من معجزة انشقاق القمر إلى إثبات النبوة: رؤية منطقية
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن خبر انشقاق القمر يُعد من الوقائع المشهورة في المرويات الإسلامية، وقد ثبتت صحته بأسانيد قوية في كتب السنة النبوية، ومصادر السيرة، ودلائل النبوة، حيث نقله الأئمة الثقات والمحدثون الأعلام، ممن عُرفوا بدقة التثبت وصرامة المنهج في نقد الرواية، مما يجعل التشكيك في هذا الخبر ضربًا من التعسف ومجاوزة لما استقر عليه علم الحديث وأصوله.
ولا يخفى أن هذا الحدث المعجز يحمل في ذاته دلالة بيّنة على صدق النبي ﷺ، إذ وقع أمام أعين المشركين، وتحداهم النبي أن يتأكدوا بأنفسهم من وقوعه، فأصبح الحدث شاهدًا عليهم لا لهم، وبرهانًا ظاهرًا لا يُنكره إلا مكابر.
وقد أجمع عدد من العلماء على صحة هذا الخبر، بل صرّح كثير منهم أنه متواتر، وتواتره مبنيٌّ على أصول لا يسوغ ردها إلا بإنكار البديهيات، وأهم هذه الأصول:
-
ثبوته نصًّا في القرآن الكريم، في قوله تعالى:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]
وهذا النص القرآني منقول بالتواتر كتابة وشفاهة عبر الأجيال، لم يتطرق إليه شك، ولا أصاب نقله تردد.
Topkapı Palace Museum (Topkapı Sarayı Müzesi): "Emanet 13" (Gotthelf Bergsträßer archives) [= Karatay 59] تأريخ المخطوطة 750-650 م
Staatsbibliothek zu Berlin: Wetzstein II 1913 (Ahlwardt 305)
تأريخ المخطوطة 710-660م
Dār al-Maḫṭūṭāt ( دار المخطوطات House of Manuscripts): DAM 20-33.1 تأريخ المخطوطة 750-660م
الثاني: أن حادثة انشقاق القمر قد رواها جمع غفير من الصحابة رضي الله عنهم، ثم نقلها عنهم أمثالهم من التابعين، حتى دونها الأئمة في كتب الحديث والسير والدلائل. ومن أبرز من نصّ على كثرة رواتها: الإمام ابن عبد البر رحمه الله، إذ قال:
"قد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجمع الغفير، إلى أن انتهى إلينا، ويؤيّد ذلك بالآية الكريمة، فلم يبقَ لاستبعادِ من استبعدَه عذرٌ".
كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
"وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه ﷺ، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة، تفيد القطع عند من أحاط بها، ونظر فيها".
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:
"أجمَعَ المفسرون وأهل السِّيَر على وقوعه. ورواه من الصحابة: علي، وابن مسعود، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وابن عباس، وأنس".
ومثله قال القرطبي:
"وقد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة ... وفاضت أنواره علينا، وانضاف إلى ذلك ما جاء به القرآن المتواتر عند كل إنسان؛ فقد حصل بهذه المعجزة العلم اليقيني الذي لا يشك فيه أحد من العاقلين".
كما أدرجها الإمام الكتّاني رحمه الله ضمن الأحاديث التي بلغت حد التواتر والاستفاضة.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد قرر هذا التواتر بقوله:
"ومعلوم أن هذه المعجزات لا ريب فيها، وانشقاق القمر قد أخبر الله به في القرآن، وتواترت به الأحاديث، كما في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود وأنس وابن عباس وغيرهم. وكان النبي ﷺ يقرأ هذه السورة (القمر) في الأعياد والمجامع العامة، فيسمعها المؤمن والمنافق، ومن في قلبه مرض. ومن المعلوم أن هذا لو لم يكن واقعًا، لكان في قراءته المتكررة له ما يثير إنكارهم، ولكن لم يُعرف عن أحد منهم – مؤمنًا كان أو كافرًا – أنه رد هذا الخبر أو طعن فيه".
ثم علل ذلك بقوله:
"أولًا: لأن النبي ﷺ كان يخبرهم بأمور ليقروا بصدقه، فلو كان يقول ما يعلمون كذبه، لانصرفوا عنه ونفرت قلوبهم.
ثانيًا: لأنهم – أي الصحابة والناس عمومًا – كانوا يسألونه عن أهون الشبهات، فكيف يقرؤون عليه آية فيها خبر بانشقاق القمر ولا يعترض أحد، لا من المؤمنين ولا من الكافرين ولا من المنافقين؟".
الرد على الشبهة العقلية:
وأما من قال: لو وقع انشقاق القمر لرآه الناس في مختلف أقطار الأرض، لا سيما أن القمر ظاهر للناس كافة، فكيف لم تدوّنه كتب التاريخ المعاصر، ولم يتغنَّ به شعراء الجاهلية؟
فيُقال:
هذا الاعتراض مبني على ظنٍّ خاطئ، وهو أن الرؤية لا بد أن تشمل كل الأرض. والواقع أن القمر لا يُرى في نفس اللحظة من كل بقاع الدنيا، فهو يطلع على قوم دون آخرين، وقد يحول دون رؤيته الجبال أو السحاب أو التوقيت الزمني المختلف بين المناطق.
وقد رد العلماء على هذا الاعتراض، منهم القاضي عياض الذي أكد أن عدم رؤية الشيء لا يقدح في وقوعه، خاصة إذا ثبتت رؤيته عند غيرهم، لأن:
-
الحُجّة تكون فيمن أثبت الرؤية لا فيمن سكت عنها،
-
ونقل الإثبات مُقدَّم على من لم يُنقل عنه نفيٌ صريح،
-
والاحتجاج بعدم التواتر العالمي، مع ثبوت الحادثة قرآنيًا وروائيًا، هو تشكيك في الظواهر المقطوع بها، لا في الأمور الخفية.
وقد قال القاضي عياض رحمه الله:
"ولو نُقل إلينا ممن لا يُتصور تواطؤهم على الكذب – لكثرتهم – أنهم راقبوا القمر طول الليل ولم يروه منشقًا، لما كانت شهادتهم حجة قاطعة على النفي؛ لأن القمر ليس في موضع واحد لكل أهل الأرض. فقد يطلع على قوم قبل آخرين، وقد يحجبه عنهم سحاب أو جبال".
ويذكر كتاب "Night in the Middle Ages" في العصور الوسطى، لم تكن العادة أن يسهر الناس بعد غروب الشمس، إذ كانت الحياة تعتمد على ضوء النهار، وكانت الأنشطة الليلية شبه معدومة، ولذلك فإن وجود شهود على أحداث ليلية كان أمرًا نادرًا بطبيعته.
ثانيًا: إن هذا الاعتراض لا يصح إلا إذا سُلِّم أن أهل الأرض جميعًا يستوون في رؤية مطالع القمر، وهذا باطل، إذ من المعلوم أن القمر لا يظهر لجميع الناس في وقتٍ واحد، بل يطلع على قوم قبل أن يطلع على غيرهم، بحسب اختلاف الأقاليم وتباين المشارق والمغارب
الخط الفاصل بين الليل والنهار
ثالثًا: الموانع الطبيعية وتفسير المشهد
قد توجد حالات تعذر فيها رؤية القمر في بعض المناطق بسبب الغيوم الكثيفة أو عوامل طبيعية أخرى تحجب السماء، وهي أمور مألوفة في التجربة البشرية.
كما أن بعض الروايات الصحيحة تصوّر مشهد انشقاق القمر بأنه انشق بين جبلين معروفين بمكة، هما: جبل أبي قبيس وجبل قعيقعان، حتى إن نصفه بدا على أحد الجبلين، والنصف الآخر على الجبل المقابل،
مما قد يوهم الناظر من بعيد أو من زوايا محدودة أن ما يراه مجرد انعكاس لضوء القمر أو جزء منه خلف أحد الجبال، لا معجزة ظاهرة.
وهذا يسوّغ عدم تنبّه بعض الحاضرين لتفاصيل الحادثة، أو عدم إدراكهم لطبيعتها المعجزة في حينها.
الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : ابن كثير | المصدر : البداية والنهاية الصفحة أو الرقم : 3/117 |
ويُقال ردًا على هذا الاعتراض:
إن نفي الرؤية لا يُفيد العلم اليقيني، ولا يُعدّ برهانًا يُقابل الإثبات، لأن النفي عدم، والإثبات وجود، والوجود مُقدَّم في باب الأخبار. فأين الدليل القاطع على أن أهل التواريخ لم يُدوِّنوا خبر انشقاق القمر؟ ومن قال إنّ كل ما دُوِّن قد وصل إلينا؟! بل إن فقدان النقل لا يدل على فقدان الواقع.
ثم إنه لم يُثبت عن أحدٍ من المؤرخين الثقات أنه أنكر وقوع هذه المعجزة، أو طعن في من رواها ممن حضروها من الصحابة الكرام.
ومن الفوائد العجيبة التي تدعم هذا المعنى: ما نقله الحافظ جمال الدين المزي – رحمه الله – عن شيخ الإسلام ابن تيمية، أنه قال:
"ذكر بعض المسافرين أنه وجد في بلاد الهند بناءً قديمًا، كُتِب على بعض أحجاره بخطهم: (بُني ليلة انشقاق القمر)."
وهذا النقل، وإن لم يكن دليلًا قطعيًا بمفرده، إلا أنه يفتح باب الاحتمال القوي على أن أثر هذه المعجزة قد سُجِّل خارج الجزيرة العربية، وهو ما ينقض دعوى الانفراد المكاني أو عدم بلوغ الخبر لغير أهل مكة.
وكذلك ذكر ابن كثير في البداية والنهاية - أنّ هذه الواقعة أُرِّخ بها في بعض بلاد الهند، وأنه بُنِي بناءٌ تلك الليلة، وأُرِّخ بليلة انشقاق القمر
ص 77 - كتاب البداية والنهاية ط السعادة - رواية عبد الله بن مسعود - المكتبة الشاملة
طرح الاعتراض العقلي على حديث انشقاق القمر:
يرى بعض الفلاسفة أن معجزة انشقاق القمر تتناقض مع مبادئ علم الفلك، إذ الأجرام السماوية – كالقمر والشمس – لا تخضع للذبول أو الخرق أو الانشقاق، لأن حدوث ذلك سيخل بنظام الكون ويسبب فسادًا في الطبيعة.
وقد نقل الغزالي عن جالينوس قوله:
"لو كانت الشمس قابلة للانعدام أو الذبول، لظهر ذلك عبر آلاف السنين، لكن الملاحظات والأرصاد عبر العصور تدل على ثباتها، وهذا يدل على أنها لا تفسد."
ونقل الحافظ أن الفلاسفة احتجوا بأن الأجرام السماوية لا تتعرض للخرق أو الانقطاع، وأشار إلى قول الزجاج الذين نسب ذلك إلى "المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة".
الرد على هذه الاعتراضات:
أولًا، زعم الفلاسفة بأن الأجرام السماوية لا تصاب بالفساد أو الانشقاق هو نظرية يونانية قديمة تخالف الواقع الشرعي والحسي، وهذا يتبين من خلال أمرين مهمين:
-
الضرورة الشرعية:
المؤمن بقدرة الله تعالى الكاملة لا يشك في إمكانية حدوث المعجزات، فالله الذي خلق السماوات والأرض قادر بلا حدود على كل شيء، بما في ذلك شق القمر. قدرة الخالق لا تُقيد بقوانين الطبيعة التي وضعها، فهو قادر أن يغير في نظام الكون بإرادته، كما تواترت المعجزات السماوية في الكتب السماوية المختلفة، ومنها معجزة شق القمر التي ورد ذكرها في الأحاديث الصحيحة. -
الضرورة الحسية:
ما لا يمكن تفسيره بالعلم الحديث أو القوانين الطبيعية لا يعني بالضرورة استحالة حدوثه، بل يدل على أن قدرة الله تتجاوز كل قوانين الكون. والوقائع التي تثبت المعجزات ترد في مصادر مختلفة، منها سفر يشوع في العهد القديم، حيث ورد فيه:
"يا شمس دومي على جبعون، ويا قمر على وادي أيلون."
وقد دام ضوء الشمس ووقف القمر لتنتصر جيوش بني إسرائيل (يشوع 10:12-13). وهذا يعزز قبول حدوث تغييرات في الظواهر الطبيعية بأمر إلهي.
كما ورد في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طلب من الله أن يحبس الشمس عند صلاة العصر أثناء غزوة، فحبست حتى فتح الله عليه، مما يدل على تدخل إلهي في نظام الطبيعة لمصالح معينة.
لوحة: يشوع يطلب من الله إيقاف الشمس: الحرب ضد جبعون -رسم الفنان جوستاف دوريه -
أما الضرورة الحسية فتتعلق بأمرين رئيسيين:
الأول: وقوع رؤية انشقاق القمر من قبل بعض الناس.
والثاني: وقوع رؤية انشقاق أجزاء من أجرام سماوية أخرى.
فيما يخص الأمر الأول، فقد شهد بذلك عدد من الناس من أهل مكة ومن خارجها. فقد ورد في بعض الروايات أن من شاهد انشقاق القمر كانوا من خارج مكة أيضًا، كما في قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -:
«انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش لأهل مكة: هذا سحرٌ سحركم به ابن أبي كبشة؛ انظروا السُفَّار، فإن رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحرٌ سحركم به. قال: فسُئل السُفَّار - قال: وقد قدموا من كل وجهة، فقالوا: رأينا»
(رواه ابن جرير في تفسيره والبيهقي في "دلائل النبوة").
أما الأمر الثاني، وهو ما ينفي زعم الامتناع، فقد ثبت بالعلوم الفلكية الحديثة وقوع انشقاقات في بعض الأجرام السماوية الأخرى، مثل المذنبات. فقد رصد علماء الفلك في العصر الحديث انشقاق مذنب "بروكس" إلى شقين عام 1889م، وكذلك انقسام مذنب "بيلا" إلى قسمين عام 1864م.
https://ar5iv.labs.arxiv.org/html/0907.4806
حدث انشقاق الجزء العلوي من القمر في الثامن عشر من يونيو عام 1178م، وفقًا لرواية الراهب والمؤرخ الإنجليزي جيرفاس. فقد ذكر أن خمسة رهبان كانوا يشاهدون الهلال الجديد حين انقسم الجزء العلوي من القمر فجأة إلى قسمين، وظهر وكأنه مشتعل بسبب اصطدام نيزك ضخم بسطح القمر. هذه الظاهرة لم يوردها مؤرخ آخر غير الراهب جيرفاس، مما يجعلها حادثة فريدة من نوعها في السجلات التاريخية.
https://www.amusingplanet.com/2021/01/the-night-moon-exploded.html
إن وقوع انشقاق الأجرام السماوية، مثل القمر، يزيل الغرابة من حدوث انشقاق القمر في زمن النبي ﷺ، سواء نقلاً أو حسًّا، وهو أمر أثار استغراب المسلمين عبر الأجيال. فالظواهر الفلكية الحديثة أظهرت أن التصورات القديمة عن الكون كانت محدودة وبسيطة، نتيجة لقلة المعرفة وضيق الحواس البشرية.
كان الفلاسفة القدماء يؤمنون بأن الكون على صورته الحالية قديم قدم الأزل، مستندين إلى فكرة خاطئة تفيد بأن الله – سبحانه وتعالى – هو العلة الكاملة والكون علة لها، وبالتالي لا يمكن أن يتغير الكون إلا إذا تغيرت علته (أي الله)، وهذا أمر مستحيل. وهذا الاعتقاد مردود عليه شرعًا وحسًا. من الناحية الشرعية، ثبوت كمال قدرة الله ومشيئته ينفيان صحة هذا الاعتقاد، إذ يستلزم القول بخلاف ذلك إنكار صفات الكمال لله تعالى، وهو ما تتناقض معه الأدلة الشرعية. ومن الناحية العلمية الحديثة، بينت الأبحاث أن الأرض كانت جزءًا من السماء، مع وجود اختلاف في تحديد أصلها، وهو ما يؤيده قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].
المعارضة الثانية:
يرى بعضهم أن المعجزات التي يستنبطها العلماء من آيات القرآن، مثل انشقاق القمر، ليست إلا نتاج الحماسة الشعبية، إذ يدفع الإيمان والحماس الديني أتباع النبي ﷺ وأهل العلم إلى استخراج معجزات من آيات متشابهة في القرآن، بسبب إيمانهم الفطري بأن المعجزة هي الدليل الحاسم على النبوة، وأنها "سنة الأنبياء الأولين" و"السلطان المبين" من عند الله، ولا يمكن أن تكون هناك نبوة بدون معجزة. وإذا لم توجد المعجزة بشكل واضح في القرآن، يلجؤون إلى الأحاديث والتفسيرات لاختراعها.
الغريب أن القرآن نفسه يعلن منع المعجزات عن النبي ﷺ منعا مطلقًا (الإسراء: 59)، وواقعًا أيضًا (الإسراء: 29). لذلك، وقف المعتزلة قديماً ضد الحماسة الشعبية وأعلنوا أن "الله لم يجعل القرآن دليلاً للنبوة"، واضطر بعض العلماء المعاصرين إلى الإقرار بسلبية موقف القرآن من المعجزات، كما صرح الأستاذ درزوة بأن "حكمة الله اقتضت ألا تكون الخوارق دعامة لنبوة النبي محمد ﷺ، ولا برهانًا على صدق رسالته."
الرد على هذا المزعم:
القول بأن المعجزة ليست شرطًا أساسيًا للنبوة وأن من لم يجدها في القرآن اخترعها بالحديث والتفسير هو قول خاطئ من جهتين:
-
المعجزة ليست الشرط الوحيد للنبوة، كما بيّن الإمام ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية؛ فمدعي النبوة إمّا أن يكون صادقًا أو كاذبًا، ولا يمكن خلط الأمرين إلا من قبل الجهلة. فالإسلام دخل به السابقون الأولون مثل أبي بكر الصديق وخديجة رضي الله عنهما قبل وقوع انشقاق القمر أو أي معجزة أخرى.
-
من دلائل صدق النبي ﷺ أنه حين كسفت الشمس في عهد رسول الله يوم وفاة ابنه إبراهيم، نفى أن يكون الكسوف مرتبطًا بالموت أو الحياة، قائلاً:
«إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكُسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ»
(رواه البخاري ومسلم).
لو كان النبي ﷺ مدعّياً كاذبًا، لاستغل هذا الحدث لتعزيز مكانته وإقناع الناس، لكنه نزع عن هذا الكسوف أي تفسير زائف، مؤكدًا أن الكون يسير وفق نظام الله وحده.
https://eclipse.gsfc.nasa.gov/SEsearch/SEsearchmap.php?Ecl=06320127
الوجه الثاني: معجزات النبي ﷺ وعظمتها
كان النبي محمد ﷺ أكثر الأنبياء معجزات، حيث تجاوزت معجزاته المختلفة الألف، كما أشار الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "إغاثة اللهفان" (2/691). وتشمل هذه المعجزات ما وقع وانتهى، وما يستمر أثره حتى اليوم، وأعظمها وأجلّها هو القرآن الكريم، المعجزة الدائمة التي لا يمسها التحريف ولا الزوال.
القرآن معجز من عدة نواحي:
-
لفظيًا، حيث تحدى العرب الفصحاء أن يأتوا بسورة مثله فلم يستطيعوا.
-
خبرًا مستقبليًا، كما في قوله تعالى:
{ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} (الروم). -
تشريعًا، إذ يحتوي على قوانين محكمة فريدة.
-
علومًا وأسرارًا كونية، يكتشفها العلم تدريجيًا.
أما المعجزات التي حدثت وانتهت، فقد ذكرها القرآن الكريم ومن أشهرها:
-
الإسراء والمعراج:
قال تعالى:
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾. -
انشقاق القمر:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. -
نزول الملائكة في بدر:
قال تعالى:
{إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} (الأنفال: 9).
وقد أكد الطبري نزول ألف من الملائكة لمساعدة المسلمين في بدر. -
الريح في معركة الخندق:
أرسل الله ريحًا شديدة على الأحزاب، كما جاء في قوله:
﴿إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها﴾ (الأحزاب: 9).
وروى ابن سعد أن جبريل جاء مع الريح لمساندة النبي ﷺ. -
العصمة من القتل:
حفظ الله النبي ﷺ من مؤامرات الأعداء، كما قال تعالى:
﴿والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾.
وقد جُمعت هذه المعجزات في كتب عديدة مثل "دلائل النبوة" للبيهقي، و"أعلام النبوة" للماوردي.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
1
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0