هل الفلسفة حرام عند المذهب السلفي (الجزء الأول)
هل الفلسفة حرام عند المذهب السلفي؟
أولاً: وكما جرت العادة في مذهبنا، قبل الخوض في أي مسألة لا بد من تحرير الألفاظ، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره و التصور يكون عن طريق الافاظ ودلالاتها، فإن الكلام في الفلسفة لا يصح حتى يحرّر اصطلاحها، فإن الأحكام تابعة للمعاني لا للألفاظ، والاسم الواحد قد تتعدد مسمّياته، فيختلف حكمه باختلاف حقيقته، فلا يجوز حمل لفظ “الفلسفة” في كل عصر على معنى واحد، ولا جعل الحكم واحدًا مع اختلاف الحقيقة، والفلسفة لفظٌ اشتهر في التاريخ على معنيين مختلفين:
تعريف الفلسفة قديماً (المعنى الخاص):
قديماً لفظ “فلسفة” كان اسماً لـمذهب معين، مثل ما نقول اليوم: ماركسي، وجودي، أو مثل ما نقول في القديم: أشعري، تميمي، صوفي…
فإذا قالوا “فلان فيلسوف” عند المتقدمين، فمرادهم: أنه يتبنّى أصول وأفكار الفلاسفة اليونان (أرسطو – أفلاطون – أفلوطين) لا أنه مجرد شخص يفكر (هذه الافكار لها علاقة بالعقيدة وكيفية تصور الذات الإلهية وصفاتها).
ولهذا كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة، لا يترجم الى تهافت المفكرين، بل تهافت مذهب الفلاسفة الذين تبنوا المنطق والميتافيزيقا اليونانية.
وحتى كتب مثل هداية الحكمة تعاملت مع الفلسفة كمدرسة فكرية محددة المسائل.
تعريف الفلسفة اليوم (المعنى العام):
اليوم كلمة “فلسفة” تعني غالبًا:
التفكير
التحليل
نقد المفاهيم
دراسة المناهج العقلية
او بشكل ادق العقليات
يعني الفلسفة اليوم دخلت ضمن العقليات نفسها.
والإسلام لم يحرّم العقليات، بل أمر بها.
ولهذا حتى أعلام مذهبنا من ابن تيمية، وابن القيم، ومن سبقهم ومن تبعهم؛ استعملوا العقليات والمنطق والاستدلال البرهاني، لكنهم لم يسموها فلسفة لأن اسم “فلسفة” في زمنهم كان يدل على المذهب الباطل الخاص اليوناني.
ولكي ابسط لك ان الفلسفة التي تكلم عنها الأئمة سابقاً هي تبعد كل البعد عن ما يقع في ذهنك لأول وهلة عندما تسمع الفلسفة لذا اذا أردت ان تطلع على كتب الفلسفة التي تخلوا من الأفكار الكفرية التي تم دسها في العقدية فلا اشكال فيها ككتب الابستمولوجيا او والديونتولوجيا التي تتكلم عن مباحث فلسفية فتلك جيدة وحسن بل وانه هناك العديد من الكتب على سبيل الذكر لا الحصر لابن تيمية رحمه الله التي يطلق عليها كتب فلسفية بالمعنى العام وهناك من لقبه فيلسوف الفطرة
مثال:
القول المشهور: “العالم متغير، وكل متغير حادث، فالنتيجة: العالم حادث”
الكثير يسميه فلسفة
بينما هو في الحقيقة علم كلام (وهو مقال جدلي ضد مقال الفلاسفة ) فهو فلسفة بالمعنى الحديث العام، لا بالمعنى القديم الخاص.
وهنا تطبق القاعدة الأصولية:
الاشتراك في اللفظ لا يعني الاشتراك في الحكم
مثل كلمة “العين” قد تعني: الباصرة، وعين الماء، والجاسوس، ولكل معنى حكمه المختلف.
فكذلك “فلسفة اليوم"≠ “فلسفة الأمس".
أو “فلسفة العامة"≠ “فلسفة الخاصة".
أو “العقليات "≠ “الفكر اليوناني".
وذلك انه
"فلسفة اليوم"= “فلسفة العامة" =“العقليات ".
“فلسفة الأمس"=“فلسفة الخاصة"=“الفكر اليوناني".
ولهذا ان ضد تسمية رائجة وهي صراع العقل والنقل بل الاصح صراع العقل الإسلامي و الفكر اليوناني اما فكلاهما يستخدم العقل كأداة حجاج لكن احتكر اسم العقل والحكمة والفلسفة لما هو يوناني بسبب صورة نمطية
حكم الفلسفة اليوم (المعنى العام) شرعًا:
ليست حراما
الحرام ليس اسم فلسفة الحرام هو مذهب الفلاسفة الكفري القديم.
والتكفير عند الفقهاء كان لعلة محددة:
إنكار علم الله بالجزائريات
القول بقدم المادة
القول بأن النبوة مكتسبة
إنكار المعاد الجسماني
القول بالباطن والظاهر على طريقة الباطنية
فإذا وجدت هذه العلل (الأقوال الكفرية)وجد الحكم (التحريم)
وإذا عدمت عدم الحكم
وهذه قاعدة:
الحكم يدور مع علته وجودًا وعدماً
إذن الفلسفة اليوم (بدون تلك الأقوال الكفرية) = مباحة.
الفرق بين “فيلسوف” خاص و “فيلسوف” عام
المعنى القديم الخاص المعنى الحديث العام
فيلسوف = متمذهب بآراء اليونان فيلسوف = مفكر يستعمل التحليل العقلي
ابن رشد – ابن سينا – الكندي الغزالي اليوم يمكن أن يسمى فيلسوفًا بالمعنى العام لأنه مفكر محلل
فالغزالي أصلًا يهدم الفلاسفة ولا يوافقهم، فليس فيلسوفًا بالمعنى الخاص، وإن كان فيلسوفًا بالمعنى العام الحديث كمحلّل اما الأصل فيه انه متكلم.
ولهذا لا يجوز إسقاط حكم الفلسفة القديمة على الفلسفة الحديثة ليس لانه لديهما نفس اللفظ فلديهما نفس الحكم الشرعي لانهما شيئان مختلفان.
ومن يدّعي أن “السلفية تحرّم الفلسفة” بإطلاق فليقرأ كتب علماء أهل السنة وما فيها من أدلة عقلية وقياسات ومناظرات عقلية.
الخلاصة:
الفلسفة قديماً كانت مذهبًا خاصًا
الفلسفة اليوم هي العقليات
الإسلام لم يحرّم العقليات بل أمر بها
التكفير كان لعلة محددة وهي الأقوال الكفرية
ومع زوال العلة يزول الحكم
والفلسفة اليوم ليست المذهب اليوناني القديم
وبالتالي: الفلسفة اليوم مباحة بل منها ما هو واجب لأنها من جنس استعمال العقل الذي أمر به الشرع.
ملاحظة:
وهذه المسألة نفسها من أكبر أبواب فقه اللغة، فإن الألفاظ تتغيّر معانيها باختلاف الأزمنة والأعراف، وهذا أمر معروف في اللسانيات والواقع، ولهذا لا يجوز أخذ حكم شرعي على مسمّى جديد بمعنى قديم.
وهذا نفسه هو الرد على من زعم تحريم المنطق أو الرياضيات أو الكيمياء بإطلاق، لأن معنى هذه العلوم عند المتقدمين خلاف معناها اليوم.
فإذا ثبت تغيّر المعنى ثبت تغير الحكم، لأن الحكم تابع للمسمّى لا للفظ، واللفظ قد يبقى، لكن مسمّاه قد يتبدّل.
وقد يقع الاشتراك في اللفظ في نفس الزمان، فيكون للفظ معنيان، فيُنفى أحدهما ويُثبت الآخر، مع أن الاسم واحد.
ومثاله لفظ “الجهة”:
فإن أريد بالجهة: مكان يحيط بالله ويحصره كما تحصر المخلوقات في الأمكنة، فهذا معنى باطل منفي عن الرب تعالى، لأن الله لا يحيط به شيء من خلقه.
وإن أريد بالجهة: العلو، وأن الله فوق خلقه مستوٍ على عرشه، فهذا معنى ثابت بالكتاب والسنة، وهو معنى حق.
فلا يُقبل اللفظ بإطلاق، ولا يُرد بإطلاق، بل يُقال: نثبت المعنى الصحيح، وننفي المعنى الباطل، ونترك اللفظ لعمومه لاحتماله.
وهذه من أخطر مسالك الشبهات: استعمال ألفاظ مجملة، فيخلط بها الحق بالباطل، ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله يؤكد دائمًا على تحرير المعاني، وبيان المجمل، وكشف المشتبه، ولا يحكم على لفظ حتى يُفصّل معناه.
انتهى.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
1
عدم الإعجاب
0
احببته
1
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0