شبهات حول قصة أصحاب الكهف: بين روايات النصارى ووحي القرآن الكريم

أغسطس 12, 2025 - 05:21
 0
شبهات حول قصة أصحاب الكهف: بين روايات النصارى ووحي القرآن الكريم

كم من شبهةٍ ظنّها الطاعنون سهمًا في قلب الإسلام، فإذا بها تنقلب برهانًا يسطع في سماء اليقين، يشهد أن هذا الدين حق، وأن هذا النبي ﷺ ما نطق عن هوى. فما حسبه الناس طعنًا، كان في جوهره آية، وما رآه الجاحدون نقصًا، كان في الحقيقة وجهًا من وجوه الإعجاز، يشهد للوحي بعظمته، وللنبوة بصدقها، وللتاريخ أن محمدًا ﷺ نبيّ من عند الله.

ومن بين أشهر الشبهات التي ظنها الطاعنون طعنًا قاتلًا في الإسلام، شبهة أصحاب الكهف، التي تتكون من أربعة اعتراضات رئيسية. نعرض اليوم أول اثنين منها مع الردود عليها.

الاعتراض الأول:

قصة أهل الكهف كانت جوابًا عن سؤال قدّمه اليهود لنبي الإسلام ﷺ، وقد وردت الرواية عن ابن عباس كما نقلها الطبري، قال:

بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود في المدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عندنا. فخرجا حتى قدِما المدينة، وسألا أحبار اليهود عن رسول الله ﷺ، ووصفا لهم أمره وبعضًا من قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا.

فقالت لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث مسائل نأمركم بها، فإن أجابكم عنها فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقوِّل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم:

  • سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم، فإن لهم حديثًا عجيبًا.

  • وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما خبره؟

  • وسلوه عن الروح، ما هو؟

فإن أخبركم بذلك، فهو نبي فاتّبعوه، وإن لم يخبركم، فهو رجل متقوِّل.

وقد كان جواب نبي الإسلام ﷺ عن سؤال اليهود أن ذكر قصةً وقعت للنصارى، تتضمن خارقة لبعض المؤمنين بالمسيح. إلا أن اليهود لا يؤمنون بصلاح النصارى، وينكرون أن يكرمهم الله بالخوارق. ولذلك، يرى المعترض أن جواب نبي الإسلام ﷺ كان خطأً، إذ لم يُجب عن القصة التي طلبها اليهود.

جواب الاعتراض الأول:

أولًا: سبب نزول سورة الكهف المذكور في الاعتراض السابق لا يصح، لأنه حديث غريب منكر، كما نص على ذلك الحافظ ابن حجر في كتاب موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر.

قال ابن حجر رحمه الله في حكمه على الحديث:

"هذا حديث غريب، لولا هذا المبهم لكان سنده حسنًا، لكن فيه ما يُنكر، وهو السؤال عن الروح ونزول الآية فيها، وأن ذلك وقع بمكة، والثابت في الصحيحين أن ذلك كان بالمدينة، وقد ورد مصرحًا به في رواية ابن مسعود."

ويقصد ابن حجر بذلك الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال:

"بينا أنا أمشي مع النبي ﷺ في خرب المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت. فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلَى عنه، قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)"
[رواه البخاري 

وأما الإبهام في السند، فهو في قول الراوي:

"ثنا محمد بن إسحاق، حدثني رجل عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس"،
فهذا "الرجل" مجهول لم يُذكر اسمه، مما يسقط السند، فضلًا عن أن المتن نفسه يخالف ما ورد في صحيح البخاري.

وقد ذكر السيوطي أن هذا الحديث رواه أبو نعيم في الدلائل من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس،
والسدي الصغير (محمد بن مروان الكوفي) من المتروكين، وقد اتُّهم بالكذب.
قال البخاري:

"لا يُكتب حديثه البتة"،
وقال النسائي:
"محمد بن مروان الكوفي، يروي عن الكلبي، متروك الحديث".

ثانيًا: من المهم أن نلاحظ أن الجواب القرآني عن أهل الكتاب ورد في مسألتي ذي القرنين والروح، لا في قصة أصحاب الكهف.
قال تعالى:

(وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا) [الكهف: 83]
وقال:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي...) [ الاسراء: 85]

أما قصة أصحاب الكهف، أو "أصحاب الرقيم"، فقد وردت في بداية السورة دون أي إشارة في الآيات إلى أنها كانت جوابًا عن سؤال محدد من اليهود أو غيرهم، على خلاف الآيات التي تبدأ بـ "ويسألونك"، التي تدل صراحة على وجود سؤال سابق.

وعليه، فإن ادعاء أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن أصحاب الكهف، وأن القصة نزلت جوابًا عن سؤالهم، دعوى لا تثبت لا من حيث السند ولا من حيث دلالة النص.

الاعتراض الثاني

 وهو أشهل اعتراض، وهو أن قصة صبية أفسس أو النيام السبعة نقلها النبي صلى الله عليه وسلم من الراهب يعقوب السروجي (451–521م)، وأن هذه القصة كانت في مدينة أفسس اليونانية. فضلاً عن أن يعقوب السروجي كان أول من تفوه بهذه الأسطورة، وأنها مجرد تعليم رمزي، فضلًا عن أنه عاش بعيدًا عن الحوض الزمني المروي عن هذه القصة، وأن هذه القصة لم تُنقل قبل يعقوب السروجي.

والجواب على هذا الاعتراض:
إن يعقوب السروجي وُلِدَ في تركيا (بتقسيمها الحديث)، وقد تَعَلَّمَ في مدرسة الرها (أرفة اليوم)، وفيها صار أُسقُفًا. ومنطقة أفسس هي اليوم أيضًا في تركيا، وإن كانت قديمًا داخلة في حدود اليونان القديمة. والمسافة بين الرها وأفسس، وإن كانت كبيرة، إلا أنها لا تجعل من رواية يعقوب السروجي لقصة النيام السبعة أمرًا مُنكَرًا.

ثانيًا، هو قريب جدًا من مسرح الأحداث وليس بعيدًا عن الحوض الزمني؛ إذ إن قصة النيام السبعة استيقظوا في زمن ثيودوسيوس الثاني (باللاتينية: Flavius Theodosius Junior Augustus) (10 أبريل 401 – 28 يوليو 450)، أي أن يعقوب السروجي (451 – 521) وُلد سنة وفاة ثيودوسيوس الثاني، خاصةً أَنَّ يعقوب السروجي كان واسع المعرفة بحال النصارى، وكثير الكتابة، ومُعتنيًا بالخوارق، ما صح منها وما لم يصح.

ثانيًا، إن يعقوب السروجي لم يكن أول من نقل هذه القصة، فلها مصدر قبل يعقوب السروجي، وقد أكد هذا العديد من النقاد، ومن هؤلاء المستشرق بيتر فن يدير هورست، حيث قال:

ثانيًا: ذهب عدد من النقاد إلى أن ما كتبه يعقوب السروجي له أصل سابق عن وثيقة يونانية. يتفق معظم النقاد والباحثون المعاصرون على أن أصل حكاية "صحوة الشبان السبعة" إنما هو أدبي يوناني، رغم الخلاف حول اللغة التي كُتب بها النص الأولي. فرأى كلٌّ من أ. ألجير وإ. (A. Allgeier)، غويدي وب. (I. Guidi)، و هيلر وث. نولدكه (B. Heller)، وف. رايسل (V. Ryssel)، وأ. كريمسكي (A. Krymski) وغيرهم، أن الصيغة الأصلية كانت بالسريانية، بينما أصرَّ "م. هوبر" وب. (M. Huber)، "بيترز" وإ. (P. Peeters)، "هونيغمان" (Ernest Honigmann) على أسبقية بعض النصوص اليونانية."المصدر "

وكل المؤلفين الأوائل، باستثناء يعقوب السروجي، جمعوا معلوماتهم أثناء إقامتهم في أفسس أو في محيطها، مما يؤكد أن أول تاريخ مؤرخ مكتوب كان باليونانية، وأن "الأسقف ستيفن الأفسسي" (Bishop Stephen of Ephesus) هو الذي وضعه أولًا. غير أن بعض هؤلاء المؤرخين نقلوا كتاباتهم إلى السريانية، فانتشرت الحكاية سريعًا في الشرق بلغتهم الخاصة. ورغم كونها في الأصل معجزة مروّجة في الأوساط الأرثوذكسية، فقد تبناها السريان المونوفيزيون أيضًا ودافعوا عنها. 

وفي عام 1953 دافع إرنست هونيجمان (Ernest Honigmann) بمهارة عن صحة رواية الشبان السبعة بوصفها حدثًا تاريخيًا، مستندًا إلى الأدلة الأثرية والنقدية. وأوضح أنّ هذا التقليد كان شائعًا بين المسيحيين الملكيين والمونوفيزيين والنساطرة واليعاقبة، مما يدل على وجوده قبل انقسامهم في القرنين الخامس والسادس. وبعد بحث دقيق شمل جميع السجلات التاريخية والأدلة الأثرية، استنتج هونيجمان أن القصة، رغم غرابتها، كانت مبنية على حقيقة تاريخية؛ إذ يبدو من الواضح أن سبعة شبان من أفسس في منتصف القرن الخامس قد حاولوا أن يوهموا الناس بأنهم تعرّضوا للاضطهاد في عهد ديكيوس. ويدلّ على ذلك أنّ أحد كبار رجال الدين، في حالة من التصديق الذاتي، ذهب إلى توثيق روايتهم الغريبة، فاستند إليها في دحض بعض الهراطقة والدفاع عن العقيدة."نفس المصدر السابق"

وبعد الاكتشافات الأثرية التي قادها ف. ميلتنر عام 1926، نيابةً عن المعهد الأثري النمساوي في أفسس، تبيّن أن الكنيسة المنسوبة إلى هؤلاء الشبان قد بُنيت نحو منتصف القرن الخامس، وذلك في موقعها التقليدي بمدينة أفسس القديمة. وقد أكّدت نتائج النقد النصي بعض الاستنتاجات التي أسفرت عنها الحفريات الأثرية، مما يُظهر تقاطعًا بين الدليلين، ويعزز أن الرواية تصف حدثًا تاريخيًا واقعيًا.
وعلى الرغم من أن علم الآثار والنقد النصي لا يثبتان وقوع المعجزة ذاتها، فإنهما يشيران بقوة إلى أن سبعة شبّان قد ظهروا بين أهل أفسس ونُسب إليهم فضل إحياء الموتى، فتحوّلت قصتهم إلى معجزة عظّمت الإيمان في نفوس كثيرين."نفس المصدر السابق"

الاعتراض الثالث:

يُقال إن القرآن أخبر أن أهل الكهف قد لبثوا في كهفهم 309 سنوات، كما في قوله تعالى:
﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴾ (الكهف: 25).
بينما تذكر الرواية المسيحية المعروفة بـ"السبعة النيام" أنهم دخلوا الكهف في حدود سنة 250م في عهد الإمبراطور ديكيوس (حكم من 249 إلى 251م)، واستيقظوا قرابة سنة 450م في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني (401–450م)، مما يعني أنهم مكثوا قرابة 200 سنة فقط، لا 309 كما جاء في الآية، بحسب الاعتراض.

الجواب:

أولًا، مسألة أن القرآن صرّح بأن مدة لبثهم كانت 309 سنوات هي محلّ خلاف قديم بين مفسري القرآن. فقد ذهب عدد من العلماء إلى أن قوله تعالى:
﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ... ﴾ هو من كلام أهل الكتاب، وليس من كلام الله تعالى ابتداءً.
يقول الألوسي في تفسيره:

"وقال جمع من المفسرين: إن الجملة (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ...) من كلام أهل الكتاب، فهي من مقول: «سيقولون»، وما بينهما اعتراض."

وبهذا التفسير، فإن القرآن لا يثبت هذه المدة، بل ينقل ما قاله أهل الكتاب، ثم يرد عليهم في الآية التالية:
﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (الكهف: 26).

وقد روى الطبري عن التابعي قتادة قوله:

"هذا قول أهل الكتاب، فردَّه الله عليهم بقوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ ﴾..."
كما أورد الطبري أن في مصحف عبد الله بن مسعود: "وقالوا: ولبثوا..."، أي أن الجملة من قول الناس.

ثانيًا:
حتى لو سلَّمنا بأن المدة المذكورة في قوله تعالى — أنهم لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعًا — هي من كلام الله عز وجل، وأن مدة لبثهم بالفعل كانت 309 سنوات، فلا يوجد أي تعارض، لأننا لسنا مقيّدين بروايات النصارى التي لا سند لها، ولا تثبت بوثائق موثوقة، فضلاً عن أن القرآن الكريم هو وحي الله المنزل على عبده صلى الله عليه وسلم، وقد نُقل إلينا بالتواتر عبر جمع غفير لا يُمكن تواطؤهم على الكذب.

أما الرواية المسيحية، فهي مليئة بالإشكالات، ومن أبرزها قصة الصبي الذي خرج إلى السوق ومعه نقود، فتعجب الناس منه وعرفوا أنه من زمن قديم، لأن النقود التي كانت معه تعود — بحسب بعض رواياتهم — إلى عهد الإمبراطور ديكيوس.
وهذا يثير إشكالًا منطقيًا: فكيف يُعقل أن يتعجب الناس من نقودٍ لا يتجاوز عمرها 150 إلى 200 سنة؟ بل إن المسكوكات النقدية في زمن ديكيوس لم تكن ذات قيمة معدنية مرتفعة حتى تكون نادرة أو مثيرة للريبة، مما يضعف الرواية ويطرح تساؤلات حول صحتها.

ولهذا، فإن تحديد الإمبراطور الذي هرب منه الفتية على أنه ديكيوس الشهير (249–251م) ليس أمرًا قطعيًا. بل هناك نظرية تقول إن "ديكيوس" المذكور في بعض المصادر قد لا يكون هذا الإمبراطور المعروف، بل إمبراطورًا آخر اتخذ هذا الاسم لاحقًا بعد توليه الحكم، وهو الإمبراطور تراجان، الذي عُرف لاحقًا باسم تراجان داكيوس.

وقد حكم تراجان بين عامي 98 و117م، وشارك في حروب عديدة، من أبرزها احتلاله لمنطقة داكيا (رومانيا حاليًا) عام 103م، حيث نال لقب "داكيوس"، كما اتخذ لقب "جرمانيكوس" بعد حملاته في أراضي الجرمان.
وقد نُقشت هذه الألقاب على العملة الفضية (الديناريوس) التي صُكّت في عهده، ومنها:

"الإمبراطور تريانو أوغسطس، جرمانيكوس، داكوس، بونتيفكس ماكسيموس، كونسول للمرة الخامسة، باتر باتريا..."

وترجمتها: القائد الأعلى، فاتح الجرمان، فاتح داكيا، رئيس الكهنة، القنصل للمرة الخامسة، أبو الأمة.

ويُعرف تراجان هذا باضطهاده الشديد للمسيحيين، كما توثّق ذلك الرسائل المتبادلة بين بليني الأصغر والإمبراطور نفسه قرابة عام 112م، حيث كان بليني يطلب الإرشاد في كيفية التعامل مع من يرفضون عبادة الأوثان ويُظهرون التمسك بالمسيحية.

وعليه، فإن هذا يُرجّح أن الفتية فرّوا من اضطهاد تراجان، لا ديكيوس، مما يعني أن دخولهم الكهف كان في زمن أقدم بكثير مما تذكره الرواية المسيحية المتداولة، وهو ما يُفسّر الرقم 309 الوارد في القرآن، باعتباره الزمن الفعلي بين دخولهم الكهف ويوم استيقاظهم.

الاعتراض الرابع:
تدّعي بعض المصادر النصرانية أن شباب أهل الكهف كانوا من المثلِّثين، وليسوا من الموحِّدين؛ فكيف يزعم القرآن أنهم كانوا على التوحيد؟

الجواب:
هذه مجرد دعوى يروج لها النصارى، ولا توجد لدينا شهادات مباشرة ممن عاصروا الحدث أو شهدوه، وإنما وصلتنا الرواية من خلال شخصيات متأخرة، معظمها متعصب للكنيسة، كيعقوب السروجي وغيره.
ورغم هذا التأخر الزمني، فإن الروايات لا تُشير صراحة إلى أن الفتية كانوا مثلثة، بل يظل الأمر محل إبهام.

ثانيًا، في الخبر الإسلامي إشارات تُفهم منها أن الذين نشروا قصة الفتية لاحقًا لم يكونوا على عقيدتهم، بل كانوا على خلاف منهجهم، فقد جاء في سورة الكهف بعد أن عُثر على الفتية:

﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾ [الكهف: 21].

وقد أشار المؤرخ زكريا ريتور (Zacharia Rhetor) المتوفى سنة 536م، في كتابه التاريخ الكنسي، إلى أن البناء الذي أُقيم على قبور الفتية سُمِّي بيت صلوتا (rhals)، أي "بيت الصلاة".

وهذا يؤكد ما جاء في الحديث النبوي الشريف، حيث حذر النبي ﷺ من عادة اليهود والنصارى المنحرفين باتخاذ القبور مساجد، فقال في مرض موته:

«لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [رواه البخاري ومسلم].

ويُفهم من هذا الحديث أن الذين بنوا المسجد على قبور الفتية من ضُلّال النصارى، لا من صالحيهم، وأن ما وقع بعد اكتشاف أمرهم لا يعكس بالضرورة عقيدة الفتية أنفسهم.

ومن ثم، فإن الآية لا تدل على أن أهل أفسس في القرن الخامس كانوا موحدين، بل العكس. كما أن اعتراف النصارى بخوارق قصة الفتية يجعل من البعيد أن ينسبوا إليهم عقيدة التوحيد، لأنها تُخالف أصول الكنيسة القائمة على التثليث، ويُخشى أن يُؤدي ذلك إلى صرف الناس عن عقيدة الكنيسة.

الاعتراض الخامس 

من الشبهات التي يكررها الطاعنون في الإسلام: أن النبي ﷺ استقى قصة أصحاب الكهف، وغيرها من أخبار الوحي، من المسيحية التي كانت ـ بزعمهم ـ منتشرة في جزيرة العرب!

الجواب على هذا الاعتراض

لكن الحقيقة التاريخية، كما تشهد بها المصادر النصرانية نفسها، تُبطل هذه الدعوى من أصلها. فالموسوعة الكاثوليكية – القديمة والجديدة – تقرّ بأن الوجود المسيحي المنظم في الجزيرة العربية اقتصر على ثلاث مناطق فقط:

  1. شمال شرق الجزيرة (الحيرة، كاظمة، البصرة).

  2. شمال غرب الجزيرة (تبوك، دومة الجندل، الأردن).

  3. جنوب غرب الجزيرة (نجران، اليمن).

أما منطقة الحجاز، وبالأخص مكة والمدينة والطائف، فقد خَلَت تمامًا من الكنائس والبيع، ولم يُعرف فيها أي نشاط تبشيري منظم، بل كان النصارى هناك مجرد أفراد مشتتين من العبيد والتجار والجنود المرتزقة، لا يملكون علمًا ولا دعوة ولا تعليمًا، كما تقول الموسوعة الكاثوليكية الجديدة (ج1، ص620):

"لم تُمَسّ الحجاز بالوعظ المسيحي، ولا يُتوقَّع وجود كنيسة فيه، بل وُجد فقط بعض الأفراد المشتتين، وكانت نصرانيتهم ضعيفة ومبهمة."

فكيف يُقال بعد هذا إن نبيًا أُمّيًا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يعرف العبرية أو السريانية أو اليونانية، ولا قرأ كتابًا في حياته — أنه أخذ علوم الأنبياء، بل فصَّل قصصهم بدقة فاقت ما يعرفه علماء بني إسرائيل أنفسهم؟!

وكيف له أن يروي قصة أصحاب الكهف بهذه القوة والبيان، في حين أن نصوص النصارى عن القصة مضطربة، متأخرة، وتفتقر إلى اليقين، كما بيّنا في ردّنا على قولهم إن الفتية كانوا من المثلثة؟ بل القرآن هو الذي بيّن أنهم توفوا على التوحيد، وكشف فساد الروايات المحرّفة التي نُسجت حولهم.

إذن فالتفسير الوحيد الذي يفرض نفسه: أن هذا النبي لم يتعلّم من البشر، بل تَعلَّم من ربّ البشر.

﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]

فالوحي حق، والقرآن نور، وما عداه ظنون محطّمة على صخرة الحقيقة.

 كتاب شبهات حول القران لسامي عامري

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 1
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
الباحث بالدارجة مرحبًا بكم في عالم نكشف فيه أسرار الماضي، نعيد قراءة الحقائق الغائبة، ونصحح المغالطات الرائجة. هنا حيث يلتقي التاريخ بالدقة، وتتجلى الحقائق بعيدًا عن التشويش والزيف. جميع روابط التواصل الاجتماعي https://linktr.ee/albahtalbahit