هل تأكل الأرض أجساد الأنبياء؟ بين النقل والعقل والشهادة الصحابية

سبتمبر 21, 2025 - 16:45
سبتمبر 21, 2025 - 17:59
 1
هل تأكل الأرض أجساد الأنبياء؟ بين النقل والعقل والشهادة الصحابية

ورد في بعض الأحاديث، بطرق ضعيفة، لفظ: "إنَّ اللَّهَ حرَّم على الأرض أن تأكُلَ أجسادَ الأنبياءِ". لكن مجموع طرق الأحاديث الصحيحة يؤكد أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء كما في الحديث الصحيح:

"إنَّ اللَّهَ حرَّم على الأرض أن تأكُلَ أجسادَ الأنبياءِ".

خلاصة حكم المحدث: مخرج في صحيح أبي داود.

المحدث: الألباني
المصدر: الآيات البينات، الصفحة أو الرقم: 43
التخريج: أخرجه النسائي (1374)، وابن ماجه (1636)، وأحمد (16162)، جميعهم بلفظه تمامًا.

ولا شك أن الله طهّر أجساد الأنبياء من أن تبلى. وقد يقول معترض إن هذا يخالف طبيعة التحلل، فكل الكائنات تتحلل في الأرض. والرد: هذه دعوى تحتاج إلى دراسة دقيقة، فقد وُجدت كائنات لم تتحلل رغم مرور آلاف السنين عليها، مثل الماموث الصوفي الذي بقي على حاله منذ آلاف السنين.

هل يمكن إحياء الماموث الصوفي قريباً؟ - Arsco

قد يعترض آخر بالقول: "لكن الماموث بقي على حاله بسبب عوامل طبيعية ساعدت على عدم تحلله، كالتجمد"، فنرد: إذاً بطلت الدعوى الأولى، فالبكتيريا وغيرها تسهم في تحلل الجثث بسرعة، لكن هناك عوامل تمنع تحلل بعض الجثث.

وقد يقول معترض آخر: "البشر اليوم يُدفنون في ظروف طبيعية تساعد على التحلل بسرعة، خصوصًا في المدينة المنورة ذات المناخ الحار، فكيف يمكن التحقق من دعوى أن الأنبياء لا تأكلهم الأرض؟" 
والجواب: هذا أكبر دليل على صدق النبوة، لأن الحقائق لم تُخف. لكن قد يتعرض اخر فيقول انكم انتم المسلمين تخفون الحقائق 

فقد ورد في حديث وكيع عن عبد الله البهي أن:

"أبا بكر الصديق جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فأكب عليه فقبله، وقال: بأبي وأمي ما أطيب حياتك وميتتك. وكان ترك يومًا وليلة حتى ربا بطنه -أي انتفخ- وانثنت خنصراه، كأنه تغير بالموت."

ومعلوم أن وكيع كان مهددًا بالقتل من أهل مكة والمدينة لما نقل هذا الحديث.

ونقول: لو كان المسلمون يخفون الحقائق لما وصل الحديث إليكم أصلًا، فهذا الحديث مدون في كتب السير وكتب المحدثين وغيرها. ولو أراد المسلمون إخفاء شيء، لكان النبي صلى الله عليه وسلم اخفى قوله تعالى  : "عبس وتولى أن جاءه الأعمى"، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

"ولو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من الوحي لكتمت الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}"** [الأحزاب: 37].

ولو كان المسلمون يخفون الحقائق، لما نُقل شيء، ولما سار الدين على الصدق والحق. فلو كان الأمر خلاف ذلك، لكانت الدعوة باطلة من جهة النقل والعقل، لأن الثابت بالعادة أن الناس لا يتواطأون على الكذب جماعيًا.

والنبوة منقولة بتواتر معنوي ولفضي ، أي بمجموع الدلائل، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء بالحق، وصحابه جاهدوا بأنفسهم وأموالهم وأولادهم في سبيل هذه الدعوة، حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يثبت صدق الدعوة .

ثم إن هذه الرواية باطلة من جهة السند والمتن، لأن الرواية لا تكون صحيحة إلا إذا تحققت شروط خمسة:

  1. اتصال السند.

  2. عدالة كل راوٍ من رواة الحديث.

  3. تمام ضبط كل راوٍ.

  4. سلامة السند والمتن من الشذوذ.

  5. سلامة السند والمتن من العلة القادحة.

إذا تحققت هذه الشروط، كان الحديث صحيحًا، وإذا اختل أي منها، أصبح الحديث ضعيفًا.

أما هذه الرواية فقد ورد فيها عبد الله البهي، مولى مصعب بن الزبير، وهو ضعيف لا يُحتج به كما قال أبو حاتم الرازي في علل الحديث: "لا يُحتج بحديثه، وهو مضطرب الحديث".

ثانيًا، سواء صحت الرواية أو ضعفت، فلا شيء فيها يدل على دعوى تحلل الجثث أصلًا. فهؤلاء الذين يدعون ذلك جاهلون، لأن معنى قوله "وانثنت خنصراه" أي مال أصبعه "الخنصر"، وهي علامة على الموت، لا على تحلل الجثة، وهذا ما فهمه وكيع من الحديث.

وقد ورد أن عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم عمر بن الخطاب، قالوا: "لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فأراد الله أن يريهم آية الموت.

فكان هذا تأويل وكيع لهذا الحديث، إذ أن بعض الصحابة، من شدة هول المصيبة، لم يصدقوا أن النبي صلى الله عليه وسلم مات، حتى قال عمر بن الخطاب:

"إني لأرجو أن يأتي فيقطع أيدي وأرجل رجال يزعمون أن محمدًا قد مات".

وهذا مصداق قوله تعالى:

"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ" [آل عمران: 144].

قال عمر بن الخطاب لما تلا أبو بكر هذه الآية: "كأنها نزلت الآن".

ومعنى هذه الرواية، حتى وإن كانت ضعيفة، لا يلغي الحق، بل هم مأجورون كما قال الذهبي في غيرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ تخيلوا من إشاعة هذا الخبر المردود غضبًا، ما لمنصب النبوة، وهو في بادئ الأمر قد يوهم بذلك.

أما الحقيقة المؤكدة من أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، فقد شهد صحابة ذلك. فقد بقي النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام في غرفته دون دفن، وكانت رائحته مثل المسك. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

"لَمَّا اجْتَمَعَ الْقَوْمُ لِغَسْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ إِلَّا أَهْلُهُ: عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَقُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَصَالِحٌ مَوْلاهُ... وَكَانَ الْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ يُقَلِّبُونَهُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَصَالِحٌ مَوْلاهُمَا يَصُبَّانِ الْمَاءَ، وَجَعَلَ عَلِيٌّ يَغْسِلُهُ، وَلَمْ يُرَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ مِمَّا يُرَاهُ مِنَ المَيِّتِ، وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي وَأُمِّي، مَا أَطْيَبَكَ حَيًّا وَمَيِّتًا..."

رواه أحمد في المسند (4/187)، وقال المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة: "حسن لغيره". وانظر الخصائص الكبرى للسيوطي (2/469-492).

وهذا دليل مادي شاهده مجموعة من الصحابة، ولم يكن الصحابة يقتصرون على نبي واحد فقط، فقد دُفن نبي آخر لم يُدفن في قبره مدة ألف عام ونيف، وهو النبي دانيال عليه السلام.

فقد روى ابن أبي شيبة (7/4) بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه:

"لَمَّا فَتَحُوا تُسْتَرَ، فَوَجَدُوا رَجُلًا أَنْفُهُ ذِرَاعٌ فِي التَّابُوتِ، كَانُوا يَسْتَظْهِرُونَ وَيَسْتَمْطِرُونَ بِهِ. فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ عُمَرُ: إِنَّ هَذَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالنَّارُ لَا تَأْكُلُ الْأَنْبِيَاءَ، وَالأَرْضُ لَا تَأْكُلُ الْأَنْبِيَاءَ، فَكَتَبَ: انظر أنت وأصحابك، فادفنه في مكان لا يعلم أحد غيركم، فذهبنا أنا وأبو موسى فدفنّاه".

كما روى ابن أبي الدنيا بسند حسن في البداية والنهاية (2/379) أن هذا الرجل هو نبي دانيال عليه السلام.

وبما أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء كما تقدم، فقد اختلف أهل العلم في جثمان الشهيد، والشهيد هو من شهد له الله أو رسوله بشهادة. لكن لا شيء صريح في أن جثث الشهداء لا تتحلل، رغم أن هناك مواقف مؤكدة. فقد اخر البخاري عن عروة بن الزبير 

لَمَّا سَقَطَ عليهمُ الحَائِطُ في زَمَانِ الوَلِيدِ بنِ عبدِ المَلِكِ، أخَذُوا في بنَائِهِ فَبَدَتْ لهمْ قَدَمٌ، فَفَزِعُوا وظَنُّوا أنَّهَا قَدَمُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَما وجَدُوا أحَدًا يَعْلَمُ ذلكَ حتَّى قالَ لهمْ عُرْوَةُ: لا واللَّهِ ما هي قَدَمُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ما هي إلَّا قَدَمُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه.

وايضا كان جماعة من الصحابة الذين أكرمهم الله تعالى بالشهادة يوم أحد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بدفنهم في أرض المعركة.

  • وذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية أنه في مسند الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أن قتلى أحد حُملوا من مكانهم، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعدوا القتلى إلى مضاجعهم".

  • وروى البيهقي عن جابر بن عبد الله أن معاوية أجرى العين عند قتلى أحد بعد أربعين سنة، فاستُصِرخوا فأخرجوا القتلى، فأصابت المسحاة قدم حمزة فانبعث دم، وفي رواية ابن إسحاق عن جابر: "فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس".

  • وذكر الواقدي أن معاوية لما أراد أن يجري العين، نادى مناديه: "من كان له قتيل بأحد فليشهد"، فحفروا عنهم فوجدوا أبيه في قبره كأنما هو نائم، ووجدوا جاره عمرو بن الجموح ويده على جرحه فأزيلت عنه فانبعث دم، ويقال إنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك، رضي الله عنهم أجمعين، وذلك بعد ست وأربعين سنة من يوم دفنهم.

وأيضًا، حدث في وقت قريب جدًا في مقبرة البقيع في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في عام 1976 كان هطول أمطار غزيرة على المدينة المنورة، وشكلت سيولاً شديدة في منطقة جبل أحد حيث تم دفن سبعين صحابيًا من شهداء معركة أحد.

يقول عالم الدين العراقي محمد محمود الصواف ـ رحمه الله:

"عندما هطلت هذه الأمطار الغزيرة وشكلت السيول العنيفة، كشفت السيول قبور الصحابة الكرام. فشكل الملك فيصل لجنة من علماء المسلمين لإعادة دفن هؤلاء الصحابة ونقلهم إلى مكان آخر".

صورة

                                                         أيوب خان عند قبر  حمزة بالقرب من المدينة المنورة

ويضيف الصواف:

"كنت ممن فتح قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ورأيته عظيم الجثة قوي البنية، وقد بُقر بطنه وجُدع أنفه ومُثل به، وقد وُضعت يديه على بطنه، فلما رفعناه سقطت يده عن بطنه وتدفق الدم القاني من جديد وكأنه قتل للتو". وهذا النقل متواتر بين الناس، وما زال بعض من سمعه من محمد الصواف على قيد الحياة.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 3
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 1
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 1
الباحث بالدارجة مرحبًا بكم في عالم نكشف فيه أسرار الماضي، نعيد قراءة الحقائق الغائبة، ونصحح المغالطات الرائجة. هنا حيث يلتقي التاريخ بالدقة، وتتجلى الحقائق بعيدًا عن التشويش والزيف. جميع روابط التواصل الاجتماعي https://linktr.ee/albahtalbahit