سلسلة تحطيم الأصنام –كارل ساغان الجاهل بالتاريخ 📉 : الجزء الثاني

أغسطس 12, 2025 - 06:26
 0
سلسلة تحطيم الأصنام –كارل ساغان الجاهل بالتاريخ 📉 : الجزء الثاني

وثائقي "الكون" وادعاءات بلا تخصص

في عام 1980، نشر الفيزيائي الملحد كارل ساغان سلسلة وثائقية بعنوان الكون - Cosmos، والتي تُعدّ من أشهر الوثائقيات العلمية عالميًا حتى اليوم. ورغم ما حازته من شهرة، فإن هذه السلسلة لم تخلُ من مغالطات فادحة، خاصة حين تكلّم ساغان في التاريخ والدين والفلسفة، بعيدًا عن اختصاصه العلمي، ليجسّد بذلك مقولة الإمام ابن حجر العسقلاني:
«إذا تكلّم المرء في غير فنّه أتى بالعجائب».

خيال معماري ومكتبة غير معروفة الشكل

في إحدى حلقات السلسلة، تناول ساغان موضوع دمار مكتبة الإسكندرية ومقتل الفيلسوفة الأفلاطونية هيباتيا. يبدأ المشهد بزيارة ساغان لما يُفترض أنه موقع المكتبة، مصوَّرًا على أنه مبنى يوناني فخم مزخرف.
لكن الحقيقة أننا لا نعرف شيئًا عن شكل مكتبة الإسكندرية، ولا حتى موقعها الدقيق، سوى أنها كانت في الحي الملكي (بروشيون) بالإسكندرية.
ما عُرض في الوثائقي كان خيالًا بصريًا مبنيًا على النمط المعماري اليوناني، مع تجاهل تام لاحتمال وجود طابع مصري أو مزيج حضاري معماري، كما كانت الإسكندرية في واقعها.

واجهة المعاد بناؤها لمكتبة كيلسوس في أفسس "تركيا"، والتي يبدو أن كارل ساجان قد استند إليها في إعادة بناء الجزء الخارجي من مكتبة الإسكندرية.

هيباتيا ليست مديرة المكتبة

في الدقيقة 7:40، يدّعي ساغان أن هيباتيا كانت مديرة مكتبة الإسكندرية، وفي الدقيقة 8:22 يشير إلى أنها "امرأة جميلة"، ثم يربط ذلك بصراع بين الوثنية والعقلانية.
لكن هيباتيا وُلدت حوالي سنة 355م، في حين أن المكتبة دُمّرت قبل ذلك بأكثر من 150 عامًا!
ففي عام 272م، دمّر الإمبراطور أوريليان أجزاء كبيرة من الإسكندرية، وفي 297م، دمر دقلديانوس ما تبقّى من الحي الملكي ومحتوياته، ومنها المكتبة.
ولا توجد أي وثيقة أو مصدر تاريخي يقول إن هيباتيا عملت في المكتبة. هذا مجرد افتراض ساذج من ساغان، اعتمد فيه على ربط خيالي بين مكان الولادة والمؤسسة العلمية.

Who Was Guilty of Destroying the Great Library of Alexandria? | by Prateek  Dasgupta | Publishous | Medium

خلط بين المكتبة والمعبد

يزعم ساغان أن مكتبة الإسكندرية دُمّرت على يد حشد من المتدينين المتشددين، في إشارة واضحة إلى المسيحيين. ويقول:
"لم يُثر العلم قط خيال العامة... وعندما جاء الغوغاء لإحراق المكان، لم يكن هناك من يوقفهم."

لكن هذه القصة مبنية على خلط شائع بين مكتبة الإسكندرية ومعبد السرابيون، الذي هُدم عام 391م على يد مسيحيين بقيادة الأسقف ثيوفيلوس الأول، في سياق صراع ديني مع بقايا الوثنية.
ومع أن كارل ساغان يصور الأمر على أنه هجوم على "المعرفة"، فإن معبد السرابيون كان مكانًا لعبادة الإله الوثني "سيرابيس"، وكان هدمه مدفوعًا باعتبارات دينية واضحة، لا فكرية أو علمية.

undefined

الإسكندرية - منظر لأطلال السرابيوم من عمود بومبي.

"يعود تاريخ هذا النقش من سجل الإسكندرية العالمي إلى القرن الخامس أو السادس الميلادي، ويُصوِّر تدمير معبد السرابيون عام 391م. ويُعتقد أن الرجل الظاهر على اليسار هو ثيوفيلوس، أسقف الإسكندرية بين عامي 384 و412م."

هل احتوى السرابيون على مكتبة؟

لا توجد أي رواية تاريخية موثوقة تشير إلى أن معبد السرابيون احتوى على مكتبة وقت تدميره.
حتى يونابيوس – أحد أشهر خصوم المسيحية وأحد مصادرنا عن الحادثة – لم يذكر شيئًا عن مكتبة مدمّرة.
أما المؤرخ الروماني أميانوس مارسيلينوس، فقد أشار إلى أن المخطوطات التي كانت فيه قد زالت منذ زمن، ما يدل على أنها لم تكن موجودة وقت الهدم.

تزييف في التسلسل الزمني

يقول ساغان:
"دُمّرت آخر بقايا المكتبة في غضون عام من وفاة هيباتيا."
وهذا زيف واضح.

  • دُمّر معبد السرابيون عام 391م.

  • قُتلت هيباتيا عام 415م.

  • أي أن الفرق الزمني هو 23 عامًا، وليس "عامًا واحدًا" كما ادّعى ساغان.

  • بل الأسوأ من ذلك أن المكتبة الكبرى كانت قد اندثرت تمامًا قبل ولادة هيباتيا بأكثر من قرن ونصف.

الغريب أن حتى فيلم Agora (2009) – رغم خلطه بين المكتبة والمعبد – صوّر تدمير السرابيون على أنه سبق مقتل هيباتيا، وهو بذلك أصح تاريخيًا من طرح ساغان نفسه.

Agora (2009) | Galerie - Z filmu | ČSFD.cz

مشهد تدمير معبد السربيوم من فيلم Agora (2009)

تهويل وتضليل باسم "الذاكرة المفقودة"

ساغان يبالغ حين يصف فقدان المكتبة بأنه:
"كأن حضارة بأكملها خضعت لجراحة دماغية جذرية فمحَت معظم اكتشافاتها وأفكارها نهائيًا..."

لكن هذا الادعاء يتجاهل الواقع التاريخي:

  • مكتبة الإسكندرية لم تكن الوحيدة.

  • كانت هناك مكتبات كثيرة في كل مدينة كبرى بالعالم القديم، كأثينا، بيرغامون، أنطاكية، روما.

  • كانت هناك مكتبات عامة وخاصة، ومجموعات نصوص مكررة ومحفوظة في أماكن متعددة.

  • مكتبة بيرغامون، مثلًا، كانت تضاهي مكتبة الإسكندرية في الحجم، ومع ذلك لا يُذكر فقدانها بهذا التهويل.

الغالبية العظمى من النصوص لم تُفقد مع تدمير مكتبة واحدة. بل إن تدمير مكتبة الإسكندرية يشبه تدميره ، فقدان مكتبة البغداد على يد المغول  خسارة مهمة، نعم، لكنها لا تعني محو ذاكرة التاريخ.

المشكلة الحقيقية: هالة العلم الزائفة

لكن المشكلة الأكبر لا تكمن في أخطاء كارل ساغان وحدها.

المشكلة أن مجتمعنا يمنح العلماء سلطة ثقافية شاملة.
فحين يتكلم عالم شهير – كفيزيائي أو بيولوجي – في التاريخ أو الدين، يتلقّى الناس كلامه كأنه حقيقة لا تُرد.
يقولون: "إذا قالها ساغان، فلا بد أنها صحيحة"، فقط لأنه عالم لامع في مجال مختلف تمامًا!

وهنا يكمن الخطر الحقيقي:
حين يُخلَط بين التخصص والمصداقية المطلقة، تضيع الحقيقة.
ويصبح كلام غير المتخصصين مرجعًا يفوق كلام المؤرخين أو علماء الدين.

من الطبيعي أن يُخطئ العلماء.
لكن الخطأ هو أن يُؤخذ كلامهم في غير علمهم كأنه وحي لا يُراجع ولا يُناقش.

رابط الجزء الاول من السلسلة 

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
الباحث بالدارجة مرحبًا بكم في عالم نكشف فيه أسرار الماضي، نعيد قراءة الحقائق الغائبة، ونصحح المغالطات الرائجة. هنا حيث يلتقي التاريخ بالدقة، وتتجلى الحقائق بعيدًا عن التشويش والزيف. جميع روابط التواصل الاجتماعي https://linktr.ee/albahtalbahit