بيان تهافت حجة انقضاء ما لا ينقضي ✏️📚:
بيانُ تهافُتِ حُجَّةِ انقضاءِ ما لا ينقضي ✏️📚:
يزعمُ المخالفُ أنَّ هذه الحُجَّة [١] تُبطِلُ التَّسلسُلَ بكلِّ أنواعه [٢]، ويمكن تقريرُ الحُجَّة المزعومة كالتالي: بفرض حصول تسلسُلٍ فيكون كلُّ طرفٍ مسبوقًا بما لا نهايةَ من الموجودات الأخرى التي حصل فيها التسلسُل [٣]، فيكون شرطُ [٤] وجودِه انقضاءَ ما يسبقه، وهذا محالٌ لأنَّ ما يسبقُ غيرُ منقضٍ، فيلزَم من يقول بالتسلسُل انقضاءُ ما لا ينقضي. أي إنَّه يلزَم من وجودِ أيِّ طرفٍ من السلسلة انقضاءُ ما لا ينقضي، وباعتبار أنَّه محالٌ [٥] فيكون وجودُ كلِّ طرفٍ محالًا، لأنَّ وجودَ أيِّ طرفٍ منوطٌ بانقضاءِ ما لا ينقضي، وهو محالٌ، فيتلازمُ الحكمُ باعتبارِ تلازمهما [٦] وهو الاستحالة [٧].
رد موجز📚👑:
أولاً: قولهم انقضاء ما لا ينقضي غير صحيح، لأوجهٍ منها ما هو لغوي ومنطقي، وهو ما نبينه وبسطنا فيه الأدلة في غير هذا الموضع.
أولاً: مسألة انقضاء، هل يصح أن يقال انقضاء؟ فإن كان المقصود بها فناء السلسلة أو انتهاؤها، فهذا لا يصح؛ لأننا بهذا المعنى لا نقول إن السلسلة انقضت[٠]، وذلك أنه عندنا ما ثبت قدمه امتنع عدمه، فالسلسلة عندنا باقية لا تفنى.
من جهة أخرى: انفكاك في الجهة، مما يعني أنه لا يلزم محال، وذلك بفرضٍ جدلي أن السلسلة انقضت، فيكون عدم الانقضاء من جهة البداية، والانقضاء من جهة النهاية، وهذا لا محال فيه.
فنحن نقول قولاً يمكن الاستدلال له على الجواز[٠٠]، وهو أنه نقول : سلسلة غير منقضية من جهة البداية، و منقضية من جهة النهاية[٠٠٠]. وذلك كقولنا: إن الثوب مقصوص بالمقص وغير مقصوص بالمقص، وذلك أنه مقصوص من جهة، وغير مقصوص من جهة أخرى، وهذا لا محال فيه.
لكن المخالف حاول تلبيس الحق بالباطل، من أجل تلبيس العوام.
كلُّ ما سوف أطرحه هنا من بابِ بيانِ أنَّه لا تلازُمَ عقليّ، أي إنَّ نقدي سيكون مبنيًّا على تسليماتٍ جدليّة.
والخللُ الأوَّل في الحُجَّة هو: المصادرةُ والدَّورُ وخللٌ لغوي 👑:
حيثُ إنَّنا سلَّمنا بأنَّ السلسلة غيرُ منقضية، ففَرَضَ هو من كيسه أنَّها لا تنقضي. والفرقُ بينهما كالفرق بين السماءِ والأرض؛لأنَّ "غيرَ منقضٍ" نفيٌ لحصولِ الانقضاء بالفعل، بينما "ما لا ينقضي" نفيٌ للانقضاء بالقوّة، أي نفيٌ لإمكانِ الانقضاء. وهنا يتبيَّنُ الخللُ اللغوي[٠٠٠٠]؛ فالغيرُ موجود – على سبيل المثال – ليس هو "ما لا يوجد". فيجوز أن نقول: "وُجِدَ معدومٌ ما" [٨]، بينما لا يجوز أن نقول: "وجودُ ما لا يوجد"، لأنَّ الثاني حصولُ شيءٍ بالفعل دون وجودِ قابليّة، أي حصولٌ بالقوّة.
فيكونُ المخالفُ صادَرَ هنا بأنَّ السلسلة مستحيلٌ أن تنقضي[٠٠٠٠٠]، حيثُ قال: إنَّه يلزَم من انقضائِها "انقضاءُ ما لا ينقضي"، فهو في هذه الجملة [٩] فَرَضَ امتناعَ الانقضاء وامتناعَ التسلسُل [١٠]. وهنا يتبيَّن لنا الدورُ؛ فهو يريد أن يُبيِّن أنَّ ما تسلسَلَ ما حصَل، أي أنَّه يستحيل أن يوجدَ طرفٌ قبله ما لا نهايةَ من الموجودات، أي يريد أن يُبيِّن أنَّه مستحيلٌ أن تنقضي السلسلة. وفي مقدمته الثانية يقول بشكلٍ مضمر: إنَّ السلسلة غيرُ منقضية [١١]. فيكون قد وقعَ في دورٍ. فنقول: إنَّه حتى لو صحَّ كلامُه، فيكون الصوابُ أنَّه حصَل "انقضاءُ غيرِ منقضٍ"، لا "انقضاءَ ما لا ينقضي". وهم يُحبّون هذا اللفظ [١٢]، لأنَّه يتحصَّل به لَبسٌ لغويّ، وهو يؤدّي إلى خللٍ في الحُجَّة [١٢]، ويتوهَّمُ السامعُ أنَّه به يُبطَلُ التسلسُل، لأنَّ اللفظَ يحملُ يقينًا تناقضًا، لكن الأصل أنَّه ليس حاصلًا في تسلسُلِ الحوادث.
المسألة الثانية – مصادرة أخرى 👑:
أنَّه يفترضُ توقّفَ السلسلة، وهذا ما لا نقولُ به ولا يقولُ به عاقل، بل السلسلة لا تزالُ مستمرَّة، وتقسيمُه للسلسلة فيه خللٌ في نسقِه.
المسألة الثالثة – أنَّه تلزمه في المستقبل 👑:
نقولُ – وبالله التوفيق – إنَّهم يقولون بجوازِ تسلسُلٍ في المستقبل، وهذا يلزَمُ فيه انقضاءُ ما لا ينقضي حسب نهجهم. لأنَّنا نقول: تسلسُلُ الحوادث في المستقبل، هل يكون فيه في حالٍ من الأحوال حادثٌ مسبوقٌ بما لا نهايةَ من الحوادث؟ قال: نعم. قلنا: لزِمَ انقضاءُ ما لا ينقضي. قال: لا. قلنا: ذلك يعني أنَّه لم يتحصَّل التسلسُل.
المسألة الرابعة – أنَّ "ما لا نهاية" لا تُصبح متناهية 👑:
أنَّه يتوهَّمُ السامعُ أنَّ "ما لا نهاية" أصبحت متناهية، بل الأصحُّ أنَّه قد وقعَ قطعُ ما لا نهاية. مثلًا: قلتُ لك "لُفَّ حول هذه الدائرة ما لا نهايةَ من المرَّات"، هل إذا لَفَفتَها يعني أنَّ المسافةَ التي قطعتَها متناهية؟ لا، بل يعني أنَّك قطعتَ ما لا نهاية (قد يقول البعض أن الفرضية مستحيلة لكن جوازها موضوع مقال اخر).
وأقول
الرُّدود في الباب كثيرة، وقد بسطتُ بعضَها في كتاب إبانة الحكمة في إقامة الحُجَّة [١٤]. ولا يسعني الآن بسطُها، لأنَّه سيكون ذلك من باب الاجترار.
ودون التطرّق إلى مسألة تقسيم "ما لا نهاية"، وباقي المسائل التي وقع فيها أصحاب "انقضاء ما لا ينقضي".
وهذا دون التطرّق إلى أنَّ "انقضاء ما لا ينقضي" غيرُ مستوفٍ للشروط الثمانية، وأنَّه قد دلَّ البرهانُ على وجوب القِدَم النوعي وتسلسُلِ الحوادث. وقِسْ على هذا. لكنَّ المخالف يتجاهلُ حُجَجَنا ويطرح حجَّتَه الواهية.
إنتهى.
عبد الرحمان الأندلسي 📚✏️
---
هامش📌:
[١]: انقضاء ما لا ينقضي
[٢]: وهو ترتُّب شيءٍ إلى لا أوَّل، فمثلًا: تسلسُلُ الحوادث هو ترتُّب الحوادث إلى لا أوَّل، وتسلسُلُ العلل هو ترتُّب علل إلى لا أوَّل.
[٣]: أي إنَّه بفرض حصول تسلسُلِ الحوادث فيكون كلُّ حادثٍ في السلسلة مسبوقًا بما لا نهاية من الحوادث.
[٤]: شرط أي: ما يلزَم من عدمِه العدمُ، ولا يلزَم من وجودِه الوجود.
[٥]: أي: انقضاء ما لا ينقضي.
[٦]: لزوم انقضاء ما لا ينقضي بوجود أيِّ طرفٍ من السلسلة.
[٧]: هذه هي الحُجَّة المسمَّاة بانقضاء ما لا ينقضي.
[٠]: ننفي فنائها او انقطاع التسلسل هذا هو مقصدي فنحن نقول انه السلسلة مستمرة ولن تتوقف عند حادث معين
[٠٠]: الجواز قأقل تقدير فأنا اقول بالوجوب و اقصد بالجواز الإمكان بالمعنى العام
[٠٠٠]: لا أقصد أن العكسية سلمية دائماً لكن في هذا المقام فهي تصح
[٠٠٠٠]: ومعلوم انه اذا تحصل خلل في اللفظ لتحصل خلل في التصور باعتباره يتم بالالفاظ ودلالاتها يليه خلل في الحكم باعتبار الحكم على الشيء فرع عن تصوره ثم في التصديق الءي هو تصور مع حكم ثم في الحجة اي ان الحجة يتحصل فيها خلل
[٠٠٠٠٠]:و في تحقيق القول فذلك هو المطلوب اصلا وهو إتباث استحالة انقضاء السلسلة من جهة النهاية اي استحالة صدور حادث مسبوق بسلسلة من الحوادث الغير متناهية وكما سبق وبينت فمسألة انقضاء السلسلة اصلا لا نسلم بها على عمومها لكنني اسلم بها جذل لابين ان الحجة واهية حتى وان التزمنا بما يدعون انه اقوالنا فلن تلزمنا حججهم
[٨]: أي: وجودٌ بعد أن كان معدومًا.
[٩]: أي: انقضاء ما لا ينقضي.
[١٠]: فهو فرض استحالة انقضاء السلسلة حيثُ قال "ما لا ينقضي"، وهذا نفيٌ للانقضاء بالقوّة، أي قال باستحالة الانقضاء.
[١١]: نفس ما سبق: أي قوله "انقضاء ما لا ينقضي"، فقوله "انقضاء" يقصد بها انقضاء السلسلة، وقوله "غير منقضٍ" أي: إنَّ السلسلة يستحيل أن تنقضي.
[١٢]: أي: انقضاء ما لا ينقضي.
[١٣]: لأنَّ التصوّر يتمُّ بالألفاظ ودلالتها. الحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوّرٍ، والحكمُ به يتمُّ بالتصديق، وهناك من قال: هو عينُ التصديق، وبالتصديق تُقام الحجج. فحصولُ الخلل في اللفظ يؤدّي إلى خللٍ في التصوّر، ثم الحكم، ثم التصديق، ثم في الحُجَّة. لذا ركَّز شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على مسألة الألفاظ المُجملة. ولذا يقول فلاسفةُ اللغة: "حدودُ لغتك حدودُ فكرك"، وذلك لأنَّه لا فكر دون وجود لغة. لذا اعتُبِرت اللغة دليلًا على وجود الصانع.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
1
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0