أقنعة العقل الغربي: العنصرية باسم العلم

ديسمبر 20, 2025 - 21:02
 0
أقنعة العقل الغربي: العنصرية باسم العلم

يعتقد الكثير أن تقسيمات الجنس البشري، كـ (هومو سابينس) أو (نياندرتال) أو (هومو إريكتوس) وإنسان جاوة وغيرها من تسميات الجماجم المكتشفة، هي تسميات علمية مبنية على مقدمات أساسها العلم، لكن الأمر ليس بهذه السِّلْمية. صحيح قد يكون فيها بعض العلم، لكنها برداء عنصري ملازم في عقلية الإنسان الغربي، مولود تشربها من ثدي أمه، بل حتى من المتدينين منهم.

فأصل هذا التقسيم أصلًا كان عند الطبيب الألماني العنصري (يوهان فريدريش بلومنباخ) (Johann Friedrich Blumenbach) الذي عاش بين عامي (1752–1840)، فقد قسّم البشرية إلى خمسة أنواع على أساس عنصري، وهذه الأعراق هي: (القوقازي)، و(المنغولي)، و(الملايي)، و(الزنجي)، و(الأمريكي). وصنّف بينهم من ناحية حجم الجمجمة ولون البشرة. وهذه الفكرة العنصرية كانت سائدة في العالم الغربي، ثم أُسقطت على الأنواع البشرية، وحتى شبه البشرية، أو التي تُعرف بـ (شجرة الإنسان).

حتى (تشارلز داروين)، مؤسس نظرية التطور وصاحب كتاب (انحدار الإنسان)، كان عنصريًا مقيتًا، وحكايته مع (جِمّي باتن) (Jemmy Button)، الذي كان اسمه الحقيقي (Orundellico)، معروفة؛ إذ أخذه من جزيرته الأم وذهب به إلى بريطانيا ليعلّمه اللغة والإتيكيت، لكن حين عودته إلى جزيرته الأم تخلى عن كل ملبسه البريطاني، حتى صرخ تشارلز داروين بأنه متوحش ولا يمكن أن يكون بشرًا.

والفكر العنصري قائم في علماء الغرب، بل في أكثرهم، وهو مؤسَّس في المجتمع الغربي. وعلى سبيل المثال، عالم الآثار الإنجليزي (جيمس ثيودور بنت) (1852–1897)، قال في كتابه (المدن المدمرة في ماشونالاند) الذي نُشر سنة (1902)، عن أطلال مدينة (زيمبابوي الكبرى): يستحيل أن يقوم هؤلاء الأفارقة السود الأغبياء ببناء مدينة بهذه الروعة، وربما بناها العرب عند قدومهم إلى إفريقيا.

لذا فكرة تقسيم الأجناس متشرّبة عندهم منذ أن يكون الطفل صغيرًا، عندما يُخبرونه بقصة تقسيم نوح لأبنائه: سام وحام ويافث؛ فسام هم اليهود وأبناء المسيح، وهم أعلى الأجناس، وحام ملعون من أبيه نوح لأنه رأى عورته حين كان سكران — والعياذ بالله — كما جاء في (سفر التكوين). فقد لعن نوح حام؟ لا، بل لعن حفيده من حام، وهو (كنعان)، وهو جد الأفارقة والبربر والمصريين:

(9:25) فقال: ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته.
(9:26) وقال: مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدًا لهم.

لذا يمكن أن تكون هذه الفكرة قد جعلت (نيتشه) مثلًا يحوّل الجنس الآري إلى خير الأجناس، لأنه من جنس يافث؛ لذلك في كتابه (هكذا تكلم زرادشت) حاول طمس الإله السامي عند اليهود والنصارى، وجعل زرادشت هو المركز، لأن زرادشت فارسي، أي من العرق الآري. وهذه النقطة لا ينتبه لها الكثيرون.

لذا كانت حروب (هتلر) وتوسعاته بفهم علوية العرق الآري على باقي الأعراق، ولذلك لمعرفة أنك يهودي سامي كان يُقاس طول الأنف. وحتى الهجرات إلى أمريكا من قبل الأوروبيين، خصوصًا اليونانيين والإيطاليين، كانوا يتأثرون بالفكر العنصري الأمريكي خلال بداية القرن الماضي، حيث وُصفوا بأنهم سود، وقُتل منهم كثير من اليونانيين والإيطاليين على أساس أنهم سود، وتُسمّى هذه الأحداث بـ (Omaha Anti-Greek Riot 1909).

فالإنسان الغربي يولد عنصريًا ولا يراها عنصرية، حتى أكثرهم شاعرية وإنسانية، مثل (فيكتور هيغو) الشاعر الفرنسي الكبير صاحب رواية (البؤساء)، الذي صرخ بعد الثورة الفرنسية في مأدبة عشاء قائلاً:
«Allez, Peuples ! Emparez-vous de cette terre. Prenez-la
انطلقوا أيها الشعوب! استولوا على هذه الأرض. خذوها.
ممن؟ من لا أحد. خذوا هذه الأرض من الله.
إن الله يعطي الأرض للبشر، والله يقدّم إفريقيا لأوروبا. خذوها.»

لذلك، قبل عشر سنوات، في المجتمع العلمي كان يُتصوَّر أن إنسان النياندرتال كائن متوحش يأكل بعضه بعضًا، لا يتكلم، همجي؛ لكن مع كثرة الأبحاث صار يُكتشف أنه كان مدنيًا، يدفن موته، كان يتكلم أي له لغة، كان يصنع الحُليّ والأسلحة، وله مهارات أكثر من بعض البشر اليوم.

لذا عند بعض كبار علماء التطور والعلماء عمومًا، ومنهم (جاريد دايموند)، وهو أكثر تطرفًا في مسألة تقسيم الأجناس، حيث يرى أنه لا يوجد تقسيم، وأننا كلنا قردة — يعني، يأتيك من الآخر.

جاريد دايموند، هذا العالم التطوري وأستاذ التاريخ، بنى هذه الفكرة في كتابه الآخر (أسلحة وجراثيم وفولاذ)، حيث كان في الأصل جوابًا عن سؤال من سياسي في غينيا الجديدة، حين قال له: لماذا أنتم الأوروبيون تطورتم واخترعتم، بينما نحن الشعوب الأصلية الإفريقية ما زلنا على نفس الحال؟ هنا أدرك دايموند أنه من الممكن تطبيق السؤال نفسه في مكان آخر: (الأشخاص ذوو أصل أوراسي… سيطروا على العالم بالقوة والمال).

الشعوب الأخرى، بعدما تم استعمارها، لا تزال متخلفة فيما يخص المال والقوة. ويقول إن (هناك آخرين قد استُعبدوا وهلكوا، بل حتى أُبيدوا من قبل المستعمرين الأوروبيين).

ونفس الفكرة سوف يبني عليها الملحد اليهودي (نوح هراري) في كتابه (Sapiens: A Brief History)، حيث يعتبر أن الإنسان كان مجرد حيوان قبل سبعين ألف سنة، لكن خلال هذه الفترة (تفركعت) له خلية في المخ — كما يسميها هو — جعلته يتميز على أقرانه من الحيوانات. وبطبيعة الحال، هراري نوح يتكلم من هوية صهيونية إلحادية، حيث عندما يشير إلى بعض المواقع الأثرية يقول: اكتُشفت في إسرائيل.

لذا نتيجة هذه التقسيمات هي وليدة أفكار عنصرية، بل حتى فكرة المخلوقات الفضائية هي في الأصل مبنية على فكرة عنصرية. وعلى سبيل المثال، (إريك فون دانكن) صاحب كتاب (عربات الآلهة)، فأساس خرافة المخلوقات الفضائية التي أمدّت البشر بالمعرفة والعلوم، هي فكرة عنصرية مبنية على المركزية الغربية تجاه الشعوب الأخرى.

حتى مصطلح (الحضارة الغربية) مصطلح في أساسه مبني على عنصرية، فقد صاغ هذا المصطلح المؤلف الألماني (ياكوب فيليب فالماير)، وهو عنصري كاره للمسلمين، فجعل العالم الغربي مقابل العالم الإسلامي العثماني، والذي سماه العالم الجامد.

وإذا تغوّلنا حتى في مجلات المراكز العلمية، نجد أنها جعلت نظرية التطور إلهًا يُعبد من غير الله، فصارت تحارب كل من يشكك أو ينتقد أساسيات هذه النظرية. وفيلم (المطرودون) أكبر دليل. بل الكثير ممن ينتمي إلى المجتمع العلمي، أو إلى ما يُعرف بـ (AAAS – American Association for the Advancement of Science)، التي تنقل ما يُسمّى بالإجماع العلمي، فإن الحقيقة: إن لم تكن معنا فأنت مطرود غير مقبول، وإن كنت معنا فسيُصرف على أبحاثك، وتُدعَم بآلاف الدولارات، وتُنشر أبحاثك.

وهذا كله مما يُعرف بـ (العنصرية العلمية)، التي هي جزء لا يتجزأ من نظرة العلموية اليوم.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 1
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
الباحث بالدارجة مرحبًا بكم في عالم نكشف فيه أسرار الماضي، نعيد قراءة الحقائق الغائبة، ونصحح المغالطات الرائجة. هنا حيث يلتقي التاريخ بالدقة، وتتجلى الحقائق بعيدًا عن التشويش والزيف. جميع روابط التواصل الاجتماعي https://linktr.ee/albahtalbahit