شوكولاتة السمّ: كيف تُغلف المفاهيم السامة بلغة براقة؟
إنه رجلٌ جيّد... لقد أعطانا الشوكولاتة
في كل موجة فكرية أو اجتماعية جديدة، يطفو على السطح نمطٌ مألوفٌ من المتنطّعين، لا ثابت لهم سوى العداء الخفي للسلام الحقيقي، وللسكينة الفكرية، وللانسجام بين الدين والهوية. هم سماسرة خطاب لا أصحاب مواقف، يظهرون في ثوب المفكرين والحقوقيين، لكنهم في جوهرهم سحرةُ لغة، يُتقنون التلاعب بالمفاهيم وتزييف الوعي.
يُجيدون ركوب الموجات الفكرية والاجتماعية كما يُجيد المهرّج تغيير أقنعته؛ مرةً باسم "الحداثة"، ومرةً باسم "حقوق الإنسان"، وأخرى باسم "المواطنة" أو "الهوية". لكن خلف هذا التلوّن اللغوي، لا ترى إلا هدفاً واحداً: سرقةَ العقل العام، والتسلّل إلى وعي الجماهير عبر الألفاظ الناعمة والتلميحات الخبيثة.
في مقابل هذا التلوّن والانتهازية، يقف المسلم بثباته واتزانه، لا يتمايل مع كل موجة، ولا يُبدّل مواقفه بحسب الرياح. ما يميّز المسلم الحقّ هو ثباته على المبدأ، ووضوح منطلقه؛ فهو لا يرفض الجديد لمجرد أنه جديد، ولا يقبله لمجرد أنه رائج، بل يُخضع كلّ ما يستجدّ لمعيار ثوابته، ويقوّمه بأدواته الشرعية والعقلية، باحثاً عن توافقٍ يحقق مصلحة الدنيا دون الإخلال بمقاصد الآخرة.
المسلم يسعى إلى إعمار الدنيا بما يوافق المبدأ، لا إلى هدم المبدأ بدعوى إعمار الدنيا، بخلاف أولئك الذين لا ثابت لهم إلا عداؤهم الصريح أو المبطّن للدين. لا مشروع لهم إلا في مهاجمته، ولا موقف لهم إلا حيث يُتاح لهم الطعن فيه. كلما استُجدّ نقاشٌ أو تحوّلٌ اجتماعي، وجدوا فيه فرصة لإبراز وجهٍ من أوجه تعارضه مع الإسلام، لا ليستنبطوا توافقاً، ولا ليُبيّنوا ما يقدّمه الدين من معالجةٍ أو توجيه، بل ليستغلّوا الزخم ويقتنصوا جمهوراً جديداً.
فهم لا يُرهقون أنفسهم في الاجتهاد، ولا يُكلّفون عقولهم بتحقيقٍ أو ترجيح، بل يكتفون بإشهار التعارض دون بيان، وبالطعن دون تبيين، يزرعون الشكّ ويغذّون الفوضى.
تماماً كما يُهدي الخاطف الشوكولاتةَ للأطفال ليكسب ثقتهم، يقدّم هؤلاء السمَّ الفكريَّ في أغلفةٍ ناعمة:
- مرةً تحت شعار "حقوق الإنسان"
- ومرةً باسم "المواطنة"
- واليومَ باسم "الهوية"
والضحايا في كل مرة هم صغارُ العقول، المنبهرون بالخطاب، المأخوذون ببريق الألفاظ، الغافلون عن السمّ المدسوس خلفها.
تراهم حين اشتدّ النقاش الحقوقي، يصطفّون في مقدّمة الصفوف، لا لتقويم ميزان العدالة، بل ليستغلّوا البسطاء في الطعن في ثوابت الدين. ثم إذا علت راية "الولاء للوطن"، قفزوا فجأةً إلى الخطاب الوطني، لا ليُعزّزوا الانتماء، بل ليخلقوا صراعاً مصطنعاً بين الدين والمواطنة، وكأنّ حبّ الوطن لا يكتمل إلا بنزع الإيمان من القلب. واليوم، وقد تصاعد النقاش حول "الهوية"، عادوا يتصدّرون المشهد، يستغلّون عطش الناس للانتماء، ليبثّوا الشكّ، ويخلقوا تعارضاً زائفاً بين العقيدة والتاريخ، وبين الإيمان والانتماء.
هم لا يُربّون وعياً، بل يُربّون جيلاً مشوَّشاً، يرى الدين خصماً، والتاريخ عبئاً، والمفاهيم الحديثة أدواتِ تفكيكٍ لا أدواتِ بناء.
إنهم مرتزقةُ المفاهيم، يتاجرون بكل شيء: بالحرية، بالكرامة، بالوطن، بالهوية. لا بضائعهم صادقة، ولا مقاصدهم نزيهة، ولا شعاراتهم إلا سلالم يتسلّقون بها إلى جماهير جديدة، وعقول جديدة، وأتباع جُدد.
وفي النهاية، لا يصنعون فكراً، بل يصنعون جمهوراً هشّاً. لا يصوغون وعياً، بل يُصادرونه بلغة ناعمة، وعبارات خلّابة، ومقاصد مسمومة.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0