شبهة زنا المحارم في أصل الإنسان: قراءة عقلية ونصية
يُردِّد بعض المتشككين شبهة مفادها أن أصل البشرية قائم على ما يسمونه «زنا المحارم»، مستندين إلى آثار تُنسب إلى ابن عباس رضي الله عنهما في قصة قابيل وهابيل، حيث ذكر: «كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يُزوَّج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويُزوَّج جارية هذا البطن غلام البطن الآخر...» (انتهى من تفسير الطبري 8/322).
والرد على هذا الاستشكال يكون من وجهين:
الوجه الأول: فمصطلحات مثل الزنا، والزواج، والمحارم، والعقد هي مصطلحات شرعية دينية، لا وجود لها أصلًا في التصور الإلحادي أو اللاديني. فالمنظور المادي الصرف لا يعرف حلالًا ولا حرامًا، ولا يصف الأفعال الجنسية بأنها زنا أو غير زنا، بل يراها ممارسات بيولوجية محضة. ومن هنا يقع التناقض؛ إذ يرفض المتشكك الإطار الديني جملة، ثم يستعير ألفاظه وأحكامه ليحاكم بها النصوص الدينية نفسها. كما أن الحكم على فعلٍ ما بأنه زنا لا يكون إلا داخل شريعة تُعرِّف الزنا، وما كان مباحًا في شريعة سابقة لا يجوز وصفه بالزنا بعد تحريمه في شريعة لاحقة، وهذا داخل في باب شرع من قبلنا.
الوجه الثاني: ومن جهة العقل والتاريخ، فإن التكاثر البشري لا يمكن أن يبدأ إلا من زوجين، وقد أخبر الله تعالى أن أول البشر هو آدم عليه السلام، وخلق له زوجته حواء عليها السلام، فكان التناسل ضرورة عقلية وشرعية في بداية البشرية، ولم تكن هناك شريعة تحرِّم هذا النوع من التزاوج حينئذ. ثم إن النصوص الصحيحة لا تدل على أن نسل البشر استمر من قابيل أو هابيل، بل نُقل عند أهل الكتاب، وبعض ما ورد عند أهل العلم كما نقل ابن كثير في البداية والنهاية: «ويقال إن أنساب بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث، وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا، والله أعلم» (البداية والنهاية، المجلد الأول، صفحة 230).
والثابت بنص القرآن وإجماع المفسرين أن البشرية الحالية كلها من ذرية نوح عليه السلام، لا من عموم أولاد آدم، قال تعالى:
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾.
وقال الطبري رحمه الله: «وجعلنا ذرية نوح هم الذين بقوا في الأرض بعد مهلك قومه، وذلك أن الناس كلهم من بعد مهلك نوح إلى اليوم إنما هم ذرية نوح». وجاءت بذلك الآثار عن ابن عباس وقتادة وغيرهما، وأن الناس بعد الطوفان إنما تفرعوا من سام وحام ويافث أبناء نوح عليه السلام.
وعليه، فدعوى أن البشر اليوم من نسل «زنا المحارم» دعوى باطلة، قائمة على إسقاط أحكام لاحقة على وقائع سابقة، وعلى استعمال انتقائي لمفاهيم دينية من قِبل من ينكر أصلها، وهي ساقطة عقلًا وشرعًا وتاريخًا.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
4
عدم الإعجاب
0
احببته
3
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0