حقيقة التعلقات عند الأشاعرة

مايو 17, 2025 - 11:40
مايو 18, 2025 - 21:50
 1
حقيقة التعلقات عند الأشاعرة

يقرر الأشاعرة مسألة التعلقات في كثير من مباحثهم منها أفعال الله تعالى وجلَّ ومنها أفعال العباد

أما في أفعال العباد فهي تدور على تعلق قدرة الإنسان الحادثة في نفس الفعل الوجودي وكما هو معلوم أن مذهب الأشاعرة في أفعال العباد هو الكسب أو كما قال السنوسي مجبور في ثوب مختار ونهاية هذا التقرير أن للقدرة تعلق في الفعل ولا يعني هذا اقتضاء التأثير والإيجاد

يقول الغزالي في الاعتقاد : " هي متعلقة وقولكم ( التعلق مقصور على الوقوع به ) يُبطل تعلق الإرادة والعلم وإن قلتم : تعلق القدرة مقصور على الوقوع بها فقط فهو باطل أيضاً "

أقف هنا تنبيهاً : مآل هذا القول أن قدرة الله تعالى وقدرة العبد يجمعهما الاشتراك اللفظي لا اللغوي وقدرة العبد ليس لها من المعنوى اللغوي إلا نسبة الفعل لمن وقع به ( وركز قلت به لا منه )

يكمل الغزالي فيقول : " فإن القدرة عندكم إذا فرضت تبقى ، وإذا فرضت قبل الفعل فهل هي متعلقة أم لا ؟ فإن قلتم لا فهي محال وإن قلتم نعم فليس المعني بها وقوع المقدور بها إذ المقدور بعد لم يقع فلا بد من إثبات فنٍّ آخر من التعلق سوى الوقوع به إذ التعلق عند الحدوث يُعبَّر عنه بالوقوع به والتعلق قبل ذلك مخالف له فهو نوع آخر من التعلق "

قلت : مآل الغزالي هنا إلى إثبات القدرة دون الوقوع منها وهي بمعنى انتظار التَّعلق فالبالتالي القدرة في الإنسان لها تعلُّق لا يقتضي الوقوع منها إنما انتظار التعلُّق فليس كل تعلُّق يقتضي الوجود والتأثير

وعلى هذا إشكال في مبحث الإلهيات إذ مقتضى تعريفات الأشاعرة للصفات الربانية بالرسم أي الآثار وتقرير الاشتراك اللفظي أي تخلُّف القدرة المعلومة حقيقة في الشاهد التي هي مقتضى التأثير ومعرفة الصفة بالآثار أي القدرة بالتأثير والإرادة بالتخصيص والعلم بالإحكام وهكذا دواليك يلزم منه أن قدرة الله مجرَّد علَّة وبالتالي تصور معي لزوم اجتماع هذا مع فصول الفلاسفة في تقرير العلة وإلا هو اشتراك معنوي أي اشتراك في الملزوم واللازم دون ما يجوز ويجب ويمتنع لامتناع التماثل بالتالي هذا خلف أي قدرة الإنسان مؤثر ولا تأثير لها ومآل هذا إما أن قدرة الله ليست قدرة أو قدرة الإنسان ليست قدرة والأولى لم يبقى منها إلا أن يكون الله مجرَّد علَّة والثانية جبر محض ودليل هذا أن الإيجاد والتأثير مشترك وجهي بين العلة والقدرة وليست القدرة مجرد الإيجاد والتأثير كما بيّن الإمام الغزالي أعلاه من إثبات تعلُّق دون الوقوع به والعلة ليست إلا الوقوع به والقدرة من لوازمها المختصة بها هي التأثير والإيجاد وتلك القدرة التي ليست هي مجرد الوقوع به بل انتظار التعلق أي بمعنى قوة مبهمة أو معينة لا فعلية فيها آناً ولكن يُمكن الفعل منها

فما قرره الإمام الغزالي صحيح من هذا الوجه ولكن إثبات هذا النوع من التعلق لا ينفي الإيجاد والتأثير بل يلزم منه الإيجاد والتأثير وإلا لزم انقلاب الماهية في قدرة الله أو الإنسان

المهم ...

أريد من أعلاه في المباحث الإلهية هو تقرير تعلُّق قدرة الله تعالى في الإيجاد والتأثير مما سبق...

نفي قدرة الإنسان في الفعل دون القوة أي هو انتظار التعلق ولفتة مهمة انتظار التعلُّق كما ذكر الإمام الغزالي لا يعني انتفاء القدرة بل هي ثابتة قبل التعلُّق وهذا حق لا يعتريه شكٌّ اللهم إلا في بعض تقريراتهم في امتناع أثر القدرة أزلاً وليس هذا موضعها و هذه القدرة أخذت من حيثية وجودية يُشاهد فيها الإيجاد والتأثير الحادث وبحكم أن القدرة علة في الموجود يلزم منها القبلية فهل هذه القبلية قديمة أم حادثة فإن كانت قديمة فمتعلقها حادث ولكن يمكن الاعتراض أن لا تعارض لأنها مجرد انتظار التعلق فلا يلزم من حدوث متعلقها حدوثها هي و هي من حيث الوقوع منها أي ليست مجرد انتظار التعلق حادثة أم قديمة فإن كانت قديمة فهنا اعتراض حقيقي في أن متعلقها حادث وهذا تعارض ويمكن اعتراض آخر في أن انتظار التعلق هو لعدم تراخي الإرادة وعند تراخي الإرادة فهو فانتظار التعلق معدوم فالبتالي حدوث في ذات الله والقدرة التي هي انتظار التعلق صحيح أنها لا تعارض القدرة ولكن ليست هي قدرة مفارقة للوقوع منه

تحقيق هذا :

القدرة نوعان :

- انتظار التعلق المتوقف على تراخي الإرادة

- الوقوع به

ولا تعارض بينهما

وهذا أيضاً في قدرة الله إذ الأول هو ما يُفارق به مفهوم القدرة مفهوم العلة إذ العلة مجرَّد الوقوع به وانتفاء هذا المعنى انتفاء العلة والله ليس مجرَّد علة كما يقول المتفلسفة بل هذا هو التعطيل المحض وتذكر ما ذكرناه أعلاه من مسائل الاشتراك في قدرة الله والعبد أهو معنوي أم لفظي واستحضره لوحدك ولوازمه لأني لا أريد الإطالة...

النوع الأول قديم أم حادث ؟

إن كان قديم فمتعلَّقه حادث وليس اعتراضاً تامّاً لأنه قد يُقال أنه حدوث متعلقه لا يعني حدوثه على فرض صحة نقض الاعتراض ( سيأتي نقض النقض ) نقول النوع الثاني حادث أم قديم فإن كان قديم فمتَعلَّقه حادث فيلزم من تحقق النوع الثاني تحقق متعلَّقه فيلزم قدم الموجود من هذه القدرة وإن قلت لا يلزم عليك التسليم بحدوث هذه القدرة

ونعود لنقض النقض على الاعتراض أعلاه

نقول إن القدرة التي هي انتظار التعلُّق هي ليست إلا لعدم تراخي الإرادة ( يمكن أن تقول في الإرادة كما القدرة هل هي قديمة أم حادثة ونفس الإلزامات ) ومع تراخي الإرادة ليس لانتظار التعلق حقيقية إذ القدرة هنا ليست إلا الوقوع به وهذا هو عيّن الحدوث

👈🏻وما فصّلته أعلاه هو ما أدى بالرازي إلى القول بحلول الحوادث في ذات الله أو لنقل تضعيف امتناع حلول الحوادث

فيقول رحمه الله : "الفصل التاسع : في أن الصفات هل يجب تغيرها بتغير المتعلَّقات ؟ اللائق بأصولنا أن لا نحكم بهذا ، ولكن فيه إشكال ، وهو أن تغيُّر تلك التعلُّقات إما أن يكون لأمر أو لا لأمر ، والثاني مُحال ؛ لأن المتجدد لا بد له من مؤثر وذلك المؤثر إما أن يكون المتعلِّق ، أو المتعلَّق ، أو شيئاً منفصلاً فإن كان الأول : فهو المطلوب وإن كان الثاني فهو محال لأن تغير المتعلق تابع لتغير التعلق فإن كان تغير التعلق تابعاً لتغير المتعلق لزم الدور والثالث محال لأن الأمر المنفصل الذي لا تعلق له بذلك التعلق يستحيل أن يُجعل تغيره سبباً لتغير التعلق وهذا مأخذ عظيم يتنبه منه على إشكالات عظيمة "

المتعلَّق = هو التأثير المعيَّن كأن تقول متدوَّر أي وقع عليه الدوران أي أثِّرَ به

ثم لاحظ قوله تغيُّر المتعلَّق تابع لتغير التعلُّق وهذا يلزم منه حلول الحوادث الفاعل

وقوله يلزم الدور لا يلزم إن كان التعلُّق ليس هو إلا المتعلَّق والفرق أن الأول مبهم الثاني معين الأول مجرد الفعل والثاني محل الفعل

وقول الرازي رحمه الله : " ولو قال قائل إن كونه مطالبا لزيد في الحال بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تعلق خاص ونسبة خاصة والحادث هو النسب والتعلقات لا الصفات فنقول :هذه النسب والتعلقات هل لها وجود في نفس الأمر أو ليس كذلك والثاني يقتضي نفي كونه تعالى مطالباً في الحال بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأما الأول فيقتضي حدوث الصفة في ذات الله "

ونقول هنا العدم المحض أضعف من الوجود ومنشأ الآثار ليس للعدم إنما للوجود فالعدم لا يؤثر ولا يتأثر ولا مدخلية له في أحكام الوجود ومنها التأثير

فما ردُّ هؤلاء ؟

الفعل هو المفعول ( ولك كامل الحرية في أن تضحك ) ولن أردَّ على هذا لهشاشته

~بقلم الشيخ جهاد آل ذيب حفظه.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 1
حزين حزين 0
واو واو 0
مصعب ابن محمد (طالب علم) أَثريٌ، مهتم بالذب عن عقيدة السلف و الرد على من خالفهم، و ببيان منهج أهل السنة في التجريبيات و تقرير أقوالهم في العقليات، كذلك مهتم بقضايا فلسفة العلم و الإبستيمولوجيا .