معنى القرآن وأصله اللغوي بين الاشتقاق والتسمية

نوفمبر 6, 2025 - 05:57
 0
معنى القرآن وأصله اللغوي بين الاشتقاق والتسمية

تعريف القرآن

كلمة "قرأ" تأتي في أصلها بمعنى الجمع والضمّ. ومنه سُمّيت القراءة، لأنها ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل.
والـقرآن في الأصل كالقراءة، فهو مصدر من قرأ قراءةً وقرآنًا. قال تعالى:

﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17–18].

أي: قراءته. فهو مصدر على وزن فُعلان بالضم، مثل غفران وشكران. تقول: قرأته قرءًا وقراءةً وقرآنًا بمعنى واحد.
ثم سُمِّي به المقروء نفسه، تسميةً للمفعول بالمصدر.

وقد خُصَّ اسم القرآن بالكتاب المنزل على محمد ﷺ، حتى صار له كالعلم الشخصي لا يُطلق على غيره.
ويُستعمل بالاشتراك اللفظي على مجموع القرآن كله، وعلى كل آية من آياته، فيصح أن يقال لمن يتلو آية منه: إنه يقرأ القرآن، لقوله تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204].

وذكر بعض العلماء أن تسمية هذا الكتاب قرآنًا من بين سائر كتب الله جاءت لكونه جامعًا لثمرات كتبه السابقة، بل لجمعه ثمرات جميع العلوم، كما أشار تعالى بقوله:

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]،
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38].

وذهب بعض العلماء إلى أن لفظ القرآن غير مهموز الأصل في الاشتقاق، إما لأنه عَلَمٌ مرتجل على كلام الله المنزل على النبي ﷺ وليس مشتقًا من "قرأ"، أو لأنه من قرن الشيءَ بالشيء إذا ضمَّه إليه، أو من القرائن لأن آياته يشبه بعضها بعضًا، فالنون أصلية.
غير أن هذا القول مرجوح، والصواب أنه مشتق من "قرأ" بمعنى الجمع والضم.

أما من جهة التعريف المنطقي، فإن القرآن الكريم يتعذّر تحديده تحديدًا حدّيًا بالأجناس والفصول كما يُفعل في سائر الأشياء، لأن حقيقته أسمى من ذلك.
فالحدّ الحقيقي له هو أن يُستحضر معهودًا في الذهن أو مشاهدًا بالحسّ، كأن تشير إليه مكتوبًا في المصحف أو مقروءًا باللسان، فتقول:

هو ما بين الدفّتين، من قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 1–2]
إلى قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 6].


ثانيًا: تعريف القرآن اصطلاحًا

القرآن هو:

اللفظ العربي المعجز، الموحى به إلى محمد ﷺ بواسطة جبريل عليه السلام، المنقول بالتواتر، المكتوب في المصحف، المتعبَّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس.

  • المتعبَّد بتلاوته: ليُخرج الحديث القدسي، إذ هو من الله معنىً ومن النبي ﷺ لفظًا، ولا يُتعبَّد بتلاوته.

  • كلام الله: إضافة الصفة إلى الموصوف، فالقرآن كلام الله حقيقةً، سمعه جبريل من الله جل وعلا، ونزل به على النبي ﷺ.
    ومن زعم أنه مخلوق فقد قال قولًا باطلًا يُخرج عن دائرة الإسلام.


شرح عناصر التعريف

أ- المعجز

القرآن هو المعجزة الكبرى لرسول الله ﷺ، وقد أعجز العرب ـ وهم أهل الفصاحة والبيان ـ بما تضمنه من بلاغةٍ وفصاحةٍ، وأخبار الغيب، وتشريعاتٍ دقيقةٍ صالحةٍ لكل زمانٍ ومكان.
قال تعالى:

{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].

ثم تحدّاهم بعشر سور فقال:

{قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13].

ثم بسورة واحدة:

{فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23].


وجه الإعجاز القرآني:
يحلو لبعض العلماء أن يروا وجوهًا متعددة لإعجاز القرآن الكريم، ففريق يرى إعجازه في إخباره بالغيب، وآخر في نظامه التشريعي أو الاجتماعي، أو في علوم الجناية والاقتصاد والفلك والطب، وغيرها من العلوم التي لا تُحصى. ويستدل بعضهم على ذلك بقوله تعالى:

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].

وقد بالغ بعض الباحثين في ما يُعرف بالإعجاز العلمي، حتى حمّلوا النصوص القرآنية ما لا تحتمل، وأولوها تأويلًا متعسفًا لا يقرّه العقل في كثير من الأحيان.

ونحن لا ننكر أن القرآن الكريم يتسع لمعانٍ علمية أشار إليها البشر في بعض المجالات، كعلم الطب والفلك وغيرها، وقد أبرز علماء التفسير هذه المعاني وبيّنوا مدى مطابقتها للواقع، واحتمال الآيات لها. فهذه العلوم قد تُصَدِّق القرآن، ولكنها ليست وجهًا من وجوه الإعجاز.

لذلك فإننا نحصر وجه الإعجاز القرآني في الوجه الذي تحدّى به القرآنُ العربَ كافة، وهو إعجاز اللفظ والنظم والبيان؛ إذ هو التحدي القائم منذ نزول القرآن إلى يومنا هذا، وسيبقى الشاهد الأعظم على مصدره الإلهي.

فالقرآن لم يتحدَّ العرب بالإخبار عن الغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد زمن، ولا بعلمٍ يعجز عن إدراكه المخاطبون به من العرب، ولا بشيءٍ خارجٍ عن النظم والبيان.

وإن ما في القرآن من أخبار الغيب، ودقائق التشريع، وعجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك دليل على أنه من عند الله، لكنه ليس هو وجه الإعجاز المقصود بالتحدي، لأن التحدي إنما كان في نظمه وبيانه المباين لكلام البشر.

لقد بدأ التحدي بقول الله تعالى:

﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].

ثم خُفِّفَ التحدي إلى عشر سور فقال تعالى:

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣].


محاولات معارضة القرآن

وقد حاول بعض الكفار معارضته، فعجزوا، ومن ذلك ما قاله مسيلمة الكذاب تقليدًا لسورة الفيل:

الفيل، وما أدراك ما الفيل،
له ذَنَبٌ وبِيل، وخُرطومٌ طويل،
وإنّ ذلك من خلق ربّنا الجليل.

ومن جهله أنه استعمل عبارة "وما أدراك" في سياق المشاهد، بينما لا تأتي هذه العبارة في القرآن إلا في سياق الغيب، مثل:

{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة: 3]
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ} [المدثر: 27]
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} [الانفطار: 17–18]
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} [المطففين: 8]
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} [المطففين: 19].


قصة الفيلسوف الكِندي مع سورة المائدة

ذُكر أن يعقوب بن إسحاق الكِندي ـ الفيلسوف المعروف ـ حاول أن يعارض القرآن، فقال له تلاميذه:
قالوا يا شيخنا اعتزلت؟ فقال: أريد أن أكتب كتاباً أبلغ من القرآن؛ ففتح المصحف وهو وحده في الغرفة، فوقعت عينه على قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى في أول سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة:١] فتوقف ورفع القلم، وضرب رأسه، وقال: نادى، وأمر، ونهى، واستثنى، وبين، وختم في آية، فأتى ليرد جسمه فوجد نصف جسمه قد يبس وشل: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ} [فصلت:١٦]

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
الباحث بالدارجة مرحبًا بكم في عالم نكشف فيه أسرار الماضي، نعيد قراءة الحقائق الغائبة، ونصحح المغالطات الرائجة. هنا حيث يلتقي التاريخ بالدقة، وتتجلى الحقائق بعيدًا عن التشويش والزيف. جميع روابط التواصل الاجتماعي https://linktr.ee/albahtalbahit