من إشعاع بلانك إلى دلائل النبوّة: لماذا تصبح الأجسام فائقة السخونة مظلمة؟
من ينظر بإنصاف يدرك أن الإشارات الكونية الدقيقة التي وردت في الحديث النبوي لا يمكن أن تصدر من رجلٍ أُمّي عاش في صحراء قبل قرون. فهي حقائق لم يصل إليها العلماء إلا بعد أبحاث معقدة وتجارب طويلة. وحين يطابق الوحي ما تكشفه الفيزياء الحديثة بدقة لافتة، فإن العقل لا يجد تفسيرًا منطقيًا سوى أن وراء هذا العلم وحيًا لا يأتيه الباطل، لا صدفة ولا تخمين.
من الدلالات العلمية المستخلصة من النبوءات الدالة على صدق الأنبياء وإعجازهم، أنّه يستحيل عقلًا أن تُنسب هذه المعارف الدقيقة – التي لم تُكتشف إلا بعد تراكم معرفي طويل، ورصد مخبري، واستثمارات بحثية ضخمة، ومحاكاة بأدق الأجهزة والبرامج – إلى رجلٍ أُمّيّ نشأ في صحراء قبل أربعة عشر قرنًا.
وحديثنا اليوم عن العلاقة العجيبة بين الحرارة واللون؛ علاقة قد لا يتفكّر فيها الإنسان، رغم أنّها كانت الشرارة الأولى التي انطلقت منها الفيزياء الحديثة. فقد كانت دراسة إشعاع الجسم الأسود من أعقد الإشكالات التي واجهت العلماء في مطلع القرن العشرين.
فالجسم الأسود هو جسمٌ يمتصّ جميع الإشعاعات الساقطة عليه، ويصدر إشعاعًا يعتمد فقط على درجة حرارته. وقد مثّل تغيّر لون هذا الإشعاع مع تغيّر الحرارة لغزًا كاملًا أمام القوانين الكلاسيكية: معادلات ماكسويل، الديناميكا الحرارية، الميكانيكا الإحصائية، وقوانين نيوتن. ولم تفلح هذه الأطر في تفسير توزيع الطاقة الإشعاعية، وهو ما عُرف تاريخيًا بـ كارثة الأشعة فوق البنفسجية (Ultraviolet Catastrophe).
حتى جاء العالم ماكس بلانك سنة 1900، وسخّره الله ليقترح فكرته الثورية: تكميم الطاقة بالعلاقة: E = h\nu
فكانت تلك اللحظة ميلاد ميكانيكا الكمّ، التي تأسّس عليها قانون بلانك لإشعاع الجسم الأسود، وهو القانون الذي أثبت جملةً من الحقائق الأساسية، منها:
• أنّ الأجسام الباردة تشعّ في نطاق الأشعة تحت الحمراء غير المرئية (أي أنّها تبثّ حرارة لكنها تبدو مظلمة للعين البشرية).
• وعند بلوغ حرارة معيّنة يبدأ التوهّج الأحمر في الظهور (قرابة 580–600 °C).
• ثم يتحوّل اللون تدريجيًا إلى الأصفر ثم الأبيض المتوهّج مع ارتفاع درجة الحرارة.
• ويزداد الإشعاع بعد ذلك في الأطوال الموجية الأقصر (الأزرق ثم البنفسجي).
• وعند درجات حرارة هائلة جدًا تنتقل ذروة الإشعاع إلى نطاقات فوق بنفسجية ثم إلى الأشعة السينية غير المرئية، فيبدو الجسم مظلمًا رغم شدّة حرارته.
وهذه النقطة بالذات هي لبّ المقال:
عند درجات الحرارة القصوى، يصبح الجسم بالغَ السخونة مظلمًا ظاهريًا، لأن معظم إشعاعه ينتقل إلى أطوال موجية لا تراها العين البشرية، فتختفي إضاءته في النطاق المرئي رغم اشتداد توهّجه الفيزيائي.
وقد عُرفت هذه المرحلة في الأدبيات العلمية بأسماء مثل:
Dark Hot Objects – Black Radiation – High-Temperature Invisible Emission
وهي ظاهرة حقيقية متوقَّعة رياضيًا من منحنيات بلانك لإشعاع الجسم الأسود، وموثّقة في:
• البلازما شديدة السخونة (High-energy plasma)
• النجوم ذات الانبعاث فوق البنفسجي الحادّ
• المواد المسرّعة حراريًا في المختبرات، حيث يصبح الضوء المرئي جزءًا ضئيلًا من طيفها الإشعاعي
بل إن العلماء يقدّرون أن حرارة بعض النجوم تتجاوز نطاق الرؤية البشرية تمامًا، فتنخفض إضاءتها البصرية رغم ضخامة قدرتها الإشعاعية الحقيقية، لأن معظم طاقتها يُطلق في الأشعة فوق البنفسجية، والأشعة السينية، وأحيانًا غاما.
ومن خلال هذه الظاهرة الفيزيائية الدقيقة استطاع العلماء تحديد حرارة النجوم من ألوانها وفق التدرّج الحراري المشهور:
أحمر ← أصفر ← أبيض ← أزرق ← ثم اختفاء بصري عند أقصى درجات الحرارة
وهذه المعرفة الفيزيائية الأساسية والمحورية هي التي تمكّن العلماء من تقدير حرارة النجوم وتصنيفها اعتمادًا على ألوانها
وقد دفع ذلك أكبر وكالات الفضاء إلى اعتماد مشاريع تعتمد رصد الكون بأشعة X — كما تفعل وكالة الفضاء ناسا — لرصد النجوم الأعلى حرارة وطاقة.
هذه الظاهرة مبنية على ملاحظات للظواهر الطبيعية، وتجارب مخبرية، وتنبؤات رياضية صارمة، وقد تضافرت عليها القرائن العلمية من تجربة ورصد.
وإن كنت لا أحبّ الاقتباسات في مواضع الاستدلال، ولا التبسيط في مواضع التدقيق إلا مراعاةً لبعض الناس البعيدين عن البحث العلمي، ومن باب الاستئناس للحجة – وإن كانت في غنى عنها – نقتبس للمؤلف مارك شيرفينكا في كتابه:
The Black Light Book: Easy Tests with Ultraviolet Light
الذي يشير فيه إلى ما يُسمّى:
Sunlight in the Dark
(ضوء الشمس في الظلام)
وهو يشرح فيه أن الجسم إذا كانت ذروة إشعاعه في الأشعة فوق البنفسجية، فإنه لا يُرى في النطاق المرئي رغم حرارة هائلة، وأن النجم الأعلى حرارة سيكون – بالمعيار البصري – أقلّ ضياءً لأنه يشع في أطوال موجية أقصر من مجال البصر الإنساني.
ولتبسيط هذه المفاهيم لمن أراد البحث، وخاصةً ممن تخصّصهم خارج هذه المباحث:
• فليبحث أولًا: ما هو الطيف المرئي؟ وما هي الأطوال الموجية التي يستطيع جهازنا البصري رؤيتها؟
• وليعلم أن ما يقع خارج هذا النطاق تعجز العين عن إدراكه، ويبدو لنا جسمه مظلمًا أسود مهما بلغت حرارته.
• ثم ليبحث في شدة الإشعاع الذي يصدره الجسم حسب درجة حرارته ، نظريًا وتجريبيًا.
• وليتأمّل: هل الإشعاعات التي يصدرها الجسم عند الاحماء الشديد تجعله مظلمًا أسود للعين — كما أخبرنا الصادق الأمين، النبي المشفق على أمّته
وهذا التطابق الدقيق بين:
• تدرّج اللون مع الحرارة
• وانتهاء الأجسام شديدة الحرارة إلى الظلام التام
• وتقسيم المراحل حراريًا
هو من أبلغ الشواهد على صدق النبي ﷺ. اذ جاء عند الترمذي : حدثنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ عَاصِمٍ هُوَ ابْنُ بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ )
خلاصة حكم المحدث : [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما]
كيف لرجلٍ أُمّي، لا يعرف علوم الضوء، ولا قوانين بلانك، ولا منحنيات إشعاع الجسم الأسود، ولا الأطوال الموجية، ولا «كارثة الأشعة فوق البنفسجية»… أن يصف بدقّة، وفي كلمة واحدة، ما احتاج العلماء قرونًا طويلة لتفسيره وفهمه وتجريبه؟
إنه إخبارٌ سابقٌ لعصره، لا يُفسَّر إلا بالوحي.
وهي آياتٌ بيّناتٌ لمن طلب الحق، ولم يُعطّل عقله، ولم يُغلق قلبه.
ولا يسع الملحد — كالعادة — إلا أن يعترض على هذا التطابق العجيب مستعملًا ورقته البالية: «الصدفة».ولا بأس أن نذكّره أن «الصدفة» ليست منهجًا علميًا، ولا تفسيرًا معرفيًا، ولا قاعدة عقلية، ولا قانونًا تجريبيًا. الصدفة ليست دائمة، ولا أكثرية، ولا تفسيرًا يُبنى عليه يقين، ولا هي منطقًا يطّرد مع هذا الاتساق العجيب بين الخبر النبوي وبين أعمق قوانين الفيزياء الحديثة
🔬 الشواهد والمراجع العلمية
1. مرحلة الجسم الساخن المظلم (Dark Hot Stage)
الأجسام الساخنة جدًا تشع في نطاق غير مرئي (Infrared) قبل أن يصدر أي ضوء مرئي.
– Hewitt, Conceptual Physics (Pearson, 2014).
2. قانون بلانك وتكميم الطاقة
تفسير تغيّر اللون مع الحرارة لم يكن ممكنًا قبل سنة 1900.
– Planck, M. (1901). On the Law of Distribution of Energy in the Normal Spectrum.
3. الجسم الأسود وترتيب الألوان الحرارية
ترتيب الألوان مع الحرارة: أحمر → أصفر → أبيض → أزرق → ثم ظلام عند تجاوز المجال المرئي.
– Tipler & Mosca, Physics for Scientists and Engineers, 2008.
4. تحديد حرارة النجوم من ألوانها
اعتمد الفلكيون على هذه القوانين لتقدير حرارة النجوم.
– Carroll & Ostlie, Modern Astrophysics, 2017.
الملفات
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
4
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
1
غاضب
0
حزين
0
واو
0