هل يمكن للوجود أن ينبثق من العدم؟ كشف لبس كلام أهل الكلام
الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أما بعد:
يتجدّد النقاش بين الحين والآخر حول مسألة: هل الخلق يكون من مادة سابقة أم من غير مادة؟ وقد دار هذا الخلاف بين السلفية – أنصار المذهب التيمي – في فهم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فذهب بعضهم إلى أن له في المسألة مذهبين، بينما يرى آخرون أن له مذهبًا واحدًا، لكن وقع الإشكال بسبب اختلاف العبارات أو عدم التفريق بين الإجمال والتفصيل.
وهذا المقال ليس ردًا على أحد المذهبين، وإنما هو محاولة لبيان ما أراه أقرب إلى تقرير شيخ الإسلام، لا سيما عند جمع كلامه في مواضعه المختلفة، وليس الاقتصار على ما قرره في كتابه النبوات، بل بتوسيع النظر في مجموع كلامه، ورفع اللبس عن بعض العبارات التي قد تُفهم على غير مرادها.
ولبيان المسألة، نعرض السؤال الذي وُجِّه إلى شيخ الإسلام، ونصّه:
«ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في الموجودات: هل كانت من العدم؟ وكيف يكون وجود من عدم؟ وعن أي شيء صدرت الموجودات بعد أن لم تكن؟ وهل كان صدورها عن محض المشيئة الأزلية؟ وما الدليل القاطع على حدوث العالم؟ أفيدونا مأجورين، غفر الله لكم أجمعين».
فهذه هي صورة الإشكال الذي نريد تحريره وبيان موقف شيخ الإسلام منه.
نسخة مصورة من السؤال
فكان جواب شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته المشهورة مسألة حدوث العالم عن هذا السؤال: أن الموجودات وُجدت بعد أن لم تكن، وهذا كلامٌ مُجمل.
والجواب على ذلك: أن عبارة «الخلق من عدم» بهذا اللفظ لا توجد في كتاب الله، ولا في سنة النبي ﷺ، ولا في كلام السلف، وإنما اشتهر هذا التعبير في كلام طوائف من أهل الكلام. غير أن شيخ الإسلام رحمه الله بيَّن مراد المتكلمين بقولهم: «الموجودات وُجدت من عدم».
فقال: «وسأبيّن إن شاء الله مقصودهم وتنازعهم في هذا الموضع؛ مع أن غالب عباراتهم يقولون فيها: وُجدت عن عدم، وهي موجودة عن عدم، ووجود عن عدم».
وبيّن أن حرف «عن» أبعد عن الالتباس من لفظ «من»؛ فإن «عن» تفيد المجاوزة، بخلاف «من» فإنها تكون لابتداء الغاية.
والذي في القرآن: إخباره سبحانه بأنه خلق الإنسان ولم يكن شيئًا، وإنكاره أن يكون مخلوقًا من غير شيء. قال تعالى على لسان زكريا عليه السلام:
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.
فاستدل سبحانه بأنه خلقه من قبل ولم يكن شيئًا، على قدرته على أن يخلق له ولدًا مع كِبَر سنّه.
وكذلك قال تعالى:
﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾.
فلما أنكر الإنسان الكافر المعاد وتعجّب منه، ذكّره الله بأنه خلقه ابتداءً ولم يكن شيئًا، فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر.
ومن المستقر في بداهة العقول أن الإعادة أهون من الابتداء؛ ولهذا قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وبيّن شيخ الإسلام أن قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يدل على أن الله سبحانه لا يدخل هو والمخلوقات في قياس تمثيلٍ يستوي فيه الأصل والفرع، ولا في قياس شمولٍ تستوي أفراده، وإنما المشروع في حقه تعالى هو قياس الأولى؛ فكل ما ثبت من صفات الكمال للمخلوق، فالخالق أولى به على وجه أكمل، وكل ما يُنزَّه عنه المخلوق من النقص، فالله أولى بالتنزيه عنه.
كما قرر أن أصل ضلال الفلاسفة والمشركين من العرب وغيرهم مخالفتهم لأصل الإيمان بالله واليوم الآخر؛ فكذبوا بالمعاد، وجعلوا لله البنات أو البنين. فالصابئة المتفلسفة قالوا: إن العقول والنفوس صدرت عنه، وجعلوا العقول هي الملائكة، والنفوس هي البنات. وقال مشركو العرب: إنه صاهر الجن فولد له الملائكة. وتشابه قول النصارى معهم حين جعلوا المسيح ابن الله، ولم يؤمنوا بجميع ما أخبرت به الرسل عن يوم المعاد.
ثم أفرد شيخ الإسلام تفصيل طريق إثبات الصانع من كتاب الله، فقال: إن المقصود أن الله سبحانه ضرب المثل الأعلى، وذكر قياس الأولى في إثبات قدرته على الإعادة بقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾.
فلم يقل: خُلق من عدم، بل قال: خُلق ولم يكن شيئًا، وهذا في غاية البيان والسلامة من الاشتباه؛ إذ أخبر أنه خلقه بعد أن لم يكن، وأنكر أن يكون مخلوقًا من غير شيء بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾.
وهذا استفهام إنكار يتضمن نفي ما استُفهم عنه والإنكار على من أثبته؛ لظهور بطلانه.
فتبيّن بذلك أنهم لم يُخلقوا من غير شيء؛ أي: من غير رب خالق، كما تبين أنهم لم يخلقوا أنفسهم.
فعُلِم بهاتين القضيتين أنهم خُلقوا من خالقٍ خلقهم.
كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾.
وكان النبي ﷺ يقول عند ذبح أضحيته: «اللهم منك ولك».
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه قال: لما قدمتُ في فداء الأسرى سمعتُ النبي ﷺ يقرأ في المغرب بسورة الطور، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ كاد قلبي أن ينصدع؛ لأن هذا تقسيمٌ حاصرٌ ظاهر، يتبيّن به ثبوت الخالق الصانع بأيسر تأمّل.
فإن العبد يعلم أنه لم يكن شيئًا، وأنه وُجد بعد أن لم يكن، ويعلم بالضرورة أنه لم يصنع نفسه ولم يُبدِعها؛ فإن امتناع ذلك من أبين العلوم البديهية. كما يعلم أنه لم يوجد من غير مكوِّن، ولم يحدث من غير مُحدِث، ولم يُخلق من غير خالق. والعلم بذلك أيضًا من أوضح العلوم الضرورية. فتعين أن له خالقًا خلقه.
وهذه الطريق يُعلم بها ثبوت الصانع، وتثبت بها صفاته، من غير حاجة إلى إثبات حدوث الأفلاك أولًا؛ بل إذا ثبت بالعقل الصريح الذي أرشد إليه السمع الصحيح ثبوتُ الصانع، وترتب على ذلك ثبوت الرسالة، أمكن بعد ذلك أن يُعلم حدوث السماوات والأرض بالطريق السمعية.
فلما كانت طريقة القرآن في إثبات الصانع أبين وأظهر، قبلها القلب والعقل، كانت طريقة المتكلمين أعقد وأبعد؛ إذ جعلوا العلم بالصانع متوقفًا على العلم بحدوث العالم، وجعلوا العلم بحدوث العالم متوقفًا على العلم بحدوث الأجسام، وجعلوا الطريق إلى ذلك الاستدلال بحدوث الأعراض. وبنوا حجتهم على أربع مقدمات:
-
إثبات الأعراض.
-
إثبات حدوثها.
-
بيان لزومها للأجسام.
-
أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث؛ فإذا لم تنفك الأجسام عن الحوادث ثبت حدوثها.
ثم منهم من اقتصر على ذلك، ومنهم من تنبّه إلى ضرورة إثبات امتناع حوادث لا أول لها، وهي أهم مقدمات هذه الحجة؛ فاحتجوا لذلك بحجج كالموازاة والمسامَتة، وأمثالها من الأمثلة المضروبة في بيان امتناع التسلسل.
وقد كانت هذه الحجة سببًا في انحرافات عقدية عند بعض المتكلمين؛ فأوقعت جهم بن صفوان في القول بانقطاع نعيم الجنة ونفي الصفات، وأوقعت أبو الهذيل العلاف في القول بفناء حركات أهل الجنة والنار ونفي الصفات، ووقعت بها سائر المعتزلة في القول بخلق القرآن، وإنكار الرؤية، ونفي الصفات.
ولما جعل بعضهم هذه الحجة أصلاً من أصول الدين، تسلّط عليهم الفلاسفة لما رأوا فيها من الاضطراب. ثم أوجبوا على المكلَّف بعد البلوغ – وإن كان مؤمنًا بالله ورسوله – أحد أمور ثلاثة: إما الشك، أو القصد إلى النظر، أو النظر المؤدي إلى نفي العلم الضروري. وهذه الثلاثة تنافي الإيمان الواجب الذي أمر الله به، فأوجبوا ما يضاده؛ فكان ضلالهم في الشرع مماثلًا لضلالهم في العقل.
ولهذا آل الأمر ببعضهم إلى نوع سفسطة في العقليات، وقرمطة في السمعيات.
ولما كانت مقدِّماتهم فاسدة، كانت طريقتهم في إثبات الصانع أفسد. فإنهم – مع قولهم إن أول ما يجب على البالغ النظر المؤدِّي إلى معرفة الصانع – حصروا إثباته في العلم بحدوث العالم، وحصروا حدوث العالم في حدوث الأجسام.
ومعلوم أن طرق إثبات الصانع كثيرة جدًّا، تكاد تخرج عن الحصر، وكلها أبين وأوضح من هذه الطريق. بل إن إثبات حدوث العالم – لو سُلِّم بصحته – له طرق أوضح من الطريق المبنية على حدوث الأجسام، لما في تلك الطريقة من الدقة والتنازع. فكيف إذا كانت هذه الطريق نفسها غير صحيحة عند الأنبياء وأتباعهم، وعند أهل الفطر السليمة والعقول المستقيمة، بل وخالفهم فيها طوائف من الفلاسفة الإلهيين والطبيعيين من أتباع أرسطو كالمشائين وغيرهم؟
وبالجملة: فإن براهين إثبات الصانع كثيرة، قاطعة، لا تحتمل النقض، فلا حاجة في الإقرار بالصانع إلى إثبات حدوث العالم المبني على حدوث الأجسام، بل ولا إلى إثبات حدوث العالم ابتداءً. ولهذا لم يسلك القرآن هذه الطريقة، وإنما سلك طرقًا فطرية عقلية ظاهرة، كقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، وهي من أوجز الطرق وأظهرها؛ إذ يستدل الإنسان بنفسه، ولا شيء أقرب إليه منها، كما يستدل بخلق سائر المخلوقات.
وبيَّن شيخ الإسلام أن الطرائق القرآنية مستغنية عن تعليلات الفلاسفة والمتكلمين في بيان علة الافتقار إلى الصانع: هل هي الحدوث أم الإمكان؟ كما بيَّن الحكمة في تسمية المخلوقات «آيات»، لأنها في نفسها دالة مستلزمة لإثبات الصانع، من غير حاجة إلى الكلام المحدث المبتدع الذي ذمَّه السلف؛ لاشتماله على باطل إما في الحكم، وإما في الدليل.
فالمتكلمون أثبتوا الصانع بإثبات حدوث العالم، وأثبتوا حدوث العالم بحدوث الأجسام، وأثبتوا حدوث الأجسام بدليل الأعراض وحدوثها، وبامتناع حوادث لا أول لها. وكل هذه المقدمات إما باطلة، وإما غير مدلَّل عليها بدليل صحيح صريح، وأحسن أحوالها أن تكون دقيقة غامضة، ولو كانت صحيحة في نفسها.
والمقصود هنا: أن القرآن نفى أن يكون الإنسان خُلق من غير شيء، وأخبر أنه خلقه ولم يكن شيئًا. فلا حاجة إلى التعبير بأنه «خُلق من عدم»؛ لأن العدم ليس شيئًا أصلًا. فإذا قيل: «خُلق من عدم» توهَّم بعض الناس أن العدم شيء خرج منه الوجود، وهذا باطل؛ بل خُلق من خالقٍ حيٍّ قيومٍ عليمٍ سميعٍ بصيرٍ قدير. فلم يكن موجود إلا من موجود، والعدم المحض لا يُتصور أن يخرج منه شيء؛ لأنه ليس بشيء.
وبهذا يبطل ما يورده بعض المتفلسفة على المتكلمين في هذا المقام؛ فإن مراد أهل الكلام بقولهم: «وُجد من عدم» أو «عن عدم» هو أنه وُجد بعد أن لم يكن، لا أنهم يقصدون أن العدم أخرج الوجود؛ إذ العدم لا شيء.
غير أن الذهن القاصر قد يتخيل العدم كأنه فراغ مظلم أو خلاء وراء العالم، فيتوهم دخول شيء فيه أو خروج شيء منه، وهذا من الخيال الفاسد.
وقد وقع نظير ذلك في بحث جرى حول قول: «لا إله إلا الله»، وما يذكره النحاة من تقدير الخبر المحذوف، كقولهم: «لا إله في الوجود». فاعترض بعضهم: إن هذا يقتضي أن في العدم إلهًا!
والجواب: أن العدم ليس شيئًا حتى يُقال: فيه إله أو ليس فيه. وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة: أن المعدوم ليس بشيء.
ومن قال: إن المعدوم شيء، فله أصلٌ آخر في هذا الباب، مبني على اشتباه ما في الأذهان بما في الأعيان، والوجود العلمي بالوجود العيني. فإنهم رأوا أن المعدوم يتميز فيه الممكن من الممتنع، والمراد من غير المراد، فقالوا: لا بد أن يكون ثابتًا ليصح هذا التمييز، ثم لما علموا أنه ليس موجودًا في الخارج فرَّقوا بين «الثبوت» و«الوجود»، فقالوا: هو ثابت غير موجود.
والصواب: أن المعدوم ثابت في العلم لا في الخارج؛ أي إنه معلوم، والتمييز إنما هو بحسب العلم، لا بحسب وجود عيني خارجي. فنحن نتصور الممكن والممتنع، ونميز بينهما في أذهاننا، مع أن الممتنع لا حقيقة له في الخارج بالاتفاق.
وكذلك نتصور «الوجود المطلق» في أذهاننا، مع أنه لا يوجد في الخارج وجود مطلق كلي، بل الموجودات أعيان معينة. ونُدرك الكليات المطلقة في الذهن، مع أنها لا تكون في الخارج كذلك.
فدلّ ذلك على أن ما يثبت في الذهن لا يلزم أن يكون ثابتًا في الخارج، وبطل قول من جعل المعدوم شيئًا ثابتًا في الأعيان.
واشتباهُ الوجودِ العينيِّ بالوجودِ العلميِّ هو أصلُ هذا الغلط؛ وذلك أن القائل بثبوت المعدوم رأى أن المعدوم يُميَّز فيه بين المقدور وغير المقدور، وبين المراد وغير المراد، والتمييز لا يُعقل في النفي المحض. فقال: لا بد أن يكون المعدوم ثابتًا ليصح فيه هذا الامتياز.
ثم علم بعقله أنه ليس موجودًا في الخارج، ففرّق بين «الوجود» و«الثبوت»، وقال: هو ثابتٌ وليس بموجود.
وكثيرٌ ممن ردّ على هؤلاء أطلق القول بأن المعدوم ليس بشيء، وربما تضمّن كلامُه أنه ليس بشيء لا في العلم ولا في العين، لا في الذهن ولا في الخارج، وهذا غلط.
بل الصواب: أن المعدوم ثابتٌ في العلم، موجودٌ فيه بمعنى أنه معلوم؛ فالتمييز يتبع العلم. فإذا عُلِم الشيء أمكن التمييز في العلم بين الممتنع والواجب والجائز، وبين المراد وغير المراد. وهذا لا يقتضي كونه ثابتًا في الخارج.
فنحن نعلم بالضرورة أننا نتصور في أذهاننا ما لا حقيقة له في الخارج. ويدل على ذلك أننا نتصور «الوجود المطلق» في أنفسنا، مع أن الوجود المطلق لا يكون ثابتًا في الخارج على هذا الإطلاق، بل الموجود في الخارج أعيانٌ معيّنة.
وكذلك سائر الكليات المطلقة؛ فإننا نتصورها مطلقة في الذهن، لكنها لا توجد في الخارج كلياتٍ مطلقة، بل توجد أفرادًا جزئية.
وكذلك نتصور الممتنع كما نتصور الممكن، مع أن الممتنع غير ثابت في الخارج باتفاق العقلاء.
فبان بذلك أن ثبوت الشيء في العلم غير ثبوته في العين، وأن التمييز الذهني لا يقتضي وجودًا خارجيًا.
وقد نفى الله عن الإنسان أن يكون شيئًا قبل خلقه بقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾، وبقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾.
وأما قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ففيه جوابان:
أحدهما: أنه شيء في العلم والقول، وإن لم يكن بعدُ صار في الخارج له ثبوت ولا وجود.
الثاني: أنه عند وجوده يصير شيئًا، وهذا في الزلزلة أظهر منه في الآيتين.
وقوله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ بمنزلة قوله: أراد موجودًا، ولا يستلزم ذلك أن يكون موجودًا في الخارج قبل وجوده. ويبين ذلك أنه علّق الإرادة بنفس الشيء، لا بإثبات صفة الوجود له؛ فعُلم أنه يريد الشيء فيكون الشيء، لا أنه يجعل الشيء الثابت الغني عنه صفةً لم تكن.
وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية مراد المتكلمين أن مرادهم بقولهم: «الموجودات وُجدت من عدم» أنهم يقصدون: وُجدت بعد عدمها، وأنها وُجدت من غير وجودٍ مخلوق، لا يعنون بذلك أنها وُجدت من غير موجد خالق. فعُلم أنه ليس عليهم في المعنى الذي قصدوه درك، وإن كان في العبارة لبس، وعبارة القرآن أحسن وأبين.
لذا اعترض عليهم الفلاسفة بقولهم: لا يُعقل خلقٌ عن عدم، بل نرى شيئًا يحدث من مادة، لا من لا شيء؛ كحدوث الحيوانات والنبات والمعادن، فإن أصل الإنسان يكون من المني، فالإبداع يكون من شيء لا من لا شيء، وهذا ما تحكم به العادة.
ومقصودهم بذلك أن يُبطلوا القول بحدوث الحوادث من غير مادة متقدمة، فيلزم من ذلك قدم المادة عندهم.
كما قصدوا أيضًا: إبطال حدوث الحوادث من رب قديم؛ فقالوا: إن كانت العلة الأزلية لوجود العالم تامة، وجب قدم معلولها؛ فيلزم قدم العالم، وإن كانت غير تامة؛ فلا بد لتمامها من سبب. والقول فيه كالقول في حدوث العالم، فيبطل الحدوث فيتعين الأول: وهو أن تكون العلة القديمة تامة، فيجب قدم العالم.
وهنا قال شيخ الإسلام: تعتبر هذه أعظم شبهة عند الفلاسفة المشائين، اتباع أرسطو، كابن سينا وابن الهيثم وأمثالهما.
الشبهة الأولى: أن الحادث لا بد له من مادة. ذكروا عن معلمهم أرسطو أنه استدل على ذلك بأن المحدث قبل حدوثه لا بد أن يكون ممكنًا، والإمكان وصف ثبوتي؛ فلا بد له من محل، فيجب أن يتقدم المحدث محل يقوم به الإمكان، وذلك يوجب قدم المادة. فهذا ونحوه هو كلام هؤلاء الفلاسفة الدهرية في مثل هذا، وهم الذين يقولون: «لا يعقل موجود عن عدم».
وهذه الشبهة يبطلها شيخ الإسلام بقوله: وما قالوه خيالات عند أولي الألباب النبلاء، وإن كان كثير من الناس يظنون أنها من أعظم الحجج عند فضلاء العقلاء. وبيان ذلك أن يقال: قولكم: «لا يعقل موجود عن عدم» لفظٌ مجمل كما تقدم، هل تريدون به: لا يعقل موجود من غير مبدع أبدعه وصانع صنعه؟ أم تريدون: لا يعقل موجود من غير مادة خلقه منها الصانع المبدع؟
فإن أردتم الأول، فهذا لا يقوله مسلم ولا ملي، بل المسلمون وسائر أهل الملل متفقون على أنه لا يكون موجود ممكن إلا من موجود واجب، وأن كل موجود غير الله فهو من خلقه، وقد ذكرنا أن القرآن جاء بلفظ يبين ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، والمعنى متفق عليه بين المسلمين.
وإن قلتم: لا يكون موجود إلا من مادة خلقه منها الصانع، فيقال لكم: فتلك المادة موجودة من غير مادة؟ وهم معترفون بما لا بد لهم منه من أن الموجودات القديمة موجودة من غير مادة تقدمت عليها كانت منها، بل أبدعها الرب إبداعًا من غير مادة.
هذا قول الإلهيين منهم المقرّون بواجب الوجود المبدع.
وإن قدر الكلام مع من ينكر من الطبيعيين أن يكون للعالم مبدع، كان جوابه أظهر؛ فإنه يقال له: يا أحمق، إذا جوزت أن يكون مجموع العالم من غير مبدع ولا مادة، كيف يمتنع أن يكون بعضه من غير مادة مع كونه من صانع؟
ومعلوم أن الأول أبعد في العقل، بل ممتنع في العقل، بخلاف الثاني؛ فإن هذه الحوادث المشهودة، إن قال: إن المواد أحدثتها، فقد أثبت فاعلًا مبدعًا محدثًا بلا مادة، وإن قال: لها محدث فاعل غير المادة، فقد أثبت فاعلًا محدثًا لها من مادة. وهذا إقرار بالصانع، فيلزمه إثباته، وصار من القسم الأول؛ فما فرّ إليه شر مما فرّ منه على كل تقدير.
وهذا حال أهل الباطل دائمًا، لا يكذبون بحق الشبهة إلا لزمهم ما هو أشد منها. وإذا قالوا: نحن نسلم وجود الموجودات القديمة من غير مادة، وإنما الكلام في الموجودات المحدثة عن عدم — وهذا حقيقة قولهم — ظهر فساد مذهبهم أيضًا؛ فإنه إذا ثبت أن إبداعه للأشياء لا يفتقر إلى مادة، بل نفسه كافية في إبداعها مع القدم، فالأولى أن تكون نفسه كافية في إبداعها مع الحدوث.
فإن المحدث أضعف من القديم وأقل في الوجود، وذاك أكمل منه وأقوى؛ فإذا كان مكتفيًا بنفسه في إبداع الأكمل الأقوى، فكيف لا يكتفي بنفسه في إبداع الأنقص الأضعف؟ ومن المعلوم ببداية العقول أن الفاعل للأكمل الأقوى بنفسه لا يكون محتاجًا في الأنقص الأضعف إلى غيره، لا مادة، ولا غير مادة.
وهذا بين واضح، وليس لهم عليه سؤال، لكن غايتهم أن يقولوا: يمتنع أن يحدث عنه شيء بعد أن لم يكن حادثًا؛ لأن ذلك يقتضي سببًا حادثًا. وهذه حجتهم الأخرى — وهي الكبيرة — وسنبين إن شاء الله فسادها، وإنما المقصود هنا بيان فساد حجتهم من جهة إثبات المادة، وأن الحادث لا بد له من مادة قديمة؛ لأن الوجود عن العدم المحض لا يمكن.
فإن هذه الحجة فيها إجمال يوهم المستمع أنه يوجد بلا موجد، ومعلوم أن هذا باطل. ومقصودهم أنه يوجد من غير مادة، ومعلوم أنه لا يجب فيما يبدعه الباري أن يكون له مادة؛ فإنه يبدع القديم عندهم بلا مادة. فعُلم أنه وحده مستغنٍ في إبداع ما يبدعه عن مادة، وأنه وحده يبدع الأكمل الأعلى، فكيف لا يبدع وحده الأنقص الأدنى؟
فتبين أن كون الموجود وجد عن عدم ما سوى الخالق ليس بممتنع، وأن وجود الخالق لا بد منه، وأنه وحده غني عن كل ما سواه في كل ما يخلقه؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ﴾، فهو سبحانه ليس له شريك في ملكه يعاونه على خلق شيء، لا مادة ولا غيرها، ولا له ولي من الذل كما يتولى المخلوق من يتعزز به، بل يتولى عباده رحمةً وإحسانًا إليهم لا احتياجًا واستعانة بهم.
ولذلك قال سبحانه: ﴿وَقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾، فبين أنه سبحانه ليس له ظهير يظاهره ويعاونه على شيء من الأشياء، بل هو الغني عن كل شيء في كل شيء، وأن ما خلقه من الأسباب لم يخلقه لحاجته في خلق المسبب إليه، بل لأن له في خلقه من الحكمة ما له في خلق المسببات أيضًا.
كما قال تعالى لما أمر المؤمنين بجهاد الكفار: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِيَبْلُوا بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾.
وإن قالوا: لم تشهد حادثًا إلا من مادة، قيل لهم: ولم تشهد موجودًا من غيره بلا مادة؟ وأنتم تقولون: إن الأفلاك حدثت عنه بلا مادة متقدمة عليها، فكيف أثبتم استغنائه في إبداع الموجود الأكمل عن المادة، ولم تشهدوا ذلك، وجعلتموه محتاجًا في إبداع الموجود الأنقص إلى المادة لكونكم لم تشهدوا حادثًا إلا من مادة؟
بل كان طرد قولكم أن تنكروا وجود موجود بغيره إلا محدثًا، فإنكم لم تشهدوا موجودًا بغيره إلا محدثًا عن عدم، أو كل ما شهدتموه موجودًا من غيره، مثل الحيوان والنبات والمعادن، لم تشهدوه إلا حادثًا. فإذا تبين أن السماوات والأرض ممكنات مفتقرات إلى مبدع أبدعها، وجب القول بحدوثها؛ لأنكم لم تشهدوا مفعولًا إلا محدثًا. وهذه الطريقة سلكها كثير من أهل الكلام، وهي خير من كلام الفلاسفة، فإنه إذا حصل الاتفاق وعلم بالدليل أن السماوات مبدعة مفتقرة إلى مبدع فعلها، ولم تشهد مبدعًا لمفعول إلا محدثًا، وجب القول بحدوثها.
فإن تقدم الفاعل المبدع — الذي هو خالق كل شيء — على فعله هو أقرب في العقل من كون الفاعل المبدع يفتقر إلى مادة. يبين ذلك أن كون الفاعل متقدّمًا على المفعول أمر مستقر في العقل والحس، مع أنه لا يحتاج إلى شهادة الحس، ولو قيل: متقدم بالذات، بخلاف كون المفعول أو المحدث مفتقرًا إلى مادة؛ فهذا ليس معلوماً بالعقل، وإنما شبهة قائله كونه لم يحس محدثًا إلا كذلك. وأين قضية التعلم بالعقل والحس من قضية عدم التعلم بواحد منهما؛ ولكن لم يشهدها الحس؟ ومعلوم أن عدم شهادة الحس لا تنفي ثبوت ما لم يشهده. ولو كان ما لم يشهده الإنسان بحسه ينفيه، لبطلت المعقولات والمسموعات، وقد قال سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، فإذا كان المكذب بما لم يعلمه بوجه من الوجوه مذمومًا في الشرع، كما هو مخالف للعقل، فكيف بالمكذب بما لم يعلمه بحسه فقط؟ وإذا كان عدم العلم ليس علماً بالعدم، فكيف يكون عدم الإحساس علماً بالعدم؟
وبين شيخ الإسلام بعد ذلك الشبهة الثانية عند الفلاسفة، وهي قولهم: إن المحدث يتقدمه الإمكان؛ فلا بد له من محل ثبوتي. فيقال لهم: الإمكان ليس وصفًا موجودًا للممكن زائداً على نفسه، بل هو بمنزلة الوجوب والحدوث والوجود والعدم ونحو ذلك من القضايا التي تُتَعَلّم بالعقل، وليس العدم زائداً على المعدوم في الخارج، ولا المحدث في الخارج، ولا الإمكان زائداً على ذات الممكن في الخارج، ووجود الشيء زائداً على ماهيته في الخارج، ولا الحدوث زائداً على ذاته، ولا الوجوب زائداً على ذات الواجب في الخارج. والمقصود هنا الإمكان: فالممكن إما أن يكون معدومًا أو موجودًا؛ فإذا كان معدومًا فليس له صفة ثبوتية أصلاً؛ إذ المعدوم لا يتصف بصفة ثبوتية. وإن كان موجودًا، فقد صار واجبًا بغيره؛ فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فما شاءه وجب وجوده، وما لم يشأه امتنع وجوده، وهو في نفسه قابل للوجود والعدم.
وقولنا في الموجود ممكن معناه أنه موجود بغيره. ومما يبين ذلك أن الإمكان لو كان صفة زائدة على الممكن، لا يمنع قيامه بغيره؛ إذ صفة الشيء لا تقوم بغيره، وقبل وجود الممكن ليس له صفة، فتمتنع وجود إمكان هو صفة له قبل وجوده. فتبين أن ما يدعونه في إثبات إمكان وجودي من محل قبل وجود الممكن خيال محض.
ثم يقال: نحن نشهد بالحس حدوث الصور من الحيوان والنبات والمعدن، ونشهد أن هذه الصور الحادثة كانت بعد أن لم تكن. وإن كانت خُلقت من غيرها، فليست هي ذلك الغير ولا بعضه، ولكن ذاك استحال وعدمت صورته الأولى، وأحدث الله صورة غير تلك؛ فهذه الصورة موجودة بعد العدم، حادثة بعد أن لم تكن، وهذا مشهود؛ فإن هذا اللحم وهذه الثمرة لم يكن موجودًا أصلاً بوجه من الوجوه، فوجد بعد عدمه، وتلك الصور الموجودة كالنبات الذي رعته الشاة، والمني الذي استحال ولدًا، عدمت بعد وجودها. فهذا وجود بعد عدم، وعدم بعد وجود مشهود.
وقد يختلف البعض في أن شيخ الإسلام له مذهب آخر في كتاب النبوات آخر كتبه، فيقول: حدوث الشيء لا من مادة، قد يشبه حدوثه من غير رب خالق، وقد يظن أنه حدث من ذات الرب، كما قيل مثل ذلك في المسيح والملائكة أنها بنات الله لما لم يكن لها أب، مع أنها مخلوقة من مادة، كما ثبت في الصحيح؛ صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم".
ولما ظنّت طائفة أنها لم تُخلق من مادة، ظنّوا أنها قديمة أزلية. وأيضًا فالدليل الذي احتج به كثير من الناس على أن كل حادث لا يحدث إلا من شيء، أو في شيء؛ فإن كان عرضًا لا يحدث إلا في محل، وإن كان عينًا قائمة بنفسها لم يحدث إلا من مادة، فإن الحادث إنما يحدث إذا كان حدوثه ممكنًا، وكان يقبل الوجود والعدم، فهو مسبوق بإمكان الحدوث وجوازه، فلا بد له من محل يقوم به هذا الإمكان والجواز.
وقد تنازعوا في هذا: هل الإمكان صفة خارجية لا بد لها من محل، أم هي حكم عقلي لا يفتقر إلى غير الذهن؟ الإمكان نوعان، والتحقيق أنه نوعان: الإمكان الذهني، وهو تجويز الشيء أو عدم العلم بامتناعه، محله الذهن، والإمكان الخارجي المتعلق بالفاعل أو المحل؛ مثل أن تقول: يمكن…
القادر أن يفعل، والمحل؛ مثل أن تقول: هذه الأرض يمكن أن تُزرع، وهذه المرأة يمكن أن تحبل. وهذا لا بد له من محل خارجي. فإذا قيل عن الرب: يمكن أن يخلق، فمعناه أنه يقدر على ذلك، ويتمكن منه، وهذه صفة قائمة به.
وإذا قيل: يمكن أن يحدث حادث، فإن قيل يمكن حدوثه بدون سبب حادث، فهو ممتنع. وإذا كان الحدوث لا بد له من سبب حادث، فذاك السبب إن كان قائمًا بذات الرب، فذاته قديمة أزلية، واختصاص ذلك الوقت بقيام مشيئة، أو تمام تمكّن، ونحو ذلك، لا يكون إلا لسبب قد أحدثه قبل هذا في غيره، فلا يحدث حادث مباين إلا مسبوقًا بحادث مباين له. وقد أشكل على البعض هذا الكلام رغم وضوحه وبيانه، أن الله قادر على كل شيء، مثل أن تقول: فإذا قيل عن الرب: يمكن أن يخلق، فمعناه أنه يقدر على ذلك ويتمكن منه، وهذه صفة قائمة به. فالله قادر على كل شيء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (سورة يس: 82).
ولكن يُفهم في سياق: وإذا قيل: يمكن أن يحدث حادث، فإن قيل يمكن حدوثه بدون سبب حادث، فهو ممتنع. وإذا كان الحدوث لا بد له من سبب حادث، فذاك السبب إن كان قائمًا بذات الرب، فذاته قديمة أزلية. فالله يفعل منذ الأزل، وليس لله بداية في الوجود، وصفاته قديمة. فإذا لابد من إثبات تسلسل حوادث لا أول لها، فهذا هو الواجب وأحرى. فالله لم يخبرنا في كتابه، كما سلف من كلام شيخ الإسلام، أنه خلق شيء من عدم أو عن عدم، إنما أخبرنا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. وقد جاءت الآثار عن السلف بأن السماء خُلقت من بخار الماء، وهو الدخان.
والمقصود هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب الذين سألوه عن أول هذا الأمر، وكان مرادهم خلق هذا العالم. الوجه الثاني أن قولهم "هذا الأمر" إشارة إلى حاضر موجود، والأمر يراد به المصدر، ويراد به المفعول به، وهو المأمور الذي كونه الله بأمره، وهذا مرادهم، فإن الذي هو قوله ليس مشهودًا مشارًا إليه، بل المشهود المشار إليه هو هذا المأمور به. قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، ونظائره متعددة.
ولو سألوه عن أول الخلق مطلقًا لم يشيروا إليه بهذا؛ فإن ذاك لم يشهدوه، فلا يشيرون إليه بهذا، بل لم يعلموه أيضًا، فإن ذاك لا يعلم إلا بخبر الأنبياء، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبرهم بذلك، ولو كان قد أخبرهم به لما سألوه عنه. فعلم أن سؤالهم كان عن أول هذا العالم المشهود. وهنا يتضح المراد أن هذا العالم هو المراد في الحديث: "جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر".
وهذا العالم لم يخبرنا الله لا في كتابه، ولا سنة نبيه، ولا كلام السلف أنه خلق شيء من عدم أو من لا مادة، ولكن هذا لا ينفي قدرة الله على أن يخلق خلقًا من غير مادة مسبوقة لا نعلم عنها شيئًا، كما لا نعلم أول مخلوق خلقه الله، لأن الله يخلق منذ الأزل.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0