ثلثيات البخاري: برهان على تواتر السند وقرب الأجيال
الصلاة والسلام على خير البرية، سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
من الشبهات المتكررة أن بين الإمام البخاري والنبي ﷺ نحو مئتين وخمسين سنة، ويُظن أن هذا البعد الزمني يُوهم بانقطاع السند، ويوهم أن الرواية بعيدة العهد لا يُعتمد عليها، وهذه الشبهة ناتجة عن الجهل بحقيقة علم الإسناد عند المسلمين، وبالطريقة الفريدة التي صان الله بها هذا الدين من التحريف والضياع، فإن ما بين البخاري والنبي ﷺ ليس مجرد عدد سنين، بل سلسلة موصولة من الرجال الثقات، عُرفت أسماؤهم، وضُبطت أعمارهم، وسُجلت طبقاتهم، وعُلم من سمع ممن، ومتى، وأين، ومن روى عن من، ومَن وثّقه العلماء ومَن جُرّح. هذه الدقة لا نظير لها في تراث أمة من الأمم، ولا حتى في تاريخ الملوك.
حين نقول إن بين البخاري والنبي ﷺ قرابة 240 سنة، فنحن لا نتحدث عن بحرٍ سحيق من الزمن المجهول، بل نتحدث عن ثلاثة أجيال فقط، كل جيل فيها معروف السند، محفوظ الرواية، مشهود له بالضبط والإتقان. بل إن البخاري نفسه يروي عن شيوخ لقوا أتباع التابعين، الذين أخذوا عن التابعين الذين سمعوا مباشرة من الصحابة. فالسند متصل، قريب، محفوظ، موثق، لا مجال فيه للانقطاع أو التساهل.
والدليل الأقوى على قرب الإمام البخاري من زمن النبوة، وأنه لم يكن بعيدًا كما يُصوّر، ما اشتهر في صحيحه من الأحاديث الثلاثية، وهي الأحاديث التي لا يفصل فيها بين البخاري والنبي ﷺ إلا ثلاثة رواة فقط، وهذا يُعد من أعلى الأسانيد قاطبة، وأقصرها طريقًا. وقد بلغ عدد الأحاديث الثلاثية في "صحيح البخاري" اثنين وعشرين حديثًا كما نص على ذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، وقد أُفردت بالتأليف والشرح، وإذا حُذفت المكررات منها تبقى ستة عشر حديثًا فقط. وهذا النوع من الأحاديث لا يوجد في كتب الحديث الأخرى إلا نادرًا، مما يدل على تفوق البخاري في العلو في السند، ودقته في انتقاء الرواية.
ومن تأمل في أسماء الرواة في هذه الثلاثيات، أدرك أن البخاري لم يكن بعيدًا عن زمن النبوة ، فإن الصحابة الذين وردت عنهم هذه الأحاديث الثلاثية ثلاثة فقط: سلمة بن الأكوع، وله منها سبعة عشر حديثًا، وأنس بن مالك وله أربعة، وعبد الله بن بسر وله واحد. وأما شيوخ البخاري الذين روى عنهم هذه الأحاديث فعددهم خمسة، كلهم من أتباع التابعين، وهم: مكي بن إبراهيم، وأبو عاصم النبيل، وعصام بن خالد، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وخلاد بن يحيى. وأما شيوخ شيوخهم فهم أربعة، من كبار التابعين، وهم يزيد بن أبي عبيد، وحميد الطويل، وحريز بن عثمان، وعيسى بن طهمان. فالسلسلة قصيرة، نقية، واضحة.
وإذا أردنا أن ننظر إلى الأمر من زاوية التاريخ المجرد، بعيدًا عن السند، وجدنا أن الفارق الزمني بين البخاري وزمن النبي ﷺ ليس كبيرًا كما يُوهم. فالنبي ﷺ توفي سنة 11 هـ، بينما توفي آخر الصحابة سنة 100 هـ تقريبًا، مثل أنس بن مالك وأبي الطفيل، وهذا يعني أن الصحابة امتد وجودهم حتى نهاية القرن الأول الهجري، أي أن جيلاً كاملاً من المسلمين رأى الصحابة وعاش معهم. ثم جاء التابعون، وتلقوا عنهم مباشرة، وكان الإمام مالك من الذين عاصروا هذا الجيل، بل ولد سنة 93 هـ، أي في نفس السنة التي مات فيها أنس بن مالك. فمالك أدرك كبار التابعين، وكان شيخًا للإمام الشافعي، ثم جاء الإمام أحمد بن حنبل، المولود سنة 164 هـ، الذي روى عن شيوخ التابعين، وهو شيخ البخاري نفسه، الذي وُلد سنة 194 هـ وتوفي سنة 256 هـ.
فلو تأملنا هذا التسلسل لوجدنا أن المسافة بين وفاة النبي ﷺ سنة 11 هـ وولادة الإمام مالك سنة 93 هـ لا تتجاوز 82 سنة، والمسافة بين وفاة النبي ﷺ وتدوين "صحيح البخاري" لا تتجاوز 245 سنة تقريبًا، وهي فترة قصيرة جدًا في عمر الأمم، خاصة إذا علمنا أن سلسلة الرواية كانت حاضرة متصلة، محفوظة في صدور الرجال قبل أن تُكتب في السطور، وأنها خضعت لأشد أنواع النقد العلمي من جهة الضبط، والعدالة، والسماع، واللقاء، والبلد، والعصر، والرواية، مما لا نظير له في التاريخ البشري.
والأدهى من ذلك أن هذه الفترة الزمنية نفسها – التي يُقال عنها إنها طويلة – هي في الواقع فترة يمكن أن يعيشها إنسان واحد فقط، نعم! شخص واحد يمكن أن يعاصرها كلها. وقد وُثق في التاريخ رجل يُدعى لي تسينون (Li Ching-Yuen) من الصين، وُلد سنة 1677 أو ربما 1736، وتوفي سنة 1933، قيل إنه عاش 256 سنة. هذا الرجل خدم في الجيش الصيني وهو في السبعين من عمره، وتزوج 23 مرة، وكان في صحة جيدة حتى آخر عمره، واستُدعي من قِبل محافظ مدينة يان في سن متأخرة لإعجابه بقوته. فإذا كانت هناك إمكانية أن يعيش إنسان واحد هذه المدة، أفلا تكون ثلاثة أجيال من الثقات كافية لنقل الرواية بدقة؟
هذه هي لي تشينغ يوين عاش 256 سننة
فدعوى أن بين البخاري والنبي ﷺ زمن طويل يُوهم الانقطاع، مردودة من جهة السند، ومن جهة التاريخ، ومن جهة واقع الرواية، بل حتى من جهة العقل المجرد. بل إن هذه المدة الزمنية القصيرة التي تفصل بين زمن النبوة وزمن التدوين، مع حضور أجيال متتابعة من الرواة الثقاة، هي برهان إضافي على عناية الله بحفظ سنّة نبيه ﷺ، وعلى تميّز هذا الدين وفرادته بين الأديان.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
3
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0