً، فأرسل رسولًا مسلمًا مع مغول إلى محمد خوارزم يطلب استرجاع بضائع القافلة وتسليم غاير خان، لكن المصيبة الثانية أن محمد خوارزم قتل رسول جنكيز خان المسلم، وهنا عصى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم قتل الرسل، كما في الحديث الصحيح:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهما، يعني لرسولي مسيلمة، حين قرأ كتاب مسيلمة: «ما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال. قال: «أما والله لولا أن الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما».

وهنا لم يترك المسلمون الترك كما حذَّرنا النبي صلى الله عليه وسلم، ففتحوا بوابة جهنم على المسلمين، فلم يشهد المسلمون وحشية في تاريخهم قديمًا أو حديثًا مثل ما فعله المغول.

ويكمن ما يصف هذه الحال عند ابن الأثير في الكامل في التاريخ، إذ تردد في كتابة هذه المصيبة، فقال: يا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيًا منسيًّا. فلم يشهد التاريخ طويلًا، منذ مذبحة نبوخذ نصر في حق اليهود، ما فعله المغول في المسلمين.

ونقل السيوطي في تاريخ الخلفاء عن الموفق عبد اللطيف في خبر التتار قوله: هو حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسِي التواريخ، ونازلة تصغر كل نازلة، وفادحة تطبق الأرض وتملؤها ما بين الطول والعرض.

وما رُوي بطريق تواتر الأخبار في المجازر المغولية عند الصينيين والهنود، وعند مؤرخي الغرب والمسلمين، يؤكد وحشية القوم؛ فكانوا يدخلون المدينة فيحرقونها أو يغرقونها، ويقتلون كل من فيها، حتى النساء كانت تُشق بطونهن. إبادة لا تُتصور ولا تُتخيل، ولم يشهد المسلمون مثلها، وكل هذا بسبب عدم الامتثال لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتركوا الترك ما تركوكم».

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
الباحث بالدارجة مرحبًا بكم في عالم نكشف فيه أسرار الماضي، نعيد قراءة الحقائق الغائبة، ونصحح المغالطات الرائجة. هنا حيث يلتقي التاريخ بالدقة، وتتجلى الحقائق بعيدًا عن التشويش والزيف. جميع روابط التواصل الاجتماعي https://linktr.ee/albahtalbahit