العلوم الإسلامية والطباعة: إرث شكل الحضارة الأوروبية
يُقال إن التاريخ البشري شهد ثورات علمية عديدة، غير أن أحدًا لا يختلف في أن اختراع آلة الطباعة كان ثورةً حقيقية غيرت مسار الإنسانية؛ إذ حررت المعرفة من احتكار النخبة وحولتها إلى ميراث مشاع بين الناس كافة. فقبل الطباعة كان نسخ الكتب يتم يدويًا، ويستغرق سنوات طويلة، لتخرج نسخة واحدة باهظة الثمن محدودة التداول. أما مع اختراع الطباعة، فقد تدفقت الكتب إلى أيدي الناس، وانتشر العلم بسرعة، وتعمم التعليم، وأصبح تبادل نتائج الأبحاث ممكنًا بوتيرة غير مسبوقة، الأمر الذي أدى إلى تراكم المعرفة وتطور العلوم. ولذا، كانت آلة الطباعة من أبرز أسباب النهضة الأوروبية أو ما يُعرف بعصر النهضة.
ولم يكن دور الطباعة مقتصرًا على نشر المعرفة فحسب، بل ساعدت أيضًا على حفظها من الضياع؛ إذ إن ما كان يُكتب على ورق البردي أو الرق كثيرًا ما يتعرض لعوامل التلف والاندثار، بينما أتاحت الطباعة نسخًا متعددة قادرة على الصمود والانتشار.
والمشهور أن آلة الطباعة اختراع أوروبي خالص نُسب إلى يوهان غوتنبرغ (1398–1468م) الذي طور عام 1447م قوالب الحروف المعدنية القابلة للتركيب، ثم توضع فوقها الورقة وتُضغط لتنتج المطبوعة. غير أن الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فالصينيون سبقوا إلى ابتكار أشكال مبكرة من الطباعة منذ القرن الثامن الميلادي، باستخدام قوالب خشبية محفورة تُغمر بالأصباغ وتضغط على الورق.
أما المسلمون، فلم يقفوا بعيدًا عن هذا المسار، إذ تبنوا صناعة الورق الصينية وطوروها، ما أدى إلى ازدهار إنتاج المخطوطات في العالم الإسلامي. لكن الأهم أن المسلمين أدخلوا الطباعة على نطاق محدود منذ القرن التاسع والعاشر الميلادي، خاصةً في مصر الفاطمية، حيث طُبعت نصوص دينية صغيرة من الأدعية والمقتطفات القرآنية وأسماء الله الحسنى، وكان الإقبال عليها واسعًا بين مختلف الطبقات الاجتماعية. وقد عُثر على نماذج كثيرة من هذه المطبوعات في الفسطاط (القاهرة القديمة)، مؤرخة بالقرن العاشر الميلادي، كما وُجدت نماذج لاحقة على ورق إيطالي مائي من القرن الخامس عشر، ما يدل على استمرار هذه التقنية في العالم الإسلامي نحو خمسة قرون كاملة.
ولا شك ان تأثير التجربة الإسلامية في الطباعة كان له صدى على أوروبا، خصوصًا وأن أقدم المطبوعات الأوروبية كانت بالكتل الخشبية، وهو أسلوب قريب مما عرفه المسلمون. بل أن كلمة "تاروتشي" الإيطالية –التي أُطلقت على أوراق التارو المطبوعة– قد تكون مشتقة من كلمة "طارش" العربية.
ومهما يكن، فإن أثر الحضارة الإسلامية في تشكيل معالم النهضة الأوروبية كان عظيمًا، ولا يزال صداه حاضرًا في كثير من ميادين العلم والمعرفة و الة الطباعة وحدة من هذه المعالم التأثير على الحضارة الغربية
االمصادر 1
االمصادر 2
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0