سلسلة تحطيم الأصنام –فضح كتاب الملائكة الأفضل لطبيعتنا البشرية : الجزء الأول

أغسطس 12, 2025 - 06:16
 0
سلسلة تحطيم الأصنام –فضح كتاب الملائكة الأفضل لطبيعتنا البشرية : الجزء الأول

في زمنٍ يُقدَّم فيه كل ما يأتي من الغرب وكأنه الحقيقة المطلقة… وفي عصرٍ صار فيه بعض "العلماء" من الغرب أصنامًا فكرية تُرفَع أقوالهم فوق النقد، ويُؤخذ كلامهم كأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه…
نقف اليوم لنهدم هذه الأصنام!

لقد أصبح الانبهار بالغرب حالةً جماعية، حتى باتت أقوالهم هي المرجع، وتحليلاتهم هي البوصلة، وأفكارهم تُقدَّم وكأنها نهاية العلم وبداية الفهم. أما علماؤنا، فمُهمَلون، مُغيَّبون، بل يُسخَر منهم في بعض المحافل، رغم أنهم أهل الرسوخ، ومفاتيح الفهم، وحملة النور عبر القرون.

ولكن، كم من مرةٍ أخطأ فيها أولئك "الآلهة" المزيفون؟ كم من نظرية قدّموها لنا على أنها يقين، ثم تبيّن زيفها؟ كم من فكرةٍ بدَت براقة، ثم سقطت عند أول اختبار؟ في هذه السلسلة... لن نُهاجم الغرب لأجل الهجوم، بل سنكسر الأصنام... الأصنام الفكرية التي أُقيمت على أنقاض العقل، وسُوّق لها على أنها العلم، وهي أبعد ما تكون عنه.

حان الوقت أن نسترد عقولنا، ونُعيد بناء ميزاننا المعرفي، لا شرقياً ولا غربياً، بل بميزان الحق.

من بين الأسماء اللامعة التي يُمجّدها الغرب اليوم في ميادين الفكر والعلوم، ستيفن بينكر — عالم النفس المعرفي — كأحد أكثر المفكرين تأثيرًا. تُباع كتبه بالملايين، ويُقدَّم على أنه نموذج للعقلانية الحديثة. ومن أشهر مؤلفاته كتابه "ملائكة أفضل في طبيعتنا البشرية"، الذي يُعد من أكثر الكتب مبيعًا على الإطلاق. بل إن بيل غيتس، مؤسس مايكروسوفت، وصفه في مراجعة له بأنه "من أهم الكتب التي قرأتها — ليس هذا العام فحسب، بل على الإطلاق."

لكن للأسف، هذا الثناء لا يعكس بالضرورة قيمة معرفية حقيقية، بل يُظهر — على نحو مُحزن — الفقاعة الثقافية التي يتغنى بها كثير من الغربيين حين يتحدثون عن "مجتمعات مثقفة". فالكتاب — رغم ضخامته وشهرته — يعجّ بأنواع شتى من المغالطات، ويكشف عن جهلٍ فادح بالتاريخ الإنساني، وبالعصور القديمة خاصة.


الحجة الأساسية لبينكر

إن لم تكن على دراية بالكتاب، فحجة بينكر التاريخية الأساسية هي أن التاريخ البشري بأكمله حتى العصر الحديث المبكر كان سجلًا للخرافات والتخلف والوحشية والقسوة غير الإنسانية. ويزعم أن الحياة في عصور ما قبل الحداثة كانت، كما قال توماس هوبز — الذي يُبدي بينكر إعجابًا واضحًا به — "بشعة، ووحشية، وقصيرة الأمد". وكان العنف، وفقًا له، جزءًا لا مفر منه من الحياة اليومية، ولم يكن يُنظر إليه على أنه أمر سيئ.

ثم، كما يدّعي، بدأت أوروبا الغربية في العصر الحديث المبكر بالتحضر، وجاء عصر التنوير، ومنذ ذلك الحين تحسنت الأحوال تدريجيًا. ويقول إن البشرية حققت، خلال القرون القليلة الماضية، تقدمًا مذهلًا في جميع المجالات، حتى أصبحنا نعيش اليوم في أكثر عصور التاريخ أمنًا وازدهارًا.

من يقرأ كتاب بينكر يتولد لديه انطباع بأن البشر في عصور ما قبل الحداثة كانوا وحوشًا، وأن العنف غير المبرر كان أمرًا شائعًا لا يُستنكر، وأن أحدًا لم يفكر بأن الاغتصاب والتعذيب والإبادة الجماعية قد تكون أعمالًا خاطئة. هذا التصوير مبني على جهل فاضح، ويعود إلى اعتماد بينكر المفرط، وغير النقدي في الغالب، على عدد محدود من المصادر غير الموثوقة وأعمال أدبية خيالية.

تقييم بينكر للمجتمعات ما قبل التاريخ

في كتابه، يعرض بينكر وجهة النظر السائدة على نطاق واسع، وهي أن المجتمعات البدوية في عصور ما قبل التاريخ كانت عنيفة بشكل لا يُصدق، وفي حالة حرب شبه دائمة. هذه النظرة التقليدية تبناها كثير من الباحثين في مجتمعات ما قبل التاريخ. لكن هذه النظرة قاصرة يكذبها العلم الحديث فحسب مقال علمي نشر في مجلة ساينس  في يوليو 2013، تحت عنوان 

العدوان المميت في مجموعات الباحثين المتنقلة وتداعياته على أصول الحرب

تشير الدراسات إلى أن مجتمعات الصيد وجمع الثمار، رغم بدائيتها، كانت أكثر أخلاقًا وأقل عنفًا من المجتمعات الحديثة التي تزعم التحضر والتمدن. فالعنف في تلك المجتمعات كان نادرًا، وغالبًا ما اقتصر على حالات فردية، بينما الحروب المنظمة كانت شبه معدومة.

وفي المقابل، نجد أن ما يُسمى اليوم بالعالم "المتحضر" يسجل أعلى معدلات للقتل على مستوى العالم. فإليك قائمة الدول ذات أعلى معدلات جرائم القتل في عام 2024، وكلها دول ذات نظم سياسية حديثة، وبعضها يُصنّف ضمن الدول العلمانية أو الديمقراطية:

  • السلفادور: 52.02 جريمة قتل لكل 100,000 نسمة

  • جامايكا: 43.85

  • ليسوتو: 43.56

  • هندوراس: 38.93

  • بليز: 37.79

  • فنزويلا: 36.69

  • سانت فنسنت وجزر غرينادين: 36.54

  • جنوب أفريقيا: 36.40

  • سانت كيتس ونيفيس: 36.09

إنها مفارقة صادمة: الشعوب التي لم تعرف الجامعات ولا المصانع ولا الشعارات التنويرية، عاشت في سلام نسبي، بينما المجتمعات التي تفاخر بالتقدم والحداثة تغرق في دوامات العنف المنظم واليومي. وهذا يدعو لإعادة التفكير في مفاهيم "التحضر" و"التقدم"، بعيدًا عن الغرور الأخلاقي الذي يروّج له كثير من مفكري الحداثة.

تقييم بينكر لليونان القديمة

يعتمد وصف بينكر للحرب في اليونان القديمة بشكل شبه كامل على ما ورد في ملحمتي الإلياذة والأوديسة. مع ذلك، تُعد الإلياذة والأوديسة أعمالًا أدبية خيالية، ولا تعكسان بأي حال صورة دقيقة لطبيعة الحرب في اليونان القديمة. على سبيل مثال عندما يصف هميروس الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد حرب  طروادة، يبدو أنه  لم يكن لديه أدنى فكرة عن كيفية استخدام العربات في حروب العصر البرونزي. فعند تأليف الإلياذة، كانت العربات لم تعد تسخدم في حروب ، لكن الشاعر الهوميري كان جاهلا كيف كانت تسخدم .

لذلك، يتخيل مؤلف الإلياذة العربات وكأنها مركبات تُستخدم لنقل المحاربين إلى ساحة المعركة، حيث يترجلون منها ليقاتلوا مشيًا بالأيدي. في حين أن الواقع التاريخي يشير إلى أن المحاربين الذين امتلكوا عربات كانوا يقاتلون بها فعلًا، وكانت تلك هي ميزتها الأساسية.

في هذا النقش الحجري البارز من كاركميش، الذي يعود تاريخه إلى القرن العاشر إلى الثامن قبل الميلاد. ج. يصور عربة حربية حثية

في هذا النقش الحجري البارز من كاركميش، الذي يعود تاريخه إلى القرن العاشر إلى الثامن قبل الميلاد. ج. يصور عربة حربية حثية

تفيض قصائد هوميروس بعناصر خيالية وأساطير لا تمتّ للواقع التاريخي بصلة. فالآلهة تتدخل باستمرار في مجريات الحرب، وحصانا أخيل — باليوس وزانثوس — يتكلمان كما لو كانا بشريين، بينما يُوصَف الأبطال بأنهم يرفعون صخورًا يعجز الإنسان المعاصر عن زحزحتها. بل إن أخيل نفسه، في الكتاب الحادي والعشرين من الإلياذة، يدخل في معركة ضد إله نهر غاضب لأنه لوّث مياهه بالجثث. من الواضح أن هذه القصائد كُتبت بغرض الترفيه والشعر البطولي، لا لتكون سجلًا دقيقًا لحروب العصر البرونزي.

إن الاستشهاد بالإلياذة أو الأوديسة لإثبات أن الثقافة اليونانية القديمة كانت بالغة العنف، يشبه تمامًا الاستشهاد بأفلام "رامبو" لإثبات أن البطل الأمريكي هو من حرّر فيتنام أو أفغانستان!


تقييم بينكر للعنف في الكتاب المقدس العبري

في القسم التالي، يُخصص بينكر عدة صفحات لوصف أمثلة مُفصّلة لأعمال عنف من أعمال مُدرجة في الكتاب المقدس العبري. وفي النهاية، وبعد أن خصص كل تلك الصفحات لمناقشة هذه القضية، يُقرّ قائلاً: "الخبر السار، بالطبع، هو أن مُعظمها لم يحدث قط". ومع ذلك، يُواصل بينكر مُجادلةً بأن حقيقة أن الناس في إسرائيل القديمة كانوا يروون قصصًا عن العنف تُشير إلى أنهم كانوا جزءًا من مجتمع عنيف للغاية، حيث كتب:

صحيح أن العهد القديم العبري يضم روايات كثيرة تتحدث عن حروب "مقدسة" وأعمال عنف تنسب إلى أنبياء بني إسرائيل — كحروب "الرب" التي وردت في أسفار موسى ويشوع وداود وسليمان — إلا أننا كمسلمين نؤمن أن هذه الروايات مشوّهة ولا تعبّر عن الحقيقة. فهؤلاء الأنبياء، من منظور الإسلام، كانوا دعاة هدى وسلام، لا أهل اعتداء ولا مرتكبي مذابح جماعية. يقول الله تعالى في القرآن: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}، وهذه قاعدة أخلاقية عامة تنسحب على جميع الأنبياء الذين بعثهم الله.

وبعيدًا عن المنظور الديني، فإن كثيرًا من مشاهد العنف الواردة في الكتاب المقدس العبري تُصوَّر بوصفها بطولات تُروى بإعجاب، مثل إبادة الكنعانيين التي تُقدَّم بصيغة انتصار ربّاني. لكن من المهم أن نُدرك أن هذه النصوص كُتبت بأقلام أفراد ينتمون إلى طبقة دينية نُخبوية معينة، لها مصالحها وتوجهاتها اللاهوتية والسياسية.

وبالتالي، لا تمثل هذه النصوص بالضرورة ما كان يؤمن به عموم بني إسرائيل أو يهوذا القديمة، بل تعكس فقط تصوّرات النخبة الكاتبة — وهي تصوّرات لا ينبغي التعامل معها بوصفها تمثيلًا موضوعيًا أو محايدًا للتاريخ.

بين الأعمدة | مدرسة الشمامسة | كنيسة السيدة العذراء بالدقي

"وقال شمشون: «لتمت نفسي مع الفلسطينيين». وانحنى بقوة فسقط البيت على الأقطاب وعلى كل الشعب الذي فيه، فكان الموتى الذين أماتهم في موته، أكثر من الذين أماتهم في حياته. فنزل إخوته وكل بيت أبيه وحملوه وصعدوا به ودفنوه بين صرعة وأشتأول، في قبر منوح أبيه. وهو قضى لإسرائيل عشرين سنة." (قض 16: 30-31).

تقييم ستيفن بينكر للمسيحية المبكرة والإمبراطورية الرومانية

بعد مناقشة العهد القديم، ينتقل ستيفن بينكر إلى الحديث عن العهد الجديد، والإمبراطورية الرومانية، والمسيحية المبكرة. يبدأ باقتباس من إنجيل 

يقول المسيح في إنجيل متى [10: 34–37]:

«لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض؛ ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا.
لأني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها.
ويكون أعداء الإنسان أهل بيته.
من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني.»

ومع ذلك، لا يكلّف ستيفن بينكر نفسه عناء التأمل في مثل هذه النصوص التي تُنسب للمسيح في الأناجيل، ولا يسأل كيف تُستخدم أو كيف فُسّرت تاريخيًا. فحتى إذا أخذنا هذا النص بظاهره، فإنه يتحدث عن صراع داخلي وانقسام حاد قد يحدث بسبب الولاء للمسيح، وهو ما يمكن أن يُفهم على أنه دعوة ضمنية إلى المفاصلة والقطيعة.

مع ذلك، لا يمكن إنكار أن النص ظاهريًا يحمل طابعًا صداميًا، ويُستخدم أحيانًا لتبرير مواقف متشددة في التاريخ الكنسي، خاصة خلال العصور الوسطى.

في المقابل، عنف العصر الحديث، وبالأخص العنف الإلحادي المنظّم كما في نماذج مثل ستالين وماو وتفجيرات هيروشيما وناغازاكي، لا يستند حتى إلى "معتقد ميتافيزيقي"، بل إلى عقلانية مادية باردة، ترى الإنسان مجرد رقم في معادلة سياسية. وهذا يجعل الفارق شاسعًا بين "عنف رمزي" في نص ديني يحتمل التأويل، وعنف واقعي منهجي دمّر مدنًا بأكملها وأباد ملايين البشر في غضون لحظات.

 ما هي القنبلة النووية ..! 

مشهد تصويري درامي وواقعي لحجم الدمار الذي تسببت فيه القنبلة النووية الأمريكية على هيروشيما وناغازاكي

العنف في الإمبراطورية الرومانية

ينتقل بينكر بعد ذلك إلى الحديث عن الأساليب الوحشية التي كان الرومان يستخدمونها في إعدام المجرمين وأسرى الحرب في الساحات العامة. وهو محق في أن هذه المشاهد كانت دموية وصادمة، لكنه يتجاهل عمدًا أن كثيرًا من الناس في ذلك الوقت كانوا يرونها مقززة.

فعلى سبيل المثال، كتب الفيلسوف الرواقي سينيكا الأصغر (4 ق.م - 65 م) في إحدى رسائله إلى لوسيليوس (الرسالة السابعة) عن زيارته لإحدى ساحات القتال في فترة الراحة بين نزالات المصارعة، حيث كان يأمل في بعض الترفيه الهادئ، لكنه صُدم من مشهد الإعدامات الوحشية. يقول سينيكا، بحسب ترجمة ريتشارد موت غومير:

"ذهبت لحضور عرض منتصف النهار، على أمل أن أرى شيئًا من التسلية والراحة، لكنني فوجئت بذبح دموي خالٍ من أي فن أو رحمة. في الصباح يُلقون الرجال إلى الأسود والدببة، وفي الظهيرة يُلقونهم إلى الجمهور. الكل يُقتل بلا دروع، بلا دفاع، بلا مهارة. الجمهور يُطالب بالمزيد من الدماء. قد تقول: 'لكنه كان قاتلًا، يستحق الإعدام.' لكن ما هي جريمتي أنا كي أُرغم على مشاهدة هذا الرعب؟"

بينكر مُحقٌّ في قوله إن المصارعين كانوا يُقتلون أحيانًا في ساحات القتال، لكن لجهله بالتاريخ لم يكن امر هكذا دائما 

فعلى عكس المجرمين وأسرى الحرب الذين أُرسلوا إلى الساحة خصيصًا للإعدام، كان المصارعون عبيدًا خضعوا لتدريب احترافي على يد مدرّبين يُعرفون باسم لانيستا، وذلك من أجل الترفيه العام. وقد بلغت كلفة شرائهم وتدريبهم مبالغ باهظة، كما كان هناك نقص في العبيد المؤهلين لأداء دور المصارعين. ولهذا السبب، لم يكن مالكو المصارعين سعداء بموتهم أثناء القتال.

من هنا، نشأ في أوائل عهد المصارعة نظام معقّد من القواعد والعقوبات صُمِّم خصيصًا للمحافظة على حياة المصارعين لأطول فترة ممكنة. وكان المصارعون المصابون يتلقون أفضل رعاية طبية متاحة في ذلك الوقت. ويقدّر المؤرخون أن معركة واحدة فقط من كل عشر معارك مصارعة كانت تنتهي بالموت.

لكن هذا لا يعني أن تلك المعارك لم تكن مروعة، أو أنها كانت شبيهة بالرياضات القتالية الحديثة؛ فالمصارعون كانوا عبيدًا أُجبروا على القتال، وقد لقي كثير منهم حتفهم فعلًا. ولو أن مباراة ملاكمة واحدة من كل عشر مباريات انتهت بمقتل أحد الملاكمين، لأمكننا أن نتوقع أن تُحظر هذه الرياضة سريعًا. ومع ذلك، لم تكن معارك المصارعة في الواقع دموية بالقدر الذي تصوّره لنا الأفلام والمسلسلات الحديثة.

أما عن ادعاء ستيفن بينكر بأن إشارات الإبهام للأعلى أو الأسفل كانت تعبيرًا من الجمهور لإعطاء الأمر بقتل الخصم، فهو ادعاء خاطئ من عدّة جوانب:

  1. أولًا، ليس من المؤكد أن الجمهور هو من كان يوجّه هذه الإشارات، بل قد يكون "المحرّر" (وهو المسؤول الحكومي المشرف على المباراة) هو من كان يقرر مصير المصارع.

  2. ثانيًا، تشير العبارة اللاتينية pollice verso (وتعني "بإبهام مُدار") إلى الإشارة التي يُعتقد أنها كانت تُستخدم لحثّ المصارع على قتل خصمه. ويُرجّح أن هذه الإشارة لم تكن تعني خفض الإبهام للأسفل كما يُشاع، بل ربما كانت تعني إدارة الإبهام جانبًا. أما إشارة العفو عن المصارع، فكانت تُوصف بـ pollice compresso، أي "بإبهام مضغوط"، ويُرجّح أنها كانت تعني قبضة مغلقة وليس رفع الإبهام للأعلى.

  3. لثالثًا، من الجدير بالذكر أن المحررين، لا سيما في العصر الإمبراطوري، كانوا يعتبرون من غير اللائق أن يأمروا بقتل خصم قاتل ببراعة أو شجاعة. ومن أندر المواضع التي وردت فيها عبارة pollice verso في الأدب اللاتيني القديم، قصيدة ساخرة كتبها الشاعر المسيحي برودينتيوس (عاش نحو 348 – نحو 413م)، ينتقد فيها إحدى عذارى فيستاليا لأنها كانت تحث المصارعين دائمًا على قتل خصومهم.  

    يزعم بينكر أن الصلب في الإمبراطورية الرومانية كان "عقابًا شائعًا"، مدعيًا أن يسوع الاناجيل "أُدين بإثارة شغب بسيطة" وأنه صُلب بين "لصين عاديين". إلا أن هذا يُعدّ تحريفًا متعمدًا لرواية الإنجيل.

    لا تذكر الأناجيل أن يسوع "أُدين بإثارة شغب بسيطة"؛ بل على العكس، وِفقًا للأناجيل، اتُّهم بادعاء أنه "ملك اليهود"، وهو ما كان يُعتبر، بالنسبة للرومان، جريمة سياسية بالغة الخطورة. من وجهة نظر الرومان.

    في حقيقة كان الصلبُ شكلاً فظيعًا وغير إنساني وشريرًا من أشكال الإعدام، واستخدام الرومان له أمرٌ حقير. ومع ذلك، لم يُطبَّقوه على أي شخص يُدان حتى بأدنى مخالفة. والجدير بالذكر أن المواطنين الرومان كانوا يُعفون عادةً من الصلب. كان يُطبق عادةً على العبيد والرُّحَّل (أي غير المواطنين)، وحتى في هذه الحالة، كان يُطبق عادةً على الجرائم الخطيرة كالقتل والسرقة والتمرد والقرصنة.

    يشير بعض المؤلفين الرومان إلى الصلب بـ"أشد أنواع العقوبة قسوةً وبشاعة." 

    في هذا الباب . يكتب الخطيب الروماني ماركوس توليوس شيشرون (عاش 106–43 قبل الميلاد) في كتابه "الدفاع عن رابيريوس" 5.16، بترجمة ويليام بليك تيريل:

    "ويلٌ لفقدان المرء سمعته الطيبة في المحاكم العامة، وويلٌ أيضًا لغرامة مالية تُفرض على ممتلكاته، وويلٌ للنفي، ولكن مع ذلك، يبقى في كل مصيبةٍ أثرٌ من الحرية. حتى لو وُضع الموت أمامنا، فقد نموت أحرارًا.
    لكن ليُبعَد الجلاد، وغطاء الرأس، وحتى كلمة 'صليب'، ليس عن أجساد المواطنين الرومان فحسب، بل حتى عن أفكارهم وأعينهم وآذانهم.
    إن نتائج هذه الأفعال ومعاناتها، وكذلك وضعُها، بل وتوقعُها، بل ومجرد ذكرها في النهاية، لا يليق بمواطن روماني ورجل حر.
    أم أن لطف أسيادهم يُحرر عبيدنا من خوف كل هذه العقوبات بضربة واحدة من عصا العِتق، فلا مآثرنا ولا حياتنا ولا التكريم الذي منحتمونا إياه سيُحررنا من الجلد، ومن الخطاف، وأخيرًا، من رعب الصليب؟"

    بعبارة أخرى، أدرك الرومان تمام الإدراك أن الصلب كان عملاً وحشيًّا ومتطرفًا.

    يواصل بينكر حديثه مطولاً عن تبجيل المسيحيين الأوائل للشهداء الذين سقطوا بوحشية مروعة. مع ذلك، فإن معظم القصص التي يرويها ربما تكون خيالية. كان المسيحيون الأوائل مولعين باختلاق قصص عن شهداء شجعان حافظوا على إيمانهم حتى في مواجهة أقسى الممارسات التي يمكن تخيُّلها، لأن هذه القصص تُصوِّرهم على أنهم صالحون والسلطات الرومانية على أنهم أشرار. صحيح أن بعض المسيحيين استُشهدوا بالفعل، ولكن ليس بالقدر الذي توحي به القصص.

    تقييم بينكر لمحاكم التفتيش والتعذيب والهرطقة

    يتحدث ستيفن بينكر كثيرًا عن العصور الوسطى، ويُكثر من الاستشهاد بمحاكم التفتيش الإسبانية، ووسائل التعذيب المستخدمة فيها، مُصورًا إياها وكأنها ذروة الانحطاط الإنساني. ولا شك أن هذه الحقبة شهدت بالفعل ممارسات عنيفة، واضطهادًا للمسلمين واليهود، وتعذيبًا لبعض المتهمين بالهرطقة. ولكن رغم ذلك، فإن حجم القتل والتعذيب الذي وقع خلال قرون من عمل محاكم التفتيش، لا يقارن بمعدلات العنف والقتل اليومي في بعض الدول الحديثة.

    فمثلًا، في الولايات المتحدة اليوم، يُسجّل ما معدله أكثر من 100 جريمة قتل يوميًا، بحسب تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ومراكز الإحصاء الجنائي. وهذا يعني أن ما يحدث في أيام قليلة في أمريكا الحديثة قد يعادل أو يتجاوز عدد من قتلوا في سنوات من عمل محاكم التفتيش.

    بل إن المقارنة تصبح أكثر وضوحًا حين نضع في الاعتبار أن محاكم التفتيش — رغم بشاعتها — كانت محصورة في نطاق ديني ضيق، وخضعت لتغيرات تاريخية معقدة، في حين أن العنف في العصر الحديث يجري في سياق مدني، علماني، وتحت أنظمة ديمقراطية، يُفترض فيها أنها وصلت إلى "قمة الرقي".

    إن تصوير العصور الوسطى على أنها حقبة ظلم مطلق، مقابل تصوير العصر الحديث على أنه عصر النور والرحمة، هو نوع من الانتقائية التاريخية. فالعلمانية الحديثة نفسها مارست عنفًا ممنهجًا عبر الحروب الاستعمارية، والإبادات الجماعية، ومجازر القرن العشرين، ولم تكن بريئة من الوحشية بحال.

    رائع، ملاحظاتك شديدة الأهمية، وتكشف عن فهم نقدي عميق لرؤية ستيفن بينكر. إليك نسخة مُعاد صياغتها بلغة أكثر احترافية، وتركيزًا أكثف على ما وصفته بـ"النظرة الاستعمارية العميقة"، مع الحفاظ على مضمونك وتوسيعه بأسلوب أكاديمي وسلس:

    بينكر ونزع الطابع الأخلاقي عن الاستعمار: قراءة في النزعة الاستعلائية لروايته التاريخية

    يتبنى ستيفن بينكر رؤية شديدة التبسيط ومشحونة بنزعة استعلائية حين يصور التاريخ البشري كما لو أنه كان غارقًا في الظلام والهمجية حتى بزغ فجر التنوير في أوروبا الغربية. ففكرة أن العالم قبل الحداثة كان فضاءً للفوضى والعنف العبثي، وأن "عصر التنوير" هو منقذ البشرية الأوحد، لا تمثل فقط اختزالًا مخلًا ومعيبًا للتاريخ، بل تُغذي - وإن بشكل غير مباشر - سردية استعمارية خطيرة تُبرر السيطرة الغربية على بقية شعوب الأرض.

    فـ"التنوير" الذي يُمجده بينكر محصور جغرافيًا وزمانيًا؛ إذ لا يعترف بأي إسهام تنويري حقيقي خارج نطاق أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. بل حتى مفكرو التنوير في أوروبا الشرقية نادرًا ما يُذكرون في طروحاته. أما عن مساهمات الحضارات الإسلامية، أو الفكر الفلسفي والأخلاقي في الهند والصين، أو ثقافات أمريكا اللاتينية وأفريقيا، فليس لها وجود يُذكر في روايته، وكأن هذه الشعوب لم تعرف العقل ولا الفضيلة ولا السعي نحو السلام إلا حين "هداها" الغرب إلى طريق النور.

    الأخطر من ذلك هو ما يُفهم ضمنًا من هذه الرواية: فحين تُصور المجتمعات الأصلية على أنها قبائل متوحشة غارقة في العنف البدائي، وتُقابل بحضارة "السلام" الغربية، فإن الاستنتاج المنطقي - وإن لم يُصرّح به بينكر صراحة - هو أن الاستعمار كان ضرورة أخلاقية، وأن الغرب أحسن صنعًا حين "نقل الحضارة" إلى العالم المتخلف!

    إن هذا النوع من السرد يُعيد إنتاج الذرائع الاستعمارية القديمة بثوب جديد: الاستعمار كمشروع تنويري. وكأن المجازر والإبادات والاستغلال الوحشي في أفريقيا وآسيا كانت مجرد "أضرار جانبية" على طريق التقدُّم. ولكن الحقيقة التاريخية، كما في حال الاستعمار الفرنسي في الجزائر، والإيطالي في ليبيا، والبلجيكي في الكونغو، تُظهر أن ما نُقل إلى هذه البلاد لم يكن "النور" بل النار: التعذيب، النهب، فرض الثقافة بالقوة، وتجريف القيم المحلية لصالح ثقافة المستعمر.

    ورغم أن بينكر لا يُصرّح بتبرير الاستعمار، فإن تجاهله المنهجي لمآسيه، وسرده الانتقائي للتاريخ، يُنتج خطابًا يُبرره ضمنًا.

    العنف الحديث: الوجه الخفي لعصر "العقل"

    يزعم بينكر أن العنف في تراجع مستمر، وأن البشرية قد تجاوزت فصولها الأكثر دموية. لكنه يتجاهل حقيقة أن أكثر قرون البشرية دمويّة جاءت بعد "التنوير"، وتحديدًا في ظل أنظمة حديثة علمانية، كانت تدّعي التقدُّم والعقلانية. ففي القرن العشرين وحده، شهد العالم حربين عالميتين راح ضحيتهما عشرات الملايين، فضلًا عن الإبادة الجماعية في الهولوكوست، والتطهير العرقي في رواندا، والتهجير القسري في فلسطين، والحروب الأهلية المتكررة.

    واللافت أن هذه المجازر لم تُرتكب باسم الأديان، بل غالبًا باسم القومية، أو الاشتراكية، أو "التحضر". إنها منتجات مباشرة لـ"الحداثة" التي نزع عنها بينكر أي مسؤولية أخلاقية.

    ثم يأتي السؤال الأهم: هل اختفاء الدين من الفضاء العام الغربي أدّى فعلًا إلى مجتمعات أكثر سلمًا؟ الواقع يُكذّب ذلك. ففي قلب الدول الغربية ذاتها، ما تزال الجريمة المنظمة، والعنف الفردي، والانتحار، والمخدرات، والانعزالية النفسية، تهدد الاستقرار الاجتماعي. وفي أمريكا على سبيل المثال، يُقتل أكثر من 100 شخص يوميًا، في جرائم معظمها فردية، أي دون سياقات حرب أو اضطراب سياسي.

    فهل هذا هو "العصر الذهبي" للعقل؟ أم أن الإنسان حين فقد البوصلة الروحية، لم يجد ما يمنعه من الانحدار إلى وحشية من نوع جديد، مقنّعة بثياب الحداثة والتقنية؟

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
الباحث بالدارجة مرحبًا بكم في عالم نكشف فيه أسرار الماضي، نعيد قراءة الحقائق الغائبة، ونصحح المغالطات الرائجة. هنا حيث يلتقي التاريخ بالدقة، وتتجلى الحقائق بعيدًا عن التشويش والزيف. جميع روابط التواصل الاجتماعي https://linktr.ee/albahtalbahit