خرافة إحراق المسلمين للمعرفة: من مكتبة الإسكندرية إلى نالاندا

أغسطس 12, 2025 - 05:05
 0
خرافة إحراق المسلمين للمعرفة: من مكتبة الإسكندرية إلى نالاندا

يدّعي أحمد عصيد في هذا المقال " مقال أحمد عصيد " أن المسلمين عبر تاريخهم أحرقوا المكتبات وأعدموا الكتب. ويشير إلى أن المسلمين في عصر الفتوحات كانوا ضد المعرفة وكل ما هو حضاري.

لكن عندما تصفّحت هذا المقال، أدركت حجم الجهل والثقافة الشعبوية التي يتبناها أحمد عصيد. والحق أني أتعجّب كيف يُعدّ هذا الشخص من النخبة أو من المفكرين المغاربة؛ في الحقيقة، هذا أمر غريب للغاية.

يقول عصيد إن المسلمين أحرقوا مكتبات فارس والهند، وكذلك مكتبة الإسكندرية.

أولاً، لجهل أحمد عصيد، نوضّح أن عمرو بن العاص رضي الله عنه فتح الإسكندرية سنة 642م، لكن الرواية القائلة بأنه أو الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر بتدمير مكتبة الإسكندرية مصدرها أسقف سرياني أرثوذكسي يُدعى غريغوريوس بار هيبراوس (1226–1286م)، كتب ذلك في القرن الثالث عشر، أي بعد أكثر من 600 سنة من الفتح الإسلامي.

وبالنظر إلى أن بار هيبراوس كان مسيحيًا ويكتب بعد زمن الحدث بقرون، فهناك أسباب وجيهة للشك في صحة روايته، لا سيما وأنها تتضمّن مفارقة تاريخية؛ إذ زعم أن العالِم المسيحي إيوانيس فيلوبونوس (490–570م) توجّه إلى الخليفة عمر بن الخطاب يطلب منه عدم حرق الكتب، ولكن هذا غير ممكن لأن إيوانيس توفي قبل الفتح الإسلامي للإسكندرية بزمن طويل، أي قبل عام 642م.

جميع الأدلة التاريخية تشير إلى أن قصة إحراق مكتبة الإسكندرية على يد المسلمين مجرد اختلاق معادٍ للإسلام، غالبًا ما تم تداوله بين بعض المسيحيين ثم نُسب للمسلمين.

بل إن مكتبة الإسكندرية اختفت فعليًا منذ القرن الثالث الميلادي، وتحديدًا في عام 272م، نتيجة سلسلة من الحروب والحرائق، أبرزها خلال الحروب الرومانية، مثل تلك التي وقعت في عهد يوليوس قيصر، ثم في زمن الإمبراطور ديوكليتيان. كما تسببت الحرب بين أوريليان وزنوبيا ملكة تدمر في دمار الحي اليوناني حيث كانت توجد المكتبة.

لذلك يُرجّح المؤرخون أن اندثار المكتبة كان تدريجيًا على مدار أكثر من أربعة قرون، وليس بسبب حادثة واحدة.

ثانيًا، من المغالطات الكبرى أن يقال إن المسلمين "فتحوا الإسكندرية" مباشرة. عمرو بن العاص حين فتح مصر، أسّس مدينة الفسطاط التي أصبحت لاحقًا القاهرة، ولم يكن همه تدمير المدن بل حمايتها، خصوصًا من الاضطهاد الروماني ضد الأقباط. ومثال ذلك حين طلب عمرو بن العاص البابا بنيامين، بطريرك الإسكندرية، ليعود من مخبئه بعد أن كان هاربًا من اضطهاد المسيحيين الرومان. واستقبله بالعهد والأمان، بل وقدم له الأموال لبناء الكنائس.

أما زعم عصيد بأن "المسلمين الغزاة كانوا جهلاء وأعداء للحضارة"، فهذا افتراء وجهل كبير، بل قد يُفسّر بأنه حقد على المسلمين. فالجيوش الإسلامية التي فتحت شمال إفريقيا وبلاد الروم وشرق آسيا كانت مكوّنة من عرب مثقفين، ومن أهل اليمن الذين ورثوا حضارات مثل السبئية والحميرية، وكانوا أهل قراءة وكتابة، بالإضافة إلى سكان الشام ممن اعتنقوا الإسلام وكان لهم خلفية حضارية مثل مملكة الغساسنة ذات الطابع الروماني.

أما حسان بن النعمان، القائد الذي فتح المغرب الأوسط، فكان شامياً على ملة المسيحية، وكان ذا معرفة، ثم دخل الإسلام. فكيف يدّعي عصيد أن الجيوش الإسلامية كانت همجية وبربرية؟ وكأن ثقافة الرجل لا تتعدى مشاهد من فيلم "الرسالة"، حيث يظن أن العرب هم فقط قبائل قريش!

الإسلام انتشر في جزيرة العرب وبلاد فارس خلال أول 20 سنة فقط، ودخل في تكوينه علماء ومثقفون من شتى الحضارات، ولهذا أصبح من أسرع الحضارات صعودًا في التاريخ.

ثم يواصل عصيد ادعاءاته قائلاً إن صلاح الدين الأيوبي أحرق كتب الفاطميين. وهذا ادعاء باطل أيضًا.

ففي دراسة علمية بعنوان:
"هل دمّر صلاح الدين كتب الفاطميين؟ تحقيق تاريخي"
للباحثة البريطانية فوزيا بورا، تبيّن أن تدمير صلاح الدين لمكتبة الفاطميين مجرد أسطورة، وأن هذه الكتب استمر تداولها حتى بعد العصر الأيوبي.

وقد سبق أن فنّد المؤرخ المصري أيمن فؤاد هذه الشبهة، التي روّج لها يوسف زيدان، مؤكدًا أن صلاح الدين لم يحرق الكتب، بل باعها على مدى عشر سنوات، ونُقل قسم منها إلى الشام.
القاضي الفاضل أخذ 100 ألف كتاب إلى مكتبته الخاصة، والعماد الكاتب الأصفهاني (مؤرخ لصلاح الدين) نقل 100 ألف كتاب أخرى.

حتى أن نسخًا من هذه الكتب ما زالت موجودة إلى اليوم في مصر والمغرب والهند.

 الرد على مزاعم أحمد عصيد بشأن مكتبة نالاندا

يدّعي أحمد عصيد أن مأساة مكتبة نالاندا هي أعظم كارثة معرفية في التاريخ، حيث يقول إن "المسلمين" أحرقوا هذه المكتبة وأتلفوا تسعة ملايين كتاب، بقيادة اختيار الدين محمد بن بختيار الخلجي.

ورغم شهرة هذه الرواية، إلا أن الشكوك تحيط بها من عدة نواحٍ، وقبل مناقشة القصة تاريخيًا، لا بد من توضيح أن عصيد يمارس تدليسًا معرفيًا حين ينسب الحادثة إلى "المسلمين" بصيغة الجمع، وكأن الأمة بأكملها مسؤولة عنها، بينما محمد بن بختيار الخلجي، رغم كونه مسلمًا، كان مغوليًا، والمغول لا يمثلون النموذج الحضاري للمسلمين في التاريخ.

بل على العكس، كان للمغول تاريخ دموي، حتى أن الأمير المغولي تيمورلنك ادّعى الإسلام لخداع المسلمين وفتح البلاد، ثم انقلب عليهم قتلًا ودمارًا. ويكفي أن نذكر أن أعظم مكتبة في التاريخ الإسلامي، مكتبة بغداد، أحرقها التتار والمغول عام 1258م، فألقى الغزاة كتبها في نهر دجلة حتى اسوَدّ ماؤه من الحبر.

🔍 فحص رواية حرق نالاندا

رواية تدمير نالاندا تعتمد على ثلاثة مصادر رئيسية، لكنها كلها لا تخلو من التناقضات والتأويلات، بل ثمة اختلاف حول تحديد تاريخ الحدث بدقة.

1. رواية المؤرخ الفارسي "منهاج السراج"

في كتابه طبقات ناصري، يروي "منهاج السراج" أن محمد بن بختيار الخلجي هاجم قلعة قُرب بيهار شريف، وقتل سكانها من البراهمة، وصودرت كتب كثيرة، ثم استُدعي بعض الهندوس لشرح محتواها، فقُتلوا أيضًا.

لكن الرواية لم تذكر صراحة أن الموقع هو مكتبة نالاندا، بل أشار إلى أن القلعة والمدينة كانتا أشبه بكلية تعليمية تسمى "فيهارا"، أي مدرسة. كما أن المؤرخ لم يكن شاهد عيان، بل نقل الرواية عن شخص آخر كان مع الجيش، ما يُضعف دقة السرد ويُثير الشكوك حول مدى ارتباط الحدث بمكتبة نالاندا تحديدًا.

2. السجلات التبتية

تشير سجلات من القرن الثالث عشر إلى أن الرهبان البوذيين الذين نجوا من المذابح فروا إلى التبت، وتحديدًا من أديرة مثل نالاندا وفيكراماشيلا. ومن بين هذه السجلات سيرة الراهب التبتي دهرماسوامين، الذي زار المنطقة بين منتصف القرن الثاني عشر وعام 1226م، وقابل بعض الرهبان الناجين. لكن ولا نص واحد في هذه السجلات أشار إلى إحراق ملايين الكتب، أو حتى عشرات الآلاف منها.

3. الأدلة الأثرية

كشفت الحفريات عن طبقات من الفحم والرماد في مواقع متعددة من مجمع نالاندا، ما يشير إلى أن حريقًا كبيرًا قد وقع، لكنه لا يثبت حجم الدمار ولا عدد الكتب التي أُحرقت، إن وُجدت.

🧱 ما يُضعف الرواية أكثر:

رغم أن المغول اشتهروا بالعنف، إلا أنه لم يُثبت قط أن مكتبة نالاندا كانت تضم "تسعة ملايين كتاب" كما يُشاع. والدليل الأكبر أن مكتبة ضخمة للتراث البوذي لا تزال محفوظة في التبت، وتضم أكثر من 84,000 مخطوطة، من بينها نصوص نادرة عن تاريخ البشرية، وعلوم وفلسفات شرقية.

والمثير للدهشة أن عصيد لا يذكر هذا، رغم أنه دلالة على أن التراث البوذي لم يُمحَ من الوجود، ولم يُحرق كما يدّعي.


📜 ماذا عن المسلمين الحقيقيين؟

يتجاهل عصيد في مقاله الجهد الحضاري للمسلمين في حفظ التراث الإغريقي والشرقي، خصوصًا في بيت الحكمة ببغداد، حيث ترجمت آلاف النصوص من اليونانية والسريانية والفارسية والهندية إلى العربية، بتمويل ورعاية من الخلفاء العباسيين، منذ منتصف القرن الثامن وحتى أواخر القرن العاشر.

وترجم المسلمون أعمالًا في الطب، الزراعة، الفلك، الفلسفة، الشعر، القصص، وأسسوا بذلك واحدة من أنضج حركات الترجمة في التاريخ البشري.
فلولا المسلمين، لما وصلنا اليوم الكثير من نصوص أفلاطون وأرسطو وجالينوس وأرخميدس.

فكيف يُتَّهم هؤلاء بأنهم "يحرقون الكتب"؟!


🔥 نفاق الخطاب الغربي وتجاهل عصيد:

ما لا يذكره عصيد أيضًا هو أن الغرب العلماني نفسه أحرق مئات المكتبات في القرن العشرين وحده، خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. ويكفي الرجوع إلى قائمة ويكيپيديا بعنوان
List of libraries damaged during World War II،
لنعرف أنه تم تدمير أكثر من 20 مكتبة بلدية، كما تشير التقديرات إلى فقدان نحو مليوني عمل مطبوع و39 ألف مخطوطة.

هذا دون الحديث عن ما فعله المسيحيون في محاكم التفتيش، أو ما فعلته أمريكا في قصف هيروشيما وناغازاكي، حيث دُمرت أرواح ومكتبات ومخطوطات، لا بذريعة الدين، بل باسم الحداثة والعلمانية.


📌 خاتمة:

إذًا، رواية "حرق نالاندا على يد المسلمين" إما أنها خرافة تاريخية، أو حادثة موضعية نُفّذت بأيدي المغول لا تمثل المسلمين. أما نسبها إلى الأمة الإسلامية جمعاء، فهو تضليل فكري رخيص لا يليق بمن يدّعي أنه "مفكر مغربي".

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
الباحث بالدارجة مرحبًا بكم في عالم نكشف فيه أسرار الماضي، نعيد قراءة الحقائق الغائبة، ونصحح المغالطات الرائجة. هنا حيث يلتقي التاريخ بالدقة، وتتجلى الحقائق بعيدًا عن التشويش والزيف. جميع روابط التواصل الاجتماعي https://linktr.ee/albahtalbahit