من إحياء الأرض إلى بعث الإنسان: دلائل القدرة الإلهية
من أصول الإيمان في الإسلام الإيمان بالله واليوم الآخر. واليوم الآخر هو اليوم الذي يخرج الله فيه الناس إلى الحشر ليُعرضوا عليه. وقد كانت هذه من أصول الدين التي أنكرها المشركون والفلاسفة الدهريون، فاستبعدوا وقوع البعث وعدّوه مستحيلاً، فقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. وإنما قالوا ذلك لجهلهم بقدرة الله، إذ قاسوا قدرة رب السماوات والأرض على قدرة الإنسان الناقص من جميع الوجوه، فاستبعدوا الأمر وأنكروه. ولو تفكروا وتدبروا لعلموا أن خلق السماوات والأرض أعظم من إعادة الإنسان للحياة، وأن من المستقر في بداهة العقول أن الإعادة أهون من الابتداء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يقول شيخ الإسلام إن قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يدل على أن الله سبحانه لا يدخل هو والمخلوقات في قياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، وإنما المشروع في حقه تعالى هو قياس الأولى؛ فكل ما ثبت من صفات الكمال للمخلوق فالخالق أولى به على وجه أكمل، وكل ما يُنزَّه عنه المخلوق من النقص فالله أولى بالتنزيه عنه. ولذلك كان إنكارهم للبعث جهلاً بقدرة الخالق. ولما جاء الخبر بما يوافق العقل والفطرة، ضرب الله الأمثال بما هو مشاهد ومتكرر في حياة الناس.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.
ويقول شيخ الإسلام إن الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان طريق عقلي صحيح، فالاستدلال بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهو طريق عقلي وشرعي في آن واحد؛ دلّ القرآن عليه وهدى الناس إليه. فكون الإنسان حادثاً بعد أن لم يكن، ومخلوقاً من نطفة ثم من علقة، أمر يعلمه الناس بعقولهم، سواء أخبر به الرسول أم لم يخبر. لكن الرسول دلّ عليه واحتج به وأمر بالاستدلال به، فصار دليلاً شرعياً لأن الشرع استدل به، وهو في الوقت نفسه دليل عقلي لأن العقل يدرك صحته.
وكذلك غيره من الأدلة التي في القرآن، مثل الاستدلال بالسحاب والمطر وإحياء الأرض بعد موتها، وهو مذكور في القرآن في مواضع كثيرة، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
فالآيات التي يريها الله للناس حتى يعلموا أن القرآن حق هي آيات عقلية يستدل بها العقل على الحق، وهي في الوقت نفسه شرعية لأن الشرع دل عليها وأرشد إليها. والقرآن مملوء بذكر هذه الآيات التي تجمع بين الدليل العقلي والشرعي. ومن أعظم الأمثلة التي يضربها القرآن لإثبات البعث مشاهدة الزرع وإحياء الأرض بعد موتها، وإخراج الحي من الميت، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾، وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.
وهذا أمر مشاهد ومتكرر؛ فكما يخرج النبات من الأرض بعد نزول المطر وتعود الأرض الميتة حية، كذلك يبعث الله الناس يوم القيامة. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، فالأمثال التي يضربها الله إنما هي لبيان الحق وتقريبه للعقول.
وجاء في الحديث الصحيح أن الإنسان خُلق من عجب الذنب، ومنه يُركَّب يوم البعث. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ». وفي حديث آخر قال ﷺ: «إِنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قالوا: أيُّ عظم هو يا رسول الله؟ قال: «عَجْبُ الذَّنَبِ».
ويذكر هيثم طلعت في كتابه «بصائر»… عظمة هذا الحديث بكونه ذكتور متخصص
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0