المتنازعُ فيه في التحسين والتقبيح
سنحاول من خلال هذا المقال الموجز بيان محلّ الخلاف في التحسين والتقبيح، حتى يتصور الطالب المسلم محل النزاع جيدا، وينـأى بنفسه عن كثير من الخلافات المتوهّمة، التي هي في حقيقة الأمر مضيعة للوقت والجهد.
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ.
من أهمِّ الأسبابِ التي تؤدّي إلى إطالةِ النزاعاتِ وإزاحتها بعيدًا عن محالِّها الحقيقيةِ، وجرها إلى أبوابٍ أخرى لا نزاعَ فيها أصلًا، ولا يخالِفُ فيها أحدٌ من المسلمين: عدمُ تصورِ محلِّ الخلافِ والأصلِ المعرفيِّ الذي أدّى إليه؛ فتتحرّكُ شهواتُ الغلبةِ والظُّهورِ لتنأى به بعيدًا، وتولِّدَ خلافاتٍ أخرى متوهَّمةً.
من المباحثِ التي يكثرُ فيها اللَّغطُ والقيلُ والقالُ: مبحثُ التحسينِ والتقبيحِ. ومن أجلِ تركيزِ البحثِ وحصرِه في محلِّه، وحفظًا للبيتِ الإسلاميِّ من مزيدِ خصامٍ وشتاتٍ وتضييعٍ للجهودِ والأعمارِ، سنحاوِلُ تصويرَ محلِّ النزاعِ؛ فهذا سَيَفيدُ الطالبَ المسلمَ في حوارهِ مع الداخلِ الإسلاميِّ، بل وحتى في حوارهِ مع غيرِه من المللِ الباطلةِ والمشركينَ الدهريينَ.
العلماءُ المسلمونَ إذا أطلقوا لفظَ التحسينِ والتقبيحِ أرادوا به ثلاثةَ إطلاقاتٍ:
الإطلاقُ الأوّلُ: كونُ الشيءِ يلائم الطِّباعَ أو يُنافِرُها؛ فإذا لاءَمها كان حسنًا، وإذا نافرها كان قبيحًا. مثاله: ملاءمةُ النفوسِ للفرحِ فيصير حسنا، ومنافرتُها للغمِّ فيصير قبيحاً.
الإطلاقُ الثاني: كونُ ما يحصلُ به الكمالُ حسَنًا، وما يحصلُ به النقصُ قبيحًا. مثاله: الذّاتُ إذا اكتسبت علْمًا كان ذلك كمالًا لها فَيُحكَمُ عليه بالحُسْنِ، وإذا قامَ بالذات جهلٌ كانت ناقصةً فَيُحكَمُ عليه بالقُبْحِ.
هذانِ الإطلاقانِ اتُّفِقَ على أنهما عقليّان؛ ويُقصدُ بالحكمِ العقليِّ في هذا المبحثِ أنَّ العقلَ يستقلُّ بالحكمِ على الأشياءِ تحسينا وتقبيحًا.
الإطلاقُ الثالثُ: كونُ الشيءِ يتعلَّقُ به المدحُ والذمُّ في الدنيا، ويتعلّقُ به الثوابُ والعقابُ في الآخرةِ. وهذه مرتبةٌ تتناولُ سؤالًا جوهريًّا: هل يلزم لكونِ الشيءِ حسنًا أو قبيحًا أن يُمدَحَ فاعلُه أو يُذمَّ، وأن يُثابَ أو يُعاقَبَ؟
هذا الإطلاق الأخير هو محلُّ النزاعِ، ووقعَ الخلافُ فيه على ثلاثةِ مذاهبٍ:
- المعتزلة ومن نَحى نَحوَهُم: قالوا إنَّ هذا حكمٌ عقليٌّ، أي إنّ هذه اللوازمَ من مدحٍ وذمٍ ومثوبةٍ وعقابٍ يستقلُّ بها العقلُ.
- الأشاعرة: قالوا عكسَ المعتزلةِ تمامًا؛ إنّها أحكامٌ شرعيةٌ محضةٌ، أي إنَّ هذه اللوازمَ لا تُدرَكُ وجوبًا إلاّ بالشرعِ.
- القولُ الوسطُ: أنَّ للعقلِ مدخلًا في إدراكِ اللوازمِ من حيث الإجمالِ، لكنَّ ترتيبَ ذلك في الواقعِ — من حيث إيقاع المدحِ والذمِّ وتفاصيلِ المثوبةِ والعقوبةِ — وتحقيقَه إذا ثبَتَت شروطُه وانتفت موانِعُهُ، فذلك لا يكونُ إلاّ من شأنِ الشرعِ.
بهذاَ يتحقّقُ مقصودُ هذا المقالِ.
وفي الختامِ: أفضَلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التسليمِ على نبينا محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
2
عدم الإعجاب
0
احببته
4
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0