هل كان أرسطو وسقراط موحدين؟

أغسطس 10, 2025 - 21:23
سبتمبر 15, 2025 - 03:43
 0
هل كان أرسطو وسقراط موحدين؟

عند تأمل جدارية "مدرسة أثينا" التي رسمها الفنان الإيطالي رافائيل، نجد تصويرًا بارزًا لجميع الفلاسفة المشهورين، بما في ذلك ابن رشد. إلا أن رافائيل ركز على شخصيتين بارزتين هما أفلاطون وأرسطو، اللذان يظهران وهما يمشيان جنبًا إلى جنب في وسط ساحة المدرسة. فكرة المشي هنا ترمز إلى "الفلسفة المشائية"، التي يُعد أفلاطون وأرسطو آباءها المؤسسين. وكما قال نيتشه: *"كل الأفكار العظيمة تولد أثناء المشي."*

في الجدارية، يظهر على اليمين تمثال للإلهة اليونانية أثينا، إلهة الحكمة والقوة والحرب وحامية المدينة. أثينا تحمل رأس ميدوسا، في إشارة إلى القصة التي رواها أوفيد عن مواجهة أثينا وميدوسا. وعلى اليسار، نجد تمثال أبولو، الإله اليوناني المرتبط بالموسيقى والشعر. هذا التوزيع يعكس فكرة أن المدرسة تمزج بين حكمة وقوة أثينا ورهافة حس أبولو وأساطير الإغريق.  

في الجدارية، يرمز رافائيل إلى سقراط من خلال تصوير رجل أصلع بلحية رمادية بلابس خضراء، يظهر وسط مجموعة من الفلاسفة، مشيرًا إلى حوارات سقراط الشهيرة كما وردت في كتاب *محاورات أفلاطون*. رغم ذلك، الجدارية تعكس بوضوح أن مدرسة أثينا هي مدرسة وثنية، باستثناء تصوير ابن رشد.

**الادعاء بتوحيد أرسطو وسقراط: تحليل نقدي**
وقد ذهب بعض المشائخ والفلاسفة المسلمين إلى الادعاء بأن أرسطو كان موحِّدًا، مستندين في ذلك إلى أفكاره عن "المحرِّك الأول" الذي وصفه بالعقل الإلهي أو السبب الأول. واعتُبر هذا المفهوم عند البعض تجليًا لفكرة التوحيد، حيث يتجاوز أرسطو تصورات الوثنية التقليدية عن الآلهة المتعددة.  

وفي الحقيقة، فإن الادعاء بأن سقراط أو أرسطو كانا موحدين بسبب فكرة "المحرِّك الأول" لا يعني أنهم قد عبدوا الإله الواحد أو كانت معتقداتهم تتوافق مع التوحيد كما هو معروف في الأديان السماوية. هذا يشبه القول إن "الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وزمعة بن الأسود وأمية بن خلف كانوا موحدين لأنهم يعتقدون أن الله هو خالق"، وهو أمر يتناقض مع مفهوم التوحيد في دين الإسلام. بل إن صفة التوحيد في هذا السياق تتناغم أكثر مع صناديد الكفر في قريش، كما قال ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان

**النقد الإسلامي لفلسفة أرسطو**
والفلسفة التي يقرؤها أتباع هؤلاء اليوم هي مأخوذة عنه وعن إمامه ابن سينا، وبعضها عن أبي نصر الفارابي، وشيء يسير منها من كلام أرسطو. وهو - مع قلته وغثاتته وركاكة ألفاظه - كثير التطويل، لا فائدة فيه. وخيار ما عند هؤلاء، فالذي عند مشركي العرب من كفار قريش وغيرهم خير منهم فإنهم يدأبون حتى يثبتوا واجب الوجود، ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق، لا صفة له ولا نعت، ولا فعل يقوم به، لم يخلق السماوات والأرض بعد عدمهما، ولا له قدرة على فعل، ولا يعلم شيئًا. وعباد الأصنام كانوا يثبتون ربًا خالقًا مبدعًا عالمًا، قادرًا حيًا، ويشركون به في العبادة فنهاية أمر هؤلاء الوصول إلى شيء برَّز عليهم فيه عباد الأصنام وهم فرق شتى لا يحصيهم إلا الله عز وجل.

وإذا نظرنا إلى هذا في السياق، نجد أن مشركي العرب كانوا في بعض الجوانب أكثر توحيدًا من أتباع أرسطو وأفكاره. ولكن يبقى السؤال: هل كان سقراط وأرسطو موحدين بالمعنى الديني؟ من يزعم ذلك فإنه يتبنى فكرًا شعبيًا بسيطًا.

     **السياق الوثني لأرسطو وسقراط**
القول بأن أرسطو كان موحدًا يتناقض مع حقيقة أنه عاش في مجتمع كان في عبادة آلهة متعددة مثل زيوس وأثينا وأبولو. كان الدين اليوناني جزءًا أساسيًا من الحياة العامة والخاصة، وله تأثير عميق على السياسة والفن والفلسفة.  

ورغم أن فلسفة أرسطو تشدد على الاستقصاء العقلي وتبتعد عن التفسير الأسطوري للآلهة، إلا أنه كان يعيش ويعمل ضمن إطار التعدد الإلهي اليوناني. لذلك، عندما تسمع انتقاد أرسطو أو سقراط للأساطير الإغريقية، فهذا لا يعني أنهما لم يكونا متأثرين بالوثنية.  

على سبيل المثال، في حوار أفلاطون *فيدروس*، يصور الأرستقراطي الأثيني فيدروس وهو يسير مع الفيلسوف سقراط خارج أثينا بجانب نهر إليسوس. يسأل فيدروس سقراط عما إذا كان المكان الذي يسيران فيه هو الموقع الذي اختطف فيه بورياس، إله الرياح الشمالية، الأميرة أوريثيا، ابنة الملك إريخثيوس، ملك أثينا. فيرد سقراط بأن الموقع الفعلي كان على مسافة بعيدة.  

ثم يسأل فيدروس سقراط عما إذا كان يصدق هذه القصة. يرد سقراط قائلًا إن جميع الحكماء والأذكياء يجزمون بأن القصة كاذبة، ولكنه هو نفسه سعيد بتصديقها، لأن هذا ما يعتقده عامة الناس، ولأنه لا يعرف الحقيقة. لذلك، لا يرى أنه من حقه أن يتأمل في أمور لا تخصه.  

ومع ذلك، فإن هذه القصة لا تعني أن سقراط كان موحّدًا لمجرد أنه يشكك في صحة أسطورة. فعندما صدر حكم الإعدام بحق سقراط، كان ذلك بسبب اتهامه بعدم الإيمان بآلهة الدولة. وقد زُعم أن سقراط ينكر الآلهة التي تعبدها أثينا، ويُدخل مفاهيم جديدة عن الألوهية.  

كان يُنظر إلى سقراط على أنه يشكك في الدين التقليدي ويقدم أفكارًا كانت تعتبر تهديدًا للنظام الديني والسياسي في المدينة. لكن عندما حكم عليه بالإعدام، كانت كلماته الأخيرة لطلابه تدعوهم إلى تقديم قربان إلى أسكليبيوس، البطل الطبيب ونصف الإله الذي تم إدخاله حديثًا إلى أثينا في عهد سقراط. تؤكد مصادر أدبية متعددة أن سقراط تعرض للمحاكمة لعدم إيمانه بآلهة الدولة، ولإدخال آلهة جديدة، ولإفساد الشباب بأفكاره. وكانت كلماته الأخيرة شكرًا لإله الشفاء.  

وقد أُعدم سقراط بسم الشوكران جزئيًا بسبب دعمه المتدين لطائفة الشفاء الناشئة التي أسسها أسكليبيوس. وقد أشار أفلاطون إلى هذه النقطة في محاورة فيدون (A118).

     **مفهوم "الملحد" في العصور القديمة**
في اللغة الإنجليزية، تُستخدم كلمة "Atheism" (ملحد) عادة بمعنى محدد، وهو "الشخص الذي لا يؤمن بأي آلهة". لكن في العصور الكلاسيكية، لم تكن كلمة "ملحد" تُستخدم بهذا المعنى المحدد، بل كانت تُستخدم بشكل عام كإهانة ضد أي شخص لا يتوافق مع الممارسات الدينية التقليدية في اليونان وروما. إن أغلب الناس الذين أُطلقت عليهم هذه الكلمة في العصور القديمة لا يُعتبرون اليوم ملحدين. على سبيل المثال، كانت الكلمة تُطلق بشكل روتيني على المسيحيين الأوائل خلال القرون الأولى بعد الميلاد، لأنهم رفضوا عبادة الإمبراطور الروماني أو الآلهة اليونانية الرومانية التقليدية. ومن وجهة نظر الإغريق والرومان، كان هذا يعني أن المسيحيين كانوا ملحدين.  

يسقط هذا التعريف أيضًا على أشهر معارضي آلهة الدولة مثل زينوفانيس (570 قبل الميلاد - 480 قبل الميلاد)، الفيلسوف اليوناني، الشاعر، والناقد الاجتماعي والديني. معرفتنا بوجهات نظره تقتصر على شعره الباقي الذي يتضمن هجاء ونقدًا لمجموعة واسعة من الأفكار الإغريقية، مثل الاعتقاد بالبانثيون (مجمع الآلهة). وفيما يلي مقتطفات باقية من كتابات زينوفانيس، كما ترجمتها كاثلين فريمان.  

ولا شك أن هذا نقد قاسٍ للتصور التقليدي للآلهة على أنها آلهة بشرية. ومع ذلك، كما تشير بوضوح الشذرات الأخرى الباقية من كتابات زينوفانيس، فإنه كان لا يزال يعتقد بوجود الآلهة؛ ولكنه كان يعتقد أنها ليست آلهة بشرية وأنها مثالية أخلاقيًا. وبعبارة أخرى، لم يكن زينوفانيس ملحدًا أو موحّدًا وفقًا للتعريف الحديث.

### **نقد ابن القيم وابن تيمية لأرسطو**
لذلك قال ابن القيم رحمه الله عن أرسطو في *إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان* (مجلد 2، ص 268): "وقد حكى أرباب المقالات أن أول من عُرف عنه القول بقدم هذا العالم هو أرسطو. وكان مشركًا يعبد الأصنام. وله في الإلهيات كلام كله خطأ من أوله إلى آخره، فقد تعقبه بالرد عليه طوائف من المسلمين، حتى الجهمية والمعتزلة والقدرية والرافضة، وفلاسفة الإسلام أنكروه عليه، وجاء فيه بما يسخر منه العقلاء."

كما كرر ابن القيم رحمه الله في *إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان* (مجلد 2، ص 268) أن الكفار من مشركي العرب أفضل من أرسطو وأتباعه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن أرسطو في *منهاج السنة النبوية* (مجلد 1، ص 364): "أوّل من صرّح بقدم الأفلاك، وأن المتقدمين قبله من الأساطين كانوا يقولون إن هذا العالم محدث. وأصحاب التعاليم كأرسطو وأتباعه كانوا مُشركين يعبدون المخلوقات، ولا يعرفون النبوات ولا المعاد البدني. وإن اليهود والنصارى خير منهم في الإلهيات، والنبوات، والمعاد."

وانظر أيضًا إلى كتب أخرى لشيخ الإسلام مثل *درء تعارض العقل والنقل* (2167)، و*شرح الأصفهانية* (165)، و*الجواب الصحيح* (1345)، و*الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان* (ص 80-81). ويذكر شيخ الإسلام في *الجواب الصحيح* عن مجمل اعتقاد أرسطو وأتباعه: "إنهم يقولون إن الله تعالى ليس هو خالق هذا العالم، بل لم يخلق شيئًا، وإنما العالم قديم. وإنما صدر عن الله العقل الأول لا على سبيل الخلق والإيجاد، بل عن طريق ما يُسمى بالفيض والصدور. وأن الله هو علّة موجبة بذاته، وهو واحد لا يصدر عنه إلا واحد، ولذلك صدر عنه العقل الأول، وعن هذا العقل صدر عقل ثاني، ونفس، وفلك. وعن العقل الثاني صدر عقل ثالث، ونفس، وفلك، وهكذا حتى أصبح هناك عشرة عقول، وتسعة نفوس وأفلاك. والعقل عند الفلاسفة بمنزلة الذكر، والنفس بمنزلة الأنثى."

ويذكر أيضًا في *الجواب الصحيح* أن أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام في مقدونية وأثينا، وغيرها من مدائن فلاسفة اليونان. كذلك جاء في الموسوعة البريطانية الجديدة (الماكروبيا، صفحة 502) أنها وصفت أرسطو من الفلاسفة الوثنيين. وفي كتاب *Essays on the History of the Christian Religion* (صفحة 133) يُشير إلى أن أرسطو كان من الفلاسفة الوثنيين.

### **أصل فكرة التوحيد عند أرسطو: تأثير توما الأكويني**
ويبدو أن فكرة أن أرسطو كان موحدًا جاءت من توما الأكويني (Thomas Aquinas)، الذي كان من أبرز الفلاسفة واللاهوتيين المسيحيين في العصور الوسطى، وكان لأرسطو تأثير عميق على فكره ونظرياته. عمل الأكويني على استيعاب فلسفة أرسطو، لا سيما في مجال المنطق والميتافيزيقا والأخلاق، ودمجها مع اللاهوت المسيحي. وقد رأى في أرسطو منهجًا عقلانيًا يمكن أن يدعم التفسيرات اللاهوتية للعقيدة المسيحية.  

وصلت فلسفة أرسطو إلى توما الأكويني بشكل أساسي من خلال الترجمات والشروح التي قام بها الفلاسفة المسلمون مثل ابن رشد وابن سينا، مما أثرى فهمه للفلسفة الأرسطية وأتاح له تطوير أفكاره بشكل أكثر شمولية. وقد أراد بعضهم التوفيق بين الفلسفة والشريعة الإسلامية في نظرية الفيض والصدور، فقالوا: إن العرش هو الفلك التاسع. وربما جعل بعضهم النفس هي اللوح المحفوظ، كما جعل العقل هو القلم. وأحيانًا كانوا يجعلون اللوح هو العقل الفعّال العاشر، أو النفس المتعلقة به... وزعموا أن هذه العقول والنفوس هي الملائكة، وأنهم التسعة عشر الذين على سقر، وأن جبريل هو العقل الفعّال، وأنكروا وجود الملائكة.  

ثم يزعمون أن هذه النفوس الفلكية هي المؤثرة الفعّالة في القوى الأرضية المنفعلة، وأن القوى السماوية هي أسباب لحدوث الكائنات العنصرية. فهم يُثبتون بذلك صدورًا للمخلوقات بعضها عن بعض دون إرادة الله تعالى وعلمه ومشيئته، ويُثبتون كذلك التأثير في عالم الأرض من عالم السماوات والأفلاك. أما تدبير الأمور اليومية، أي الحوادث الجزئية، وأنه تعالى {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}، فليس لله عندهم في ذلك تأثير، وأسقطوا عن الله تعالى رعايته لهذا الكون، وإمساكه عن الزوال والفناء.

### **الفلسفة اليونانية والتأثير الوثني**
ولهذا يعتقد البعض أن أرسطو كان موحدًا، لكن كما قلنا، كان صناديد الكفر من قريش أكثر توحيدًا من أرسطو وأتباعه، كما قال ابن القيم.  

وتصور أرسطو للحركة الدائرية للكواكب وتأثير المحرك الأول (العلّة الأولى) أثار اهتمام الفلاسفة الهلنستيين في الإسكندرية، الذين دمجوا أفكاره مع نظريات ميتافيزيقية ودينية. في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، التي تأثرت بأرسطو، أصبحت الكواكب تُعتبر رموزًا أو وسائط بين العالم المادي والعالم الإلهي، مما أدى إلى تطوير أفكار تتصل بعبادة الكواكب، كما حدث مع الأفلاطونية الحديثة (Neo-Platonism)، التي أصبحت تعبد الكواكب. هذا التأثير امتد إلى الفكر الصوفي الإسلامي والمسيحي، كما نجد في بعض كتب الرازي التي سماها: "السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم". كما بين شيخ الإسلام في *بيان تلبيس الجهمية* (3/53-54).

ويقول كمال الدين أبو سالم محمد بن طلحة في كتابه الجفر المنسوب زورًا إلى الإمام علي رضي الله عنه في مسألة السحر: "منهم من يضعه بالتكسير الكبير وهو الذي يخرج جميع اللغات والأسماء، ومنهم من يضعه بالتركيب الحرفي وهو مذهب أفلاطون، ومنهم من يضعه بطريق التركيب العددي، ولكل واحد من هؤلاء موصل إلى الغرض المطلوب والشأن المقصود."

### **الخلاصة: الطابع الوثني للفلاسفة اليونانيين**
ولا شك أن ما ذكرناه من مصادر يوضح أن جميع الفلاسفة اليونانيين كانوا وثنيين يعبدون الأصنام والكواكب، بل حتى الأفلاطونية الحديثة كانت تقدس الكواكب، ودمجت الفلسفة مع السحر والتنجيم.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 1
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 1
الباحث بالدارجة مرحبًا بكم في عالم نكشف فيه أسرار الماضي، نعيد قراءة الحقائق الغائبة، ونصحح المغالطات الرائجة. هنا حيث يلتقي التاريخ بالدقة، وتتجلى الحقائق بعيدًا عن التشويش والزيف. جميع روابط التواصل الاجتماعي https://linktr.ee/albahtalbahit