دحض شبهات المنصرين والملحدين حول القرآن الكريم وتثبيت حفظه ونقله
-
الرد على شبهة عدم تواتر طبقة الصحابة في جمع القرآن
-
يدّعي بعض شياطين الإنس أن القرآن الكريم لم يتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استندوا في دعواهم إلى بعض الروايات التي تحصر حفظة القرآن في عهد الرسول بعدد معين من الصحابة. من ذلك ما ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك، قال: «جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، كلهم من الأنصار: أُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد» (رواه البخاري ومسلم).
وروى ابن سعد في «الطبقات الكبرى» عن الشعبي، قال: «جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر: أُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وسعد، وأبو زيد». وفي رواية عند الطبراني، عن محمد بن كعب القرظي، قال: «جمع القرآن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأُبيّ بن كعب، وأبو أيوب، وأبو الدرداء».
بهذه الروايات ونحوها، استدل أصحاب هذه الشبهة على أن نقل القرآن لم تتوفر فيه شروط النقل المتواتر، ورتبوا على ذلك القول بأن روايات القرآن فيها اختلاف وتباين، وبعضها فيه نقص، وبعضها الآخر فيه زيادة، إلى آخر ما خلصوا إليه في هذه الشبهة.والرد على هذه الشبهة يكون من عدة أوجه:
الوجه الأول: إن القرآن نزل منجّمًا على مدى ثلاث وعشرين سنة بين مكة والمدينة، وهذا يدل على أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحفظون العشر آيات، ولا يتجاوزونها حتى يتعلموها ويعملوا بها. وقد ورد ذلك في عشرات الروايات. فثبت عن ابن عمر رضي الله عنه بإسناد صحيح متصل أنه مكث أربع سنوات في تعلم سورة البقرة، وهو ما رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (4/164)، قال: «أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أبو المليح عن ميمون: أن ابن عمر تعلم سورة البقرة في أربع سنوات». وقال أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا ويعرفوا ما فيها من علم وعمل».
وقال الزرقاني رحمه الله: «ليس ذلك لبطء حفظه - معاذ الله - بل لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها وما يتعلق بها، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كراهة الإسراع في حفظ القرآن دون التفقه فيه، ولعل ابن عمر جمع مع ذلك أبوابًا أخرى من العلم، وإنما فعل ذلك مخافة أن يتأوله على غير تأويله»، قاله الباجي (انتهى من «شرح الزرقاني على موطأ مالك» 2/27).
فالصحابة بمجموعهم كانوا يحفظون ما ينزل من القرآن، إما تلقيًا من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وإما تلقيًا عن بعضهم بعضًا، وهذا ما تدل عليه الكثير من الروايات. قال أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا» (انتهى من «تفسير الطبري» 1/80).
فكان دأب الصحابة رضي الله عنهم حفظ كتاب الله وتحفيظه للناس. قال سويد بن عبد العزيز: «كان أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق، اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفًا، ويقف هو في المحراب يراقبهم ببصره، فإذا أخطأ أحدهم رجع إلى عريفه، فإذا أخطأ العريف رجع إلى أبي الدرداء يسأله عن ذلك». وعن ابن مشكم قال: «قال لي أبو الدرداء: اعدد من يقرأ عندي القرآن، فعددتهم ألفًا وستمائة ونيفًا، وكان لكل عشرة منهم مقرئ» (انتهى من «معرفة القراء الكبار» ص20).الوجه الثاني: حفظ كتاب الله تعالى جمع غفير من الصحابة لا يحصون كثرة، وقد نص جماعة من العلماء على أبرز من حفظ القرآن منهم. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ذكر أبو عبيد القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعد من المهاجرين: الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعدًا، وابن مسعود، وحذيفة، وسالمًا، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة، ومن النساء: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، ولكن بعض هؤلاء أكمله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وعد ابن أبي داود في كتاب الشريعة من المهاجرين أيضًا: تميم بن أوس الداري، وعقبة بن عامر، ومن الأنصار: عبادة بن الصامت، ومعاذًا الذي يُكنى أبا حليمة، ومجمع بن حارثة، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وغيرهم، وصرح بأن بعضهم إنما جمعه بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وممن جمعه أيضًا: أبو موسى الأشعري، ذكره أبو عمرو الداني، وعد بعض المتأخرين من القراء: عمرو بن العاص، وسعد بن عبادة، وأم ورقة» (انتهى من «فتح الباري» 9/52). وانظر: «الإتقان» للسيوطي (1/248-249).
ومن أبرز هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم:
1. أبو بكر الصديق رضي الله عنه: توفي يوم الإثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وصلى عليه عمر، ودُفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم («تهذيب التهذيب» 5/316).
2. عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قُتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل غير ذلك («تهذيب التهذيب» 7/441).
3.عثمان بن عفان رضي الله عنه: أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قُتل شهيدًا في داره مظلومًا في الثامن عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وله اثنتان وثمانون سنة على الصحيح («تهذيب التهذيب»).
4. علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قُتل صبيحة السابع عشر من رمضان سنة أربعين بالكوفة، وقد جمع القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: في حياته.
5. أُبيّ بن كعب رضي الله عنه: سيد القراء وأحفظ الأمة لكتاب الله، جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي بالمدينة سنة عشرين أو تسع عشرة.
6. عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي بالمدينة آخر سنة اثنتين وثلاثين.
7. زيد بن ثابت رضي الله عنه: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي سنة خمس وأربعين على الأصح.
8. أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: أخذ القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم، توفي في ذي الحجة سنة أربع وأربعين على الصحيح.
9. أبو الدرداء رضي الله عنه: قرأ القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة اثنتين وثلاثين.
10. أبو هريرة رضي الله عنه: قرأ القرآن على أُبيّ بن كعب، توفي سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين.
11. عبد الله بن عباس رضي الله عنه: قرأ القرآن على أُبيّ بن كعب، توفي بالطائف سنة ثمان وستين.
12. عبد الله بن السائب رضي الله عنه: قارئ أهل مكة، له صحبة ورواية يسيرة، قرأ القرآن على أُبيّ بن كعب، توفي في حدود سنة سبعين في إمرة ابن الزبير («معرفة القراء الكبار» ص10-25).
13. معاذ بن جبل رضي الله عنه: أخذ القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة، وهو ابن أربع وثلاثين («تهذيب التهذيب» 10/187).
14. سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه: أخذ القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي سنة إحدى عشرة يوم اليمامة («البداية والنهاية» 9/497).
15. عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أخذ القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت، توفي سنة ثلاث وسبعين، وقيل: أربع وسبعين («تهذيب التهذيب» 5/330).
16. عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: روى ابن ماجة (1346) عنه قال: «جمعت القرآن فقرأته كله في ليلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أخشى أن يطول عليك الزمان وأن تمل...» الحديث، صححه الألباني في «صحيح ابن ماجة». توفي سنة ثلاث وستين، وقيل: خمس وستين، وقيل: ثمان وستين («تهذيب التهذيب» 5/338).
17. عقبة بن عامر رضي الله عنه: أخذ القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة ثمان وخمسين («تهذيب التهذيب» 7/243).
18. عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها: أخذت القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفيت سنة سبع وخمسين («تقريب التهذيب» ص750).
19. حفصة بنت عمر رضي الله عنها: أخذت القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفيت سنة خمس وأربعين («تقريب التهذيب» ص745).
20. أم سلمة رضي الله عنها: أخذت القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفيت في شوال سنة تسع وخمسين، وقيل: في ولاية يزيد بن معاوية، وقيل: سنة اثنتين وستين («تهذيب التهذيب» 12/456).الوجه الثالث: من الثابت تاريخيًا أن اعتماد الصحابة في حفظ القرآن كان على التلقي والسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يحفظونه في صدورهم، وهي من خصائص أمة الإسلام. فكان جل الصحابة، وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وأبو هريرة، ومعاذ بن جبل، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وابن عمر، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، وطلحة، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم كثير من المهاجرين والأنصار، يحفظون القرآن. وكان من الصحابة من يحفظ القرآن ولا نعلم أسماءهم، مثل السبعين الذين قُتلوا في بئر معونة. فقد أورده البخاري عن أنس بن مالك: «أن رَعْلًا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار، كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة فقتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب، على رَعْل وذكوان وعصية وبني لحيان». قال أنس: «فقرأنا فيهم قرآنًا، ثم إن ذلك رُفع: بلّغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا». فتخيّل أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى بعض القبائل سبعين رجلًا يحفظون القرآن ليعلموه الناس، فكيف بعدد الصحابة الذين يحفظون القرآن؟ وهذا دليل واضح على أن الحفاظ كانوا جمهورًا عظيمًا من الصحابة.
الوجه الرابع: الروايات التي حصرت حفظ القرآن في عدد محدود من الصحابة ليست على سبيل الحصر المراد تعيين المقيد. فقد روى علي رضي الله عنه في «بلوغ المرام»: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا». وفي حديث آخر قال أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل» (حسن، رواه أحمد).
إذا تبين ما تقدم، فإن الروايات التي حصرت حفظ القرآن وتلقيه بعدد محدد من الصحابة، ليس الحصر مرادًا منها ولا متعينًا فيها. وإذا كان الأمر كذلك، تعين حملها وفهمها على مقاصد أخرى:
- إما أن يُقصد منها أن هؤلاء فقط من جمع القرآن كاملًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم تلقيًا من فيه، والباقون -وهم الأكثر- لم يتلقوه كاملًا عنه.
- أو يُقصد أنه لم يجمعه في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وينتصب لتلقينه لغيره بأمر من الرسول إلا هؤلاء المذكورين، دون أن يعني ذلك أن غيرهم من الصحابة لم يكونوا يحفظون القرآن أو بعضه.
- أو يُقصد بالحصر من اشتهر من الصحابة بحفظ القرآن والتصدي لتعليمه أكثر من غيره.
- أو يُقصد أن هؤلاء فقط من جمع القرآن مكتوبًا لأنفسهم.
فإذا كانت هذه التأويلات يستقيم على ضوئها فهم تلك الروايات، فلا يسع أحد أن يستدل بها على أن عدد الصحابة الذين نقلوا القرآن كان قليلًا.الوجه الخامس: ما يؤيد هذه التأويلات أن تلك الروايات جاءت بصيغ مختلفة بعض الشيء؛ ففي بعضها حُصر عدد الحفظة بأربعة، وفي بعضها بخمسة أو أكثر، كما أن بعضها ذكر من بين الحفظة أبا الدرداء، وبعضها ذكر زيد بن ثابت. وإذا كان الأمر كذلك، لم يلزم منه أن يكون الواقع في نفس الأمر على هذا النحو؛ لأنه يحتمل أن الراوي لم يصل إلى علمه أن سواهم جمع القرآن، فكان مبلغ علمه ما ذكره من الحفظة، أو ربما لم يكن حاضرًا في ذهنه حين الرواية سوى من ذكرهم، إذ الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد أمر مستحيل.
الوجه السادس: ثبت حفظ جماعات من الصحابة للقرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. منهم عثمان رضي الله عنه، فقد ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» عن محمد بن سيرين، قال: «قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه، فوالله لقد كان يحيي بالقرآن في ركعة»، ومعلوم أن الإحياء بالقرآن في الصلاة لا يكون إلا لمن كان حافظًا لكتاب الله. وكذلك ما أخرجه الشيخان عن جابر بن عبد الله: «كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرجع فيؤم قومه، فأخر النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الصلاة، فصلى معاذ مع النبي، ثم جاء يؤم قومه، فقرأ البقرة...». وكان أبو عبيدة رضي الله عنه -كما ذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء»- معدودًا فيمن جمع القرآن العظيم. وروى الذهبي عن أبي المهلب: «كان تميم الداري يختم القرآن في سبع». وذكر ابن حجر في «الإصابة» عند ترجمة عقبة بن عامر رضي الله عنه: «هو أحد من جمع القرآن، ورأيت مصحفه بمصر». ونقل ابن حجر عن ابن إسحاق: «كان مجمع بن جارية حدثًا، قد جمع القرآن». وروى أبو نعيم في «حلية الأولياء»: «جمع أبو موسى القراء، فقال: لا تدخلوا علي إلا من جمع القرآن، قال: فدخلنا عليه زهاء ثلاثمائة...».
وتظاهرت الروايات بأن الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ويكفينا في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر يصلي بالناس» (رواه البخاري ومسلم)، مع قوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (رواه مسلم). فهذه الروايات تدل -بما لا يدع مجالًا للشك- على أن الصحابة الذين جمعوا القرآن لم يكونوا قليلين، بل كثيرين، وأن الروايات التي ذكرت بعض الصحابة دون غيرهم لا يُراد منها الحصر.الوجه السابع: ثبت في الصحيح أن عددًا كبيرًا من القراء قُتلوا يوم اليمامة، وكذلك سبعون قارئًا يوم بئر معونة ممن جمع القرآن من الصحابة. فإذا كان عدد الذين قُتلوا من جامعي القرآن بهذا الكم، فكيف الظن بمن لم يُقتل ممن حضرها، أو من لم يحضرها وبقي في المدينة أو مكة أو غيرهما؟ وبهذا يظهر أن وقائع مثل بئر معونة واليمامة تشهد على خلاف ما يريد أصحاب هذه الشبهة أن يستدلوا به.
الوجه الثامن: قال أوس: «سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل» (رواه أحمد والطيالسي وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم وأبو داود في «سننه» وبوب عليه: «باب تحزيب القرآن»، وابن ماجه وبوب عليه: «باب ما جاء في كم يستحب أن يُختم القرآن»، والبيهقي في «شعب الإيمان»).
قال محمود السبكي في «المنهل العذب المورود» (شرح أبي داود): «المراد أنهم كانوا يجعلون القرآن سبعة أحزاب: الأول: ثلاث سور (البقرة وآل عمران والنساء)، ولم تُعد الفاتحة لقصرها. والثاني: خمس من المائدة إلى التوبة. والثالث: سبع من يونس إلى النحل. والرابع: تسع من الإسراء إلى الفرقان. والخامس: إحدى عشرة من الشعراء إلى يس. والسادس: ثلاث عشرة من الصافات إلى الحجرات. والسابع: حزب المفصل من سورة ق إلى آخر القرآن. وكانوا يقرؤون في كل يوم حزبًا».
وقال حنبل: «كان أبو عبد الله يختم من الجمعة إلى الجمعة». وذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في سبع، ولا تزِدْن على ذلك» (رواه أبو داود). ويكره أن يؤخر ختمة القرآن أكثر من أربعين يومًا، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله عبد الله بن عمرو: «في كم يُختم القرآن؟» قال: «في أربعين يومًا»، ثم قال: «في شهر»، ثم قال: «في عشرين»، ثم قال: «في خمس عشرة»، ثم قال: «في عشر»، ثم قال: «في سبع»، لم ينزل عن سبع (رواه أبو داود).الوجه التاسع: على فرض عدم التسليم بما تقدم، فحسبنا أن نقول: إن مجموع الروايات التي ذكرت من جمع القرآن من الصحابة -سواء ما احتج به الخصم أم ما ذكرناه دليلًا لنا- تشتمل على تسعة عشر صحابيًا، وهم: عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، أُبيّ بن كعب، معاذ بن جبل، زيد بن ثابت، أبو زيد، أبو الدرداء، سعد، عبادة بن الصامت، عبد الله بن مسعود، سالم مولى أبي حذيفة، تميم الداري، أبو عبيدة، عقبة بن عامر، مجمع بن جارية، أبو موسى الأشعري، أبو أيوب الأنصاري، خزيمة بن ثابت. وهذا العدد -على فرض عدم وجود غيرهم جدلًا- كافٍ لإثبات صفة التواتر في نقل القرآن، ولا عبرة بعد هذا بنفي من نفى التواتر عن الصحابة في نقل القرآن.
وعلى ضوء ما ذكرناه، يتبين أن الروايات التي استند إليها أصحاب هذه الشبهة لا تدل على أن القرآن لم يُحفظ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أنه لم يجمعه غير المذكورين من الصحابة. بل الواقع يشهد بخلاف ذلك، كما تبين في نسف هذه الشبهة المتهافتة. وبالتالي، يظهر بجلاء بطلان هذه الشبهة وتهافتها من أساسها، ويتبين أن نقل القرآن قد توافرت فيه شروط النقل المتواتر، ولا يُلتفت إلى قول يخالف ذلك. وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
المصدر الكتاب: مقدمات في علم القراءات
المؤلف: محمد أحمد مفلح القضاة، أحمد خالد شكرى، محمد خالد منصور (معاصر)
-
-
الرد على شبهة اعتراض ابن مسعود على جمع القرآن
-
يحاول بعض الطاعنين في القرآن الكريم الاستناد إلى شبهة مفادها أن عبد الله بن مسعود وبعض الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعترضون على جمع عثمان بن عفان للمصحف. ويستدلون على ذلك بما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حيث قال: «حدثنا عبد الله، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، غلوا مصاحفكم، وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة، وزيد بن ثابت يأتي مع الغلمان له ذؤابتان؟ والله، ما أُنزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء أُنزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكانًا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته». قال أبو وائل: «فلما نزل عن المنبر، جلست في الحلق، فما أحد ينكر ما قال».
الرد على هذه الشبهة
أولًا: تحليل الرواية
الرد على هذه الشبهة يكمن في متن الرواية نفسها، إذ إن اعتراض عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لم يكن على جمع الناس على حرف واحد، بل كان مرده إلى عدم إشراكه في لجنة نسخ المصاحف وتكليف زيد بن ثابت رضي الله عنه بهذه المهمة. فقد قال: «وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة، وزيد بن ثابت يأتي مع الغلمان له ذؤابتان؟». وكان سبب معارضة ابن مسعود ما رواه ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدثه: «أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت حفصة بالصحف إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق».ثانيًا: سبب اختيار عثمان لزيد بن ثابت
لماذا اختار عثمان بن عفان زيد بن ثابت رضي الله عنه بدلاً من ابن مسعود، رغم أن ابن مسعود أقدم إسلامًا وقرأ سبعين سورة من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما كان زيد في ذلك الوقت من الصبية؟ السبب يعود إلى دواعٍ علمية دقيقة. عثمان رضي الله عنه جمع القرآن بما يوافق العرضة الأخيرة، كما روى القسطلاني: «إن الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة» (الراوي: سمرة | المحدث: القسطلاني | المصدر: إرشاد الساري، الصفحة: 7/456 | خلاصة حكم المحدث: ورد نحوه من حديث سمرة وإسناده حسن).
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن على جبريل في كل سنة مرة، فلما كانت السنة التي قُبض فيها، عرضه عليه مرتين. وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه يحضر كل عرضة، وكان ممن حضر العرضتين الأخيرتين، على عكس عبد الله بن مسعود. وروى زيد بن ثابت: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى للشام، فقلنا: لأي ذلك يا رسول الله؟ قال: لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها» (الراوي: زيد بن ثابت | المحدث: الحاكم | المصدر: المستدرك على الصحيحين، الصفحة: 2941 | خلاصة حكم المحدث: صحيح على شرط الشيخين).
وكذلك، كان زيد بن ثابت ممن كتب الوحي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وروى زيد بن ثابت: «بعث إليّ أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال عمر: إن القتل قد استحر بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قال أبو بكر لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله؟ فقال عمر: هو والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت فيه الذي رأى. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب لرسول الله الوحي، فتتبع القرآن. قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ من ذلك. قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو بكر: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر وعمر يراجعانني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدرهما. فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف -يعني الحجارة والرقاق- وصدور الرجال، فوجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}» (الراوي: زيد بن ثابت | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح، الصفحة: 3103 | خلاصة حكم المحدث: صحيح).وعندما أكمل زيد بن ثابت نسخ وجمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، سُلّمت الصحف إلى عمر بن الخطاب، ثم إلى ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها لتبقى في حيازتها. وأضحت حفصة حارسة للقرآن طيلة خلافة أبيها عمر رضي الله عنهما. وظلت الحال كذلك حتى حدث الاختلاف في وجوه القراءات، فأمر عثمان بن عفان بحرق المصاحف التي تحتوي على تفسيرات وقراءات منسوخة. وأرسل عثمان إلى حفصة: «أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك». فأرسلت حفصة بالصحف إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير أن ينسخوا الصحف في المصاحف، وقال للرهط القرشيين الثلاثة: «ما اختلفتم فيه أنتم وزيد بن ثابت، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم». حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، بعث عثمان إلى كل أفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوها (الراوي: أنس بن مالك | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترمذي، الصفحة: 3104 | خلاصة حكم المحدث: صحيح | التخريج: أخرجه الترمذي (3104) واللفظ له، وأخرجه البخاري (4987) باختلاف يسير).
ثالثًا: سبب اختيار زيد بن ثابت
إن اختيار عثمان بن عفان لزيد بن ثابت رضي الله عنهما كان لأسباب علمية، إذ إن زيد بن ثابت هو من كتب الوحي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ممن حضر العرضة الأخيرة. قال البغوي: «يقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بيّن فيها ما نُسخ وما بقي، وكتبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأها عليه، وكان يقرئ الناس بها حتى مات. ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمع القرآن، وولاه عثمان كتابة المصاحف». وقال أبو عبد الرحمن السلمي: «قرأ زيد بن ثابت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سُميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت لأنه كتبها، ووقعت الثقة بها لأنهم يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف، شاهدوا تلاوته من النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة».رابعًا: موقف ابن مسعود
أما موقف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقد تراجع عنه ولم يستمر طويلًا، لما تبين له حقيقة الأمر. فقد أقر بالمصحف العثماني وأمر أصحابه بحرق المصاحف الأخرى. وقد أكد الذهبي ذلك فقال: «وقد ورد أن ابن مسعود رضي وتابع عثمان ولله الحمد» (سير أعلام النبلاء، 1/488، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وحسين الأسد، ط11، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1417هـ/1996م). وكذلك قال ابن كثير: «وإنما روي عن عبد الله بن مسعود شيء من الغضب بسبب أنه لم يكن من كتب المصاحف، إلى أن قال: ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق» (فضائل القرآن، تحقيق: أبو إسحاق الحويني الأثري، ط1، القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1416هـ، ص20).
وهنا تتضح صورة الصحابة في رجوعهم إلى الحق والتزامهم به بأدب جم وذوق رفيع. فاعتراض ابن مسعود رضي الله عنه كان مؤقتًا، فلما تبين له إجماع الصحابة على مصحف عثمان، نزل على رأي الجماعة.خامسًا: الإجماع ومخالفة الصحابي
من المقرر عند علماء الأصول أن مخالفة أحد الصحابة للإجماع لا تُعتبر حجة على الإجماع. وبالتالي، فإن اعتراض أحد الصحابة لا يؤثر في تواتر القرآن، إذ لم يقل أحد إن من شرط التواتر والعلم اليقيني المبني عليه ألا يخالف فيه مخالف، وإلا لأمكن هدم كل متواتر وإبطال كل علم قام عليه بمجرد أن يخالف فيه مخالف، ولو لم يكن في العير أو النفير (الزرقاني، مصدر سابق، 1/225-226). فصنيع ابن مسعود، إن صح عنه، لا يؤثر في إجماع الصحابة على مصحف عثمان بحال من الأحوال. وهذه سمة عظيمة من سمات الدين الإسلامي، وهي التوافق وعدم الانفراد بالرأي.سادسًا: إجماع الصحابة على مصحف عثمان
جاء في «تاريخ المدينة» لابن شبة تحت فصل كتابة القرآن وجمعه، ما نصه: «حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا محمد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن العيزار بن جرول، من رهط سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: الله الله أيها الناس، وإياكم والغلو في عثمان وقولكم: حراق المصاحف، فوالله ما حرقها إلا عن ملإ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم».
وفي رواية أخرى عند ابن شبة، عن السدي، قال: «حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحمن، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد، قال: سمعت رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: لقد أحسن».
وقال عبد الرحمن بن مهدي: «حدثنا يزيد بن زريع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: عابوا على عثمان رضي الله عنه تمزيق المصاحف، وقد آمنوا بما كتب لهم، انظروا إلى حمقهم» (رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة، ورواه أبو عبيد، ولفظه: «ألا تعجب من حمقهم؛ كان مما عابوا على عثمان تمزيقه المصاحف، ثم قبلوا ما نسخ»).
وجاء في «شرح السنة» للإمام البغوي، تحت كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، ما نصه: «وروي عن سويد بن غفلة، قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: اتقوا الله أيها الناس، وإياكم والغلو في عثمان وقولكم: حراق المصاحف، فوالله ما حرقها إلا على ملإ منا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم جميعًا».
-
-
الرد على شبهة تتبع مصحف ابن مسعود
-
ادّعى بعض الطاعنين في القرآن الكريم أن السلطة الأموية كانت تتبع مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وتحرق المصاحف الأخرى لمنع انتشار باقي القراءات. واستندوا في ذلك إلى روايات عدة، منها ما ورد في «تاريخ مدينة دمشق» لابن عساكر، حيث قال: «حدثني إسماعيل بن زكريا، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم والأعمش، قالا: سمعنا الحجاج بن يوسف على المنبر يقول: عبد هذيل -يعني ابن مسعود- يقرأ القرآن رجزًا كرجز الأعراب ويقول: هذا القرآن، أما لو أدركته لضربت عنقه» (تاريخ مدينة دمشق، 12/160).
وأخبرنا أبو بكر اللفتواني، أنبأنا أبو عمر الإصفهاني، أنبأنا الحسن بن محمد، أنبأنا أحمد بن محمد، أنبأنا عبد الله بن محمد بن إسماعيل، أنبأنا أبو بكر بن عامر، عن عاصم والأعمش، قالا: سمعنا الحجاج بن يوسف على المنبر يقول: «عبد هذيل -يعني ابن مسعود- يقرأ القرآن رجزًا كرجز الأعراب ويقول: هذا القرآن، أما لو أدركته لضربت عنقه».
وقرأنا على أبي عبد الله يحيى بن الحسن، عن أبي الحسين بن الأبنوسي، أنبأنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن الحسين، أنبأنا ابن أبي خيثمة، أنبأنا محمد بن يزيد، أنبأنا أبو بكر بن عياش، حدثنا عاصم، قال: سمعت الحجاج على المنبر يقول: «اتقوا الله ما استطعتم، هذا لله وفيه مثوبة، واسمعوا وأطيعوا خيرًا لأنفسكم ولأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، ليس فيها مثوبة، والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من غيره لحلت لي دماؤكم، ولا أجد أحدًا يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه، ولأخلينها من المصحف ولو بضلع خنزير». قال أبو بكر: فذكرت ذلك للأعمش، فقال: وأنا قد سمعته يقول ذلك، فقلت: والله لأقرأنها على رغم أنفه، وذلك في نفسي. قال أبو بكر بن عياش: وأتى بشهادين -يعني الأعمش وعاصمًا-.
وأنبأنا أحمد بن يزيد، أنبأنا فضيل، أنبأنا سالم بن أبي حفصة، قال: سمعت الحجاج على المنبر يذكر قراءة ابن مسعود، فقال: «رجز كرجز الأعراب، والله لا أجد أحدًا يقرأها إلا ضربت عنقه، ولأخلينها من المصحف ولو بضلع خنزير».
وأخبرنا أبو القاسم الشحامي، قال: قرئ على سعيد بن محمد بن أحمد، أنبأنا أبو طاهر زاهر بن أحمد، قال: أنبأنا الحسين بن سعيد المطبقي، أنبأنا عيسى، أنبأنا عباس بن محمد، أنبأنا مسلم بن إبراهيم، عن الصلت بن دينار، قال: تلا الحجاج بن يوسف هذه الآية على المنبر: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}، فقال الحجاج: «والله إن كان سليمان لحسودًا».
وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنبأنا أبو الحسين بن النقور، أنبأنا أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن النضر الديباجي، أنبأنا علي بن عبد الله بن مبشر، أنبأنا العباس بن محمد الدقاق، أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا الصلت بن دينار، قال: سمعت الحجاج بن يوسف على منبر واسط يتلو هذه الآية: {هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}، قال: «والله إن كان سليمان لحسودًا».
وأنبأنا علي، أنبأنا عباس الدوري، أنبأنا مسلم، أنبأنا الصلت، قال: سمعت الحجاج وهو على منبر واسط يقول: «عبد الله بن مسعود رأس المنافقين، لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه».
وأخبرنا أبو غالب بن البنا، أنبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق، أنبأنا واصل بن عبد الأعلى، أنبأنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، قال: سمعت الحجاج بن يوسف، وذكر هذه الآية: {اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا}، فقال: «هذه لعبد الله لأمين الله وخليفته، ليس فيها مثوبة، والله لو أمرت رجلاً يخرج من باب المسجد فأخذ من غيره لأحل لي دمه وماله، والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان لي حلالًا، يا عجبًا من عبد هذيل يزعم أنه يقرأ قرآنًا من عند الله، والله ما هو إلا رجز من رجز الأعراب».
ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة، عن محمد بن يزيد، عن أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود والأعمش، أنهما سمعا الحجاج -قبحه الله- يقول ذلك، وفيه: «والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من غيره لحلت لي دماؤكم، ولا أجد أحدًا يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه، ولأخلينها من المصحف ولو بضلع خنزير».الرد على هذه الشبهة
رغم صحة بعض الروايات المنقولة عن الحجاج بن يوسف ونيله من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فإن هذا ليس بعجيب من رجل مثله، فقد كان ظالمًا سفّاكًا للدماء. وقد نقل الأصمعي عن عبد الملك بن مروان أنه قال للحجاج: «إنه ليس أحد إلا وهو يعرف عيبه، فعب نفسك»، فقال الحجاج: «أعفني يا أمير المؤمنين»، فأبى عليه، فقال: «أنا لجوج [لحوح] حقود حسود»، فقال عبد الملك: «ما في الشيطان أقبح مما ذكرت».
أولًا: نفي اتباع السلطة الأموية لمصحف ابن مسعود
لم تكن السلطة الأموية تتبع مصحف ابن مسعود، بل إن الحجاج أنشأ لجنة خاصة من القراء لمتابعة هذه القضية، وتقطيع كل مصحف يخالف مصحف عثمان رضي الله عنه. وهذا يتماشى مع ما فعله أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث أجمع الصحابة على مصحفه، وأمر بحرق المصاحف المخالفة للعرضة الأخيرة التي نسخها زيد بن ثابت. وكانوا يعوضون كل رجل بستين درهمًا عن مصحفه (انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، ص37).ثانيًا: موقف العلماء من فعل الحجاج
أثنى العديد من العلماء على موقف الحجاج في هذا السياق. قال الإمام أبو بكر الباقلاني في «نكت الانتصار» (ص382): «وقد أصاب الحجاج، وتوعد من يقرأ بما ينسب إلى عبد الله مما لم يثبت ولم تقم به حجة، فيعترض به على مصحف عثمان الذي ثبت عليه الإجماع». وبالغ الحجاج فلم يقبل حتى قراءة ابن مسعود إذا خالفت مصحف عثمان، لأن القرآن نزل بلغة قريش، بينما قراءة ابن مسعود كانت بلغة هذيل. وقد غفل الحجاج عن أن القرآن نزل على سبعة أحرف، فكان نيله من ابن مسعود وقراءته ومعاقبته عليها (التمهيد لابن عبد البر، 8/298).ثالثًا: إخفاء بعض المصاحف
اضطر بعض أصحاب عبد الله بن مسعود إلى إخفاء مصاحفهم ودفنها في زمن الحجاج، كما فعل الحارث بن سويد التيمي (ذكره الزمخشري في تفسير سورة الفتح، الكشاف، 3/540). وكان المصحف العثماني غير منقوط ولا مشكل، فأمر الخليفة عبد الملك بن مروان الحجاج أن يعتني بهذا الأمر الجلل، فندب رجلين هما: نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر، وهما تلميذا أبي الأسود الدؤلي (الذي كان يقرأ بقراءة علي). وهكذا، صار المصحف لأول مرة منقوطًا ومشكلاً وفقًا لقراءة قريش (قراءة علي وعثمان، وهي موافقة لقراءة زيد بن ثابت الأنصاري).رابعًا: رد فعل قراء الكوفة
تخيل البعض أن هذا سيجعل قراءة قريش هي الغالبة، لكن قراء الكوفة، مثل عاصم والأعمش، نشروا قراءة هذيل نكاية بالحجاج. يذكر عاصم بن بهدلة أنه سمع الحجاج يقول: «لا أجد أحدًا يقرأ على قراءة ابن أم عبد -يعني ابن مسعود- إلا ضربت عنقه»، فذكر ذلك للأعمش، فقال: «وأنا سمعته يقول، فقلت في نفسي: لأقرأنها على رغم أنفه». وقال ابن كثير: «وإنما نُقم على قراءة ابن مسعود رضي الله عنه لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام الذي جمع الناس عليه عثمان، وكما بيّنا سابقًا أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه، والله أعلم».خامسًا: سلف الحجاج في تفضيل لغة قريش
لم يكن الحجاج أول من فضّل لغة قريش، فقد سبقه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث قال لابن مسعود: «أقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل؛ فإن القرآن لم ينزل بلغة هذيل». وثبت في الصحيح عن عثمان أنه قال: «إن القرآن نزل بلغة قريش»، وقال للرهط القرشيين الذين كتبوا المصحف مع زيد: «إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش؛ فإن القرآن نزل بلغتهم». ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4]، فإن قومه هم قريش، كما قال: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} [الأنعام: 66].سادسًا: فهم اختلاف القراءات
مع علمهما باختلاف القراءات، لم ينكر عمر وعثمان قراءة ابن مسعود، لكنهما رأيا أن الأولى تعليم الناس قراءة قريش. وقد تسرب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لعمر بن الخطاب: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه». وقال أبو شامة: «يحتمل أن يكون مراد عمر ثم عثمان بقولهما: نزل بلسان قريش، أن ذلك كان أول نزوله، ثم إن الله تعالى سهله على الناس، فجوز لهم أن يقرؤوه على لغاتهم على ألا يخرج ذلك عن لغات العرب، لكونه بلسان عربي مبين. فأما من أراد قراءته من غير العرب، فالاختيار له أن يقرأه بلسان قريش لأنه الأولى. وعلى هذا يحمل ما كتب عمر إلى ابن مسعود، لأن جميع اللغات بالنسبة لغير العربي مستوية في التعبير، فإذا لا بد من واحدة، فلتكن بلغة النبي صلى الله عليه وسلم. وأما العربي المجبول على لغته، فلو كلف قراءته بلسان قريش لعسر عليه التحول، مع إباحة الله له أن يقرأه بلغته».سابعًا: قراءة الكوفة السياسية
عندما جمع عثمان المصاحف، أرسل عبد الرحمن السلمي مع مصحف الكوفة ليعلم الناس قراءة قريش، فبقي يعلم حتى وفاته في أيام الحجاج. ومعلوم أنه قرأ على علي بن أبي طالب، وقد أخذ منه عاصم. لكن كراهية الكوفيين السياسية للحجاج دفعتهم إلى تقديم قراءة ابن مسعود نكاية به. ومن المؤسف أن تدخل السياسة في مسألة القراءات.ثامنًا: موقف الإمام مالك
روي عن الإمام مالك أنه كره القراءة بالنبر (أي تحقيق الهمز)، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لغته الهمز، أي لم يكن يظهر الهمز في الكلمات المهموزة مثل: مؤمن، يأجوج ومأجوج، الذئب. وهكذا كانت لغة عامة الحجازيين، بما فيهم الأنصار. وفي «المصباح المنير»: «و[الرأس]: مهموز في أكثر لغاتهم، إلا بني تميم، فإنهم يتركون الهمز لزومًا». وجاء في «المدونة»: «باب: الصلاة خلف أهل الصلاح وأهل البدع وإمامة الرجل في داره وإمامة من لا يحسن القرآن: ... وسئل مالك عمن صلى خلف رجل يقرأ بقراءة ابن مسعود؟ قال: يخرج ويدعه ولا يأتم به». فوافق الإمام مالك الحجاج في اختياره تفضيل قراءة قريش.
-
-
الرد على شبهة تحريف الحجاج بن يوسف الثقافي للقران الكريم
-
استدل الطاعنون في كتاب الله بقولٍ يزعمون فيه أن الحجاج بن يوسف الثقفي غيّر حروفًا من القرآن الكريم، مستندين إلى رواية وردت في كتاب "المصاحف" لابن أبي داود، حيث قال: «حدثنا عبد الله، حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا عباد بن صهيب، عن عوف بن أبي جميلة، أن الحجاج بن يوسف غيّر في مصحف عثمان أحد عشر حرفًا، قال: كانت في البقرة {لَمْ يَتَسَنَّ} [البقرة: 259] بغير هاء، فغيّرها {لَمْ يَتَسَنَّهْ} بالهاء، وكانت في المائدة {شَرِيعَةً وَمِنْهَاجًا} فغيّرها {شَرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، وكانت في يونس {هُوَ الَّذِي يُنْشِرُكُمْ} فغيّرها {يُسَيِّرُكُمْ} [يونس: 22]، وكانت في يوسف {أَنَا آتِيكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} فغيّرها {أَنَا أَنْبِئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 45]، وكانت في المؤمنين [النور: 35] {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ لِلَّهِ لِلَّهِ} ثلاثتهن، فجعل الأخيرتين {اللَّهِ اللَّهِ}، وكانت في الشعراء في قصة نوح {مِنَ الْمُخْرَجِينَ}، وفي قصة لوط {مِنَ الْمَرْجُومِينَ}، فغيّر قصة نوح {مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء: 116] وقصة لوط {مِنَ الْمُخْرَجِينَ} [الشعراء: 167]، وكانت في الزخرف {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ} فغيّرها {مَعِيشَتَهُمْ} [الزخرف: 32]، وكانت في الذين كفروا {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ} فغيّرها {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15]، وكانت في الحديد {فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاتَّقَوْا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} فغيّرها {وَأَنْفَقُوا} [الحديد: 7]، وكانت في إذا الشمس كورت {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِّينٍ} فغيّرها {بِضَنِّينٍ} [التكوير: 24]».
الرد على هذه الشبهة
أولًا: ضعف الرواية
هذه الرواية لا تصح أصلًا لضعف سندها، إذ يوجد فيه رجلان ضعيفان: الأول هو عباد بن صهيب البصري، وهو متروك منكر الحديث، والثاني عوف بن أبي جميلة، وفيه تشيع ورفض وبدعة القدرية. ورغم أن عوفًا من علماء أهل الكوفة، إلا أن الرواية تسقط بسبب ضعف عباد بن صهيب.ثانيًا: إجماع العلماء على مصحف عثمان
أجمع أهل العلم أن القرآن الكريم الذي بين الدفتين هو نفسه مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال الإمام أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد": «وأجمع العلماء أن ما في مصحف عثمان بن عفان، وهو الذي بأيدي المسلمين اليوم في أقطار الأرض حيث كانوا، هو القرآن المحفوظ الذي لا يجوز لأحد أن يتجاوزه، ولا تحل الصلاة لمسلم إلا بما فيه». وهذا إجماع من الأمة الإسلامية على مصحف عثمان رضي الله عنه بلا زيادة ولا نقصان. وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن إجماع الأمة معصوم، كما روى ابن أبي عاصم في كتاب "السنة" عن كعب بن عاصم الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى قد أجار أمتي من أن تجتمع على ضلالة».
ومصحف عثمان الذي أجمعت عليه الأمة هو نفسه المصحف الموجود الآن بين أيدينا، لم يتغير ولم يتبدل، وهو مطابق للمخطوطات التي وجدت قبل زمن الحجاج بن يوسف الثقفي، وهي نفسها النص القياسي الذي نجده في نسخة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.ثالثًا: تناقض الرواية مع أفعال الحجاج
تناقض هذه الرواية ما كان يقوم به الحجاج بن يوسف الثقفي، إذ كان يتعقب المصاحف المخالفة لمصحف عثمان ويحرقها. نقلت كتبنا الإسلامية تعظيم الحجاج وتوقيره وإجلاله لمصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه. فقد أنشأ لجنة خاصة من القراء لمتابعة هذه القضية، وتقطيع كل مصحف يخالف مصحف عثمان، وكانوا يعوضون كل رجل بستين درهمًا عن مصحفه (انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، ص37).
وأثنى العديد من العلماء على الحجاج فيما فعل. قال الإمام أبو بكر الباقلاني في "نكت الانتصار" (ص382): «وقد أصاب الحجاج، وتوعد من يقرأ بما ينسب إلى عبد الله مما لم يثبت ولم تقم به حجة، فيعترض به على مصحف عثمان الذي ثبت عليه الإجماع».رابعًا: إشادة العلماء بحرص الحجاج على القرآن
قال الإمام الذهبي في "تاريخ الإسلام": «عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه للقرآن وإعطائه أهله عليه». وقال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري": «لأن الحجاج إنما كان يتبع مصحف عثمان رضي الله عنه ولا يخالفه». وقال الإمام النووي في "شرحه على صحيح مسلم": «لأن الحجاج إنما كان يتبع مصحف عثمان رضي الله عنه ولا يخالفه».خامسًا: استحالة تغيير الحجاج للقرآن
لو غيّر الحجاج بن يوسف الثقفي حرفًا واحدًا في القرآن الكريم، لقتله الخليفة عبد الملك بن مروان، فالخليفة رحمه الله كان حافظًا للقرآن الكريم، تاليًا له، عالمًا به، محافظًا عليه. قال الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء": «عن نافع، قال: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرًا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك».
-
-
الرد على اشهر شبهات الطاعنين في القران الكريم
-
يدّعي بعض الطاعنين في القرآن الكريم أن فيه اختلافًا كثيرًا، وأن هذا الاختلاف يدل على أنه ليس من كلام الله، مستدلين بقوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وقوله: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42]. ويستندون إلى روايات تشير إلى اختلاف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في قراءة الحرف، مثل:
-
ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: {وَاذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45]، وغيره يقرأ: {بَعْدُ أُمَّةٍ}.
-
السيدة عائشة رضي الله عنها تقرأ: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} [النور: 15]، وغيرها يقرأ: {تُلْقُونَهُ}.
-
أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقرأ: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ}، بينما يقرأ الناس: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19].
-
بعض القراء يقرأ: {وَأَعْتَدْتُ لَهُنَّ مُتَّكَأً}، وغيرهم يقرأ: {وَأَعْتَدْتُ لَهُنَّ مُتَّكَإٍ} [يوسف: 31].
-
ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا زَقِيَّةً وَاحِدَةً} [يس: 29]، و{كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة: 5].
-
أبي بن كعب رضي الله عنه يقرأ: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي فَكَيْفَ أُظْهِرُكُمْ عَلَيْهَا} [طه: 15].
-
ابن مسعود رضي الله عنه كان يحذف الفاتحة والمعوذتين من مصحفه، ويقول: «لم تزيدوا في كتاب الله ما ليس فيه؟».
-
أبي بن كعب رضي الله عنه يزيد في مصحفه دعاء القنوت إلى قوله: {إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكَافِرِينَ مُلْحِقٌ}، ويعده سورتين من القرآن.
-
القراء يختلفون في الإعراب، فهذا يرفع ما ينصبه ذاك، وذاك يخفض ما يرفعه هذا.
ويزعمون أن هذا الاختلاف يناقض كون القرآن كلام الله، فيقولون: «أي شيء بعد هذا الاختلاف تريدون؟ وأي باطل بعد الخطأ واللحن تبتغون؟».
كما استدلوا برواية من طريق أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن السيدة عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: «ثلاثة أحرف في كتاب الله هي خطأ من الكاتب: قوله: {إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه: 63]، وقوله في المائدة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} [المائدة: 69]، وقوله في النساء: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [النساء: 162]». حدثناه إسحاق بن راهويه.
وزعموا أن عثمان رضي الله عنه نظر في المصحف، فقال: «أرى فيه لحنًا، وستقيمه العرب بألسنتها».
الرد على شبهة الاختلاف في القراءات
أولًا: القرآن نزل على سبعة أحرف
بطلان هذه الدعوى المت Radcliffe: المتهافتة واضح، لأن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها، فأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال له: «اقرأ»، فقرأ تلك القراءة، فقال: «هكذا أنزلت». ثم قال لعمر: «أقرأ»، فقرأ، فقال: «هكذا أنزلت». ثم قال: «إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرأوا منه ما تيسر» (صحيح البخاري، ح4704).
فمن قرأ بقراءة عبد الله بن مسعود، أو أبي بن كعب، أو زيد بن ثابت، فقد قرأ بحرف من الأحرف السبعة التي أنزلها الله.ثانيًا: أوجه اختلاف القراءات
اختلاف القراءات ينحصر في سبعة أوجه، وكلها من عند الله، ولا تؤثر على عصمة القرآن أو معناه الأساسي:
-
اختلاف في الإعراب أو الحركات دون تغيير المعنى: مثل {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} و{أَظْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78]، و{وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورُ} و{الْكَفَّارُ} [سبأ: 17]، و{وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَخْلِ} و{بِالْبُخْلِ} [النساء: 37].
-
اختلاف في الإعراب أو الحركات مع تغيير المعنى دون تغيير الرسم: مثل {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: 19] بمعنى «أبعد» أو «فرّق»، و{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} و{تُلْقُونَهُ} [النور: 15]، و{وَاذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ} و{بَعْدُ أُمَّةٍ} [يوسف: 45].
-
اختلاف في حروف الكلمة دون تغيير الرسم مع تغيير المعنى: مثل {نُنْشِزُهَا} و{نُنْشِرُهَا} [البقرة: 259]، و{فَزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} و{فَرِغَ} [الحشر: 2].
-
اختلاف في الكلمة مع تغيير الرسم دون تغيير المعنى: مثل {زَقِيَّةً} و{صَيْحَةً} [يس: 29]، و{كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ} و{كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة: 5].
-
اختلاف في الكلمة مع تغيير الرسم والمعنى: مثل {وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ} و{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} [الواقعة: 29].
-
اختلاف بالتقديم والتأخير: مثل {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} و{وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ} [ق: 19].
-
اختلاف بالزيادة والنقصان: مثل {وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ} و{وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} [يس: 35]، و{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} و{إِنَّ الْغَنِيَّ الْحَمِيدَ} [الحج: 64].
ثالثًا: مسألة الفاتحة والمعوذتين في مصحف ابن مسعود
زيادة دعاء القنوت في مصحف أبي بن كعب، وحذف الفاتحة والمعوذتين من مصحف ابن مسعود، ليست من وجوه اختلاف القراءات.
-
ابن مسعود والمعوذتين: لم ينكر ابن مسعود رضي الله عنه أن الفاتحة والمعوذتين وحي من الله، لكنه كان يرى أن المعوذتين دعاء وليسا من القرآن المكتوب في المصحف، لأنه لم يبلغه إذن النبي صلى الله عليه وسلم بكتابتهما. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (8/472): «تأوّل القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره أن ابن مسعود لم ينكر كونهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف، لأنه كان يرى ألا يكتب في المصحف إلا ما أذن النبي صلى الله عليه وسلم بكتابته، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك». لكن الرواية الصحيحة تشير إلى أنه قال: «إنهما ليستا من كتاب الله»، ويمكن حمل هذا على أنه يعني المصحف، فيتمشى التأويل.
-
إجماع الأمة: أجمع المسلمون على أن الفاتحة والمعوذتين من القرآن، ومن جحد شيئًا منهما كفر. قال النووي في "شرح المهذب": «أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن، وأن من جحد شيئًا منهما كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح». وقال ابن حزم في "القدح المعلى": «هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، بل صح عن ابن مسعود نفسه قراءة عاصم، وفيها المعوذتان والفاتحة». وقال الفخر الرازي في تفسيره: «الأغلب على الظن أن هذا النقل عن ابن مسعود كذب باطل».
-
روايات صحيحة: روى مسلم عن عقبة بن عامر أنه قرأ المعوذتين في الصلاة (صحيح مسلم، ح133)، وزاد ابن حبان: «إن استطعت ألا تفوتك قراءتهما في صلاة فافعل» (صحيح ابن حبان، ح2368). وروى أحمد وابن حجر عن رجل من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه المعوذتين وقال: «إذا صليت فاقرأ بهما» (فتح الباري، 8/615، إسناده صحيح).
-
احتمال تأويل موقف ابن مسعود: يحتمل أن إنكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين كان قبل علمه بذلك، فلما تبين له تواترها وانعقد الإجماع عليها، آمن بأنها من القرآن. وقراءة عاصم عن ابن مسعود تشمل الفاتحة والمعوذتين، وهي صحيحة.
رابعًا: شبهة خطأ الكاتب عند السيدة عائشة
وردت رواية منسوبة إلى السيدة عائشة رضي الله عنها أن ثلاثة أحرف في القرآن هي خطأ من الكاتب: {إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه: 63]، و{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} [المائدة: 69]، و{وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء: 162].
-
الرد على الرواية: رغم أن إسناد هذه الرواية جيد ورجاله ثقات، إلا أن فيه علة خفية، وهي أن الرواة الكوفيين (أبو معاوية الضرير وعلي بن مسهر) نقلوها عن هشام بن عروة، وهشام بن عروة وقعت له أخطاء يسيرة عندما روى في العراق، كما قال النقاد. ومتن هذا الأثر فيه نكارة ظاهرة، ولم يرد من طريق آخر متابعة له، مما يدل على وقوع الخطأ فيه.
-
تفسير {إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}: هذه القراءة لغة لبني حارث بن كعب، حيث يستخدمون الألف في المثنى في جميع الحالات (مرفوع، منصوب، مجرور)، كما في قولهم: «مررت برجلان»، و«قبضت منه درهمان». وورد في بردية "سكوت هاردت 23" (سنة 229هـ/844م) بيت شعر في حديث أم معبد يحتوي على كلمة «رفيقان» بالألف في حالة النصب، مما يؤكد وجود هذه اللغة. قال سيبويه والطبري إن بعض العرب يرفعون وينصبون ويجرون المثنى بالحركات المقدرة مع الإبقاء على الألف، مثل: «جاء الزيدان، رأيت الزيدان، مررت بالزيدان».
-
تفسير {وَالصَّابِئُونَ}: رفع «الصابئون» في [المائدة: 69] جائز، لأنه رد على موضع {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} وهو مرفوع، إذ إن «إن» لا تحدث تغييرًا في المعنى، كما في قولك: «زيد قائم» و«إن زيدًا قائم»، بخلاف «ليت» أو «لعل» اللتين تحدثان معنى التمني أو الشك. قال الكسائي: «يجوز إن عبد الله وزيد قائمان»، والبصريون يجيزون ذلك، ويستدلون بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56].
-
تفسير {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ}: هذه القراءة جائزة لغويًا، ولا تعتبر خطأ، بل هي من اختلاف القراءات المشروعة.
خامسًا: شبهة قول عثمان «أرى فيه لحنًا»
الرواية المنسوبة إلى عثمان رضي الله عنه أنه قال: «أرى فيه لحنًا، وستقيمه العرب بألسنتها» لا تعني وجود أخطاء في القرآن، بل تشير إلى أن المصحف العثماني كتب بدون نقط وشكل، وكان يعتمد على قراءة العرب الصحيحة لتصحيح النطق. وقد أمر عثمان بتوحيد المصاحف لمنع الاختلافات غير المشروعة، وهذا يدل على حرصه على حفظ القرآن.
سادسًا: شبهة {وَقَضَى رَبُّكَ} و{وَوَصَّى رَبُّكَ}
يستدل الطاعنون برواية الطبري عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأ: {وَوَصَّى رَبُّكَ} [الإسراء: 23] وقال: «إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصارت قافًا».
الرد على الرواية
-
ضعف السند:
-
هشيم بن بشير: مدلس، وقد عنعن الحديث دون تصريح بالسماع. قال الذهبي: «هشيم رأس في الحفظ، إلا أنه صاحب تدليس كثير» (سير أعلام النبلاء، 8/289). والتدليس يعني الرواية بلفظ «عن» دون بيان السماع، مما يجعل الرواية غير مقبولة إلا إذا صرح الراوي بالسماع (ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، ص227).
-
أبو إسحاق الكوفي: ضعيف الحديث. قال ابن معين: «ليس بثقة»، وقال البخاري: «ذاهب الحديث»، وقال النسائي: «ليس بثقة» (ميزان الاعتدال، 4/210). فالرواية ضعيفة بسبب هاتين العلتين.
-
رواية أخرى: روى البوصيري عن أحمد بن منيع عن الفرات بن السائب، وهو متروك. قال البخاري: «منكر الحديث»، وقال ابن معين: «ليس بشيء» (ميزان الاعتدال، 5/412).
-
رواية سعيد بن منصور: فيها عبد الملك بن أعين، وهو شيعي رافضي ضعيف. قال يحيى بن معين: «ليس بشيء»، وقال البخاري: «يحتمل في الحديث» (الضعفاء الصغير، ص76).
-
رواية الطبراني: فيها يحيى الحماني، وهو منكر الحديث (ميزان الاعتدال، 2/522)، والأعمش لم يدرك ابن مسعود (توفي ابن مسعود سنة 32هـ، ووُلد الأعمش سنة 61هـ).
-
رواية الطبري عن قتادة: قتادة (وُلد سنة 60هـ) لم يدرك ابن مسعود، وهو مدلس، مما يجعل السند منقطعًا وضعيفًا.
-
-
الإجماع على {وَقَضَى رَبُّكَ}:
-
القراءة المتواترة عن الصحابة، بما فيهم ابن مسعود وابن عباس، هي {وَقَضَى رَبُّكَ}. قال ابن الجوزي: «هذا على خلاف ما انعقد عليه الإجماع، فلا يلتفت إليه» (زاد المسير، 5/22).
-
القراءة الصحيحة يشترط فيها: 1) اتصال السند، 2) موافقة الرسم العثماني، 3) موافقة النحو العربي. قال ابن الجزري: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة» (النشر في القراءات العشر، 1/9). و{وَوَصَّى رَبُّكَ} تخالف الرسم العثماني والإجماع، فهي شاذة.
-
إذا صحت الرواية عن ابن مسعود، فهي قراءة منسوخة قبل العرضة الأخيرة، لأن ابن مسعود حضر العرضة الأخيرة التي أجمع عليها الصحابة (صحيح البخاري، ح5019).
-
-
تفسير معنى {وَقَضَى}:
-
{وَقَضَى} تعني الأمر الحتم، وهي إرادة شرعية، أي أمر الله بعدم الشرك، وليست إرادة كونية تلزم الجميع. قال ابن منظور: «{وَقَضَى رَبُّكَ} أي أمر وحتم» (لسان العرب، 5/3665).
-
الطاعنون يخلطون بين الإرادة الشرعية (ما يحبه الله لعباده) والإرادة الكونية (ما ينفذه الله حتمًا). فالآية تشير إلى الأمر الشرعي بعدم الشرك، ومن خالفه عوقب، كما في تحريم الخمر الذي يخالفه البعض.
-
-
رواية ابن عباس وأبي بن كعب:
-
رواية {وَوَصَّى رَبُّكَ} عن أبي بن كعب ضعيفة بسبب يحيى بن عيسى الرملي، وهو ضعيف (المجروحين، 2/479).
-
حتى لو صحت، فهي قراءة منسوخة قبل العرضة الأخيرة، لأن الرسم العثماني والإجماع على {وَقَضَى رَبُّكَ}.
-
سابعًا: شبهة قراءة ابن عباس {تَسْتَأْذِنُوا} و{يَتَبَيَّنْ}
-
{حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} و{حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا}: روى ابن حجر عن ابن عباس أنه قال: «أخطأ الكاتب، إنما هي {تَسْتَأْذِنُوا}» (فتح الباري، 13/156). لكن القراءتان صحيحتان، فـ{تَسْتَأْنِسُوا} تعني «تأنسوا»، وهي قراءة متواترة وموافقة للرسم العثماني.
-
{أَفَلَمْ يَيْأَسِ} و{أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ}: قراءة ابن عباس {يَتَبَيَّنْ} بدل {يَيْأَسِ} [الرعد: 31] صحيحة، وتعني «يتضح»، وهي من الأحرف السبعة، ولا تعتبر خطأ.
ثامنًا: خلاصة الرد
-
اختلاف القراءات لا يعني وجود خطأ أو باطل في القرآن، بل هو من الأحرف السبعة التي أنزلها الله لتيسير القراءة على العرب بلهجاتهم المختلفة.
-
الروايات التي تدعي وجود أخطاء في المصحف ضعيفة أو شاذة، ولا تقاوم الإجماع على المصحف العثماني.
-
القرآن محفوظ بإجماع الأمة، كما قال ابن عبtuur: عباس رضي الله عنه: «ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين» (صحيح البخاري، ح5019).
-
الطاعنون أساؤوا فهم الأحرف السبعة، وظنوا أنها أخطاء، بينما هي من تنزيل الله.
-
-
-
الرد على اشهر شبهات الطاعنين في القران الكريم الجزء الثاني
-
يتناول هذا الجزء الرد على شبهات أثيرت حول القرآن الكريم، مستندة إلى روايات منسوبة إلى الصحابة تشير إلى وجود أخطاء أو نقص في القرآن. يتم الرد على هذه الشبهات من خلال تحليل الأسانيد والمتون، مع الإشارة إلى تواتر القرآن وحفظه.
الشبهة الأولى: روايات ابن عباس حول {مثل نوره كمشكاة}
وردت روايات منسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما تفيد أنه قال إن قوله تعالى: {مثل نوره كمشكاة} [النور: 35] خطأ من الكاتب، وإنما هي {مثل نور المؤمن كمشكاة}. ونقل عن مجاهد وأبي العالية وأبي بن كعب قراءات مشابهة.
الرد
-
عدم صحة النقل عن ابن عباس: لم ينقل أحد من رواة القراءات أن ابن عباس قرأ {مثل نور المؤمن}. لو كان يعتقد أن القراءة المتواترة خطأ، لما قرأها، مما يدل على ضعف هذه الرواية. قال ابن الأنباري: هذه الروايات ضعيفة وتعارضها روايات صحيحة عن ابن عباس تثبت القراءة المتواترة (الاتقان، 2/276).
-
تضعيف الروايات: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من زعم أن الكاتب غلط فهو الغالط غلطًا منكرًا، فإن المصحف منقول بالتواتر» (مجموع الفتاوى، 15/255). وابن عباس تلقى القرآن من زيد بن ثابت وأبي بن كعب، وكلاهما من جمع القرآن بأمر أبي بكر رضي الله عنه، وكانا كتبة الوحي بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم (مناهل العرفان، 1/392).
-
قراءة أبي بن كعب: رواية أبي بن كعب {مثل نور من آمن بالله} شاذة ومخالفة للرسم العثماني. يُحمل ذلك على أنه تفسير للضمير في {نوره}، أو قراءة منسوخة قبل العرضة الأخيرة (البحر المحيط، 6/418).
الشبهة الثانية: روايات ابن عباس حول قراءات أخرى
نقل عن ابن عباس أنه قرأ {دارست}، {تلوت}، {خاصمت}، {جادلت} بدلاً من {درست} [الأنعام: 25]، وأن ابن الزبير قال إن القراءة الصحيحة هي {درست}، و{وحرام على قرية} بدلاً من {وحرم على قرية} [الأنبياء: 95]، و{حامية} بدلاً من {حمئة} [الكهف: 86].
الرد
-
ضعف السند: رواية عمرو بن كيسان عن ابن عباس ضعيفة، إذ لم يثبت سماعه منه. قال ابن حبان: «يعتبر حديثه من رواية الثقات» (الثقات). وطريق عطاء بن أبي رباح مختلط بطريق عثمان بن عطاء الخراساني المتروك (مناهل العرفان، 1/391).
-
القراءات المتواترة: القراءات المنسوبة إلى ابن عباس ليست متواترة، وخالفت الرسم العثماني. القراءة الصحيحة هي {درست}، {وحرم على قرية}، و{حمئة}، كما أجمع عليها الصحابة.
الشبهة الثالثة: رواية السيدة عائشة حول أخطاء الكتاب
نقل عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت إن {إن هذان لساحران} [طه: 63]، و{والمقيمين الصلاة} [النساء: 162]، و{والصابئون} [المائدة: 69] أخطاء من الكتاب. ونقل أيضًا أن آية الرجم وآية الرضاعة كانتا في صحيفة أكلها داجن.
الرد
-
رواية الأخطاء: رواية السيدة عائشة عن أبي معاوية عن هشام بن عروة بها علة، إذ إن هشام أخطأ في رواياته بالعراق (فتح الباري، 13/156). والقراءات المذكورة جائزة لغويًا، مثل {إن هذان} لغة بني حارث، و{والصابئون} مرفوع عطفًا على {الذين آمنوا}.
-
آية الرجم والرضاعة: رواية السيدة عائشة عن آية الرجم والرضاعة صحيحة (صحيح مسلم، ح1452)، لكنها تشير إلى نسخ التلاوة مع بقاء الحكم. النسخ ثابت في القرآن، ولا يدل على نقص (أضواء البيان، 2/451).
الشبهة الرابعة: روايات ابن مسعود
نقل عن ابن مسعود أنه قرأ {فامضوا إلى ذكر الله} بدلاً من {فاسعوا} [الجمعة: 9]، وأنه قال: «لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي».
الرد
-
صحة السند: رواية ابن مسعود صحيحة عبر طريق الأعمش عن مسروق (البخاري معلقًا، والطبري مسندًا). لكنها تفسيرية، إذ أراد ابن مسعود توضيح أن «السعي» يعني التوجه بالنية، وليس الجري (أحكام القرآن للجصاص).
-
الرسم العثماني: القراءة {فاسعوا} هي المتواترة، و{فامضوا} قراءة شاذة أو تفسيرية.
الشبهة الخامسة: روايات عمر بن الخطاب
نقل عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «كان القرآن مليونًا وسبعة وعشرين ألف حرف»، و«لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله، فقد ذهب منه قرآن كثير».
الرد
-
عد الحروف: الرواية عن عمر بأن القرآن «مليون وسبعة وعشرون ألف حرف» ضعيفة، قال الذهبي: «خبر باطل» (ميزان الاعتدال، 3/639). وعد الحروف ليس من عمل الصحابة (الاتقان، 1/242).
-
ذهاب القرآن: قول ابن عمر: «قد ذهب منه قرآن كثير» يشير إلى نسخ التلاوة، وليس نقصًا في القرآن المنقول بالتواتر (الاتقان، 2/33).
الشبهة السادسة: سورتا الخلع والحفد في مصحف أبي بن كعب
نقل أن أبي بن كعب أثبت في مصحفه سورتي «الخلع» و«الحفد».
الرد
-
نسخ التلاوة: هاتان السورتان من القرآن المنسوخ تلاوة، وبقي حكمهما كدعاء في القنوت. قال السيوطي: «كانتا سورتين ثم نسختا» (الاتقان، 2/68).
-
مصحف أبي: مصحف أبي بن كعب موافق لمصحف الجماعة، ولم يثبت أنه أثبت السورتين كقرآن (أضواء البيان، 2/451).
الشبهة السابعة: روايات عثمان رضي الله عنه
نقل عن عثمان أنه قال: «هناك أخطاء في المصحف».
الرد
-
تفسير الرواية: قول عثمان: «أرى فيه لحنًا» يشير إلى كتابة المصحف بدون نقط وشكل، واعتماده على نطق العرب الصحيح (فتح الباري، 8/615).
-
حفظ القرآن: توحيد عثمان للمصاحف يؤكد حرصه على حفظ القرآن بالتواتر.
الشبهة الثامنة: روايات أخرى
-
رواية سعد بن أبي وقاص: قراءة {أو ننسها} بدلاً من {أو ننسأها} [البقرة: 106] صحيحة السند (المستدرك، 2/224)، لكنها شاذة ولا تخالف المعنى.
-
رواية مجاهد: قوله إن {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} [آل عمران: 81] خطأ، وإنما هي {ميثاق الذين أوتوا الكتاب}، ضعيفة وشاذة (زاد المسير، 1/324).
-
-
قال بعض العلماء:
إنّ بعض الصحابة الذين كانوا يكتبون القرآن لأنفسهم في مصحف أو مصاحف خاصة بهم، ربما كتبوا فيها ما ليس بقرآن، مما يكون تأويلاً لبعض ما غمض عليهم من معاني القرآن، أو مما يكون دعاءً يجري مجرى أدعية القرآن من حيث إنه يصح الإتيان به في الصلاة عند القنوت أو نحو ذلك، وهم يعلمون أن ذلك كله ليس بقرآن. ولكن ندرة أدوات الكتابة، وكونهم يكتبون القرآن لأنفسهم وحدهم دون غيرهم، هون عليهم ذلك؛ لأنهم أمنوا على أنفسهم اللبس واشتباه القرآن بغيره، فظنّ بعض قُصّار النظر أن كل ما كتبوه فيها إنما كتبوه على أنه قرآن، مع أن الحقيقة ليست كذلك، إنما هي ما عُلم.
انتهى من مناهل العرفان في علوم القرآن (1/271).
وانظر مقالاً بعنوان: فيض الرب في الرد على من ادعى أن هناك سورتين زائدتين في مصحف أبي بن كعب.
خامسًا:
وأما قولك: "أما سيد أنور شاه كشميري فقد قال: إن تحليلي مبني على ما في صحيح البخاري من أن القرآن قد حُرّفت فيه بعض الكلمات قصدًا أو من دون قصد، وذلك بشهادة عثمان رضي الله عنه." (فيض الباري، المجلد الثالث، ص395، تحت فصل "الشهادات"):
فنأسف أن نقول: إن هذا كذب لا أصل له، لا عن سيد أنور ولا عن غيره من علماء المسلمين.
سادسًا:
وأما قولك: "أما عثمان فقد نقل عنه السيوطي في الإتقان، المجلد الأول، صفحة 174، أنه قال: هناك بعض الأخطاء في المصحف الذي لدينا اليوم":
فليس هذا نص كلامه، ولم يثبت معناه عن عثمان رضي الله عنه ولا عن غيره من الصحابة، ولو صحّ فله معنى مستقيم، وقد بينّا ذلك بتفصيل في جواب السؤال رقم (135752)، فلينظر، فهو مهم.
سابعًا:
وأما قولك: "أما هشام بن عروة فيقول: سألت عائشة رضي الله عنها عن لحن القرآن: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ}، و{وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}، و{إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}، فقالت: يا ابن أختي! هذا عمل الكُتّاب، أخطؤوا في الكتاب". (الإتقان، المجلد الأول، ص183-184):
فالأثر غير صحيح عنها، وبيان ذلك في جواب السؤال رقم (135752).
ثامنًا:
وأما قولك: "وورد كذلك في الدر المنثور، المجلد الخامس، ص180، وفي الإتقان، المجلد الثاني، ص25، أن سورة الأحزاب كانت على عهد النبي ﷺ 200 آية، ثم نقصت إلى ما هي عليه بعد جمع عثمان للمصحف":
ففي هذا اللفظ إيـهام بالتحريف! وأما اللفظ الصحيح فقد رواه ابن حبان في صحيحه (10/273)، والحاكم في المستدرك (2/450) عن زر بن حبيش عن أُبي بن كعب قال: "كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)".
ورواه النسائي في السنن الكبرى (4/271–272) بمعناه، وهو من أدلة نسخ التلاوة، وقد مر معنا آنفًا ما يؤكد وقوع هذا النوع من النسخ.
تاسعًا:
وأما قولك: "حديث عائشة: كان فيما أُنزِل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرّمن، ثم نُسِخْن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله وهن فيما يُقرأ من القرآن. رواه مسلم في كتاب الرضاع":
فهو حديث صحيح، وقد اشتمل على نوعين من أنواع النسخ:
-
نسخ التلاوة والحكم: وهو في الآية المنسوخة التي فيها تحريم الرضاع بعشر رضعات.
-
نسخ التلاوة دون الحكم: وهي الآية التي فيها تحريم الرضاع بخمس رضعات، فمع رفعها وعدم وجودها بقي حكمها الشرعي الذي دلت عليه السنة.
وأما قول عائشة رضي الله عنها: "وتوفي رسول الله وهن فيما يُقرأ من القرآن"، فمعناه أن نسخ التلاوة تأخر نزوله حتى أن بعض الناس مات رسول الله ﷺ وهم لا يعلمون بالنسخ، فلما بلغهم بعد ذلك تركوا قراءتها.
قال النووي رحمه الله:
"وقولها: "فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يُقرأ" هو بضم الياء من يُقرأ، ومعناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًا حتى إنه صلى الله عليه وسلم تُوفي وبعض الناس يقرؤها، لكونه لم يبلغه النسخ، فلما بلغهم رجعوا وأجمعوا على أن هذا لا يُتلى".والنسخ ثلاثة أنواع:
-
ما نُسخ حكمه وتلاوته، كـ"عشر رضعات".
-
ما نُسخت تلاوته دون حكمه، كـ"خمس رضعات" و"الشيخ والشيخة".
-
ما نُسخ حكمه وبقيت تلاوته، وهو الأكثر، ومنه قوله تعالى:
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِمْ}.
انتهى من شرح مسلم (10/29).
حديث رقم 4944:
عن إبراهيم قال:
«قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء، فطلبهم فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ قال: كلنا، قال: فأيكم يحفظ؟ وأشاروا إلى علقمة، قال: كيف سمعته يقرأ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ}؟ قال علقمة: (والذكر والأنثى)، قال: أشهد أني سمعت النبي ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدونني أن أقرأ: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ}، والله لا أتابعهم».أخرجه البخاري.
شرح الحديث:
في فتح الباري لابن حجر العسقلاني:
قوله: "قدم أصحاب عبد الله (أي ابن مسعود) على أبي الدرداء..."
إلى أن قال: "كيف سمعته يقرأ؟ قال: (والذكر والأنثى)" — هذه القراءة رواها علقمة عن ابن مسعود وهي مرفوعة إلى النبي ﷺ، وتدل على وجود قراءة شاذة لم تكتب في المصحف العثماني.وهذه القراءة رواها الكوفيون عن علقمة، ومع ذلك لم يقرأ بها أحد منهم، مما يقوي أن تلاوتها نُسخت، وقد يكون أبو الدرداء لم يبلغه هذا النسخ.
-
-
-
-
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
1
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0