ردّ علمي على شبهة رضاع الكبير في ضوء الإجماع الفقهي وأقوال السلف

أكتوبر 31, 2025 - 05:28
نوفمبر 2, 2025 - 17:01
 0
ردّ علمي على شبهة رضاع الكبير في ضوء الإجماع الفقهي وأقوال السلف

من أبرز الشبهات المثارة حول الإسلام والتي يُعاد طرحها دائمًا من قِبل اللادينيين والملحدين، هي شبهة رضاع الكبير.
ورغم أنها مجرد فقاعة صابون، إلا أن بعض الناس يستغلون جهل العامة بطريقة الرد عليها، فيثيرون حولها تشغيبًا عاطفيًا بعيدًا عن المنهج العلمي.

والحقيقة أن هذه الشبهة لم تُذكر في كتب المستشرقين القدماء، ولا في كتب الرافضة، لأن الإجماع قد انعقد على أن الرضاع الذي يُحرّم إنما يكون في الحولين، أي خلال السنتين الأوليين من عمر الطفل، وأما الكبير فهو من تجاوز الحولين.

غير أن في مدارس الفقه الإسلامي الكبرى ظهر مذهب الظاهرية الذي أعاد صياغته الإمام ابن حزم الظاهري، حيث رأى أن رضاع الكبير حكمه عامٌّ وليس خاصًّا، واستند في ذلك إلى فتوى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، إذ كانت تفتي بأن مَن أرادت أن يدخل عليها من الرجال الأجانب من أبناء إخوتها، تأمر بنات إخوتها أن يُرضعنه، مثل أم كلثوم بنت أبي بكر.
وقد استند بعض المتأخرين إلى هذا القول، ممن لا يرون التقيّد بالمذاهب بقدر ما ينظرون إلى الدليل، ومن هؤلاء الشيخ الدكتور عبد القادر عبد الهادي الذي نُسبت إليه سنة 2005 فتوى غريبة تقول إن على زوجات رجال الأعمال أن يُرضعن الطباخ والسائق ليحرمن عليهم!

هذه الفتوى الغريبة أدت إلى سيلٍ من العناوين في الصحف الصفراء، ونشر الأخبار الزائفة، حتى استضافت الإعلامية هالة سرحان الشيخ عبد القادر في برنامجها على قناة «الآر تي» (ART)، فحدثت ضجة إعلامية كبيرة استغلتها جهات مسيحية وشيعية للطعن في الإسلام.


ومنذ ذلك الوقت بدأ اللادينيون والملحدون يكررون نفس الشبهة، رغم أنها متهافتة أشد التهافت، بل أضعف من بيت العنكبوت.

والرد على هذه الشبهة واضح، إذ إن القصة بدأت حين نزلت سورة الأحزاب بتحريم التبنّي، قال تعالى:

{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5)}
{النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ...}

فنزلت هذه الآيات وغيرها في تحريم التبنّي، فاعتبر كثير من الصحابة الموالي الذين كانوا يعدّونهم أبناءهم غرباء عن زوجاتهم بعد نزول الحكم. ومن هؤلاء كان سالم مولى أبي حذيفة، الذي كان يعيش في بيت أبي حذيفة مع زوجته، فلما بلغ مبلغ الرجال تغيّر وجه أبي حذيفة عند دخوله على أهله، فذكرت ذلك زوجته سهلة بنت سهيل للنبي ﷺ.

ففي "صحيح البخاري" (4000) و"صحيح مسلم" (1453) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

أن سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت بنت سهيل النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال، وإنه يدخل علينا، وإني أرى في وجه أبي حذيفة شيئًا من ذلك. فقال ﷺ: «أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة».

وزاد مسلم:

قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير وقد شهد بدرًا؟ فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: «قد علمت أنه رجل كبير».

وهنا اختلف العلماء في كيفية الرضاع: هل هو بالمصّ من الثدي مباشرة، أم بشرب اللبن المحلوب؟
فقال جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة: إن التحريم يحصل بشرب اللبن بأي وسيلة كانت، ولا يشترط المص من الثدي.
وقال الإمام ابن عبد البر: صفة رضاع الكبير أن يُحلب له اللبن فيُسقى، أما أن تُلقمه المرأة ثديها فلا يقول به أحد من العلماء.
وقال القاضي عياض: لعل سهلة حلبت لبنها فشربه سالم من غير أن يمس ثديها ولا التقت بشرتاهما، إذ لا يجوز كشف الثدي ولا مسّه.
وقال النووي: هذا حسن، وله وجهٌ في «طبقات ابن سعد»، إذ روى أن سهلة كانت تحلب في إناء قدر رضعة، فيشربه سالم خمس مرات، فكان بعد ذلك يدخل عليها وهي حاسرة، رخصة من رسول الله ﷺ لسهلة بنت سهيل.

وخالف الظاهرية هذا التفسير، وقالوا: لا بد من المصّ من الثدي نفسه.
أما جمهور العلماء فقالوا: إن رضاع الكبير خاص بسهلة بنت سهيل وسالم، ولا يُعمم الحكم، وقد خالفت في ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها باجتهاد منها، ظنّت أنه عام، بينما بقية أمهات المؤمنين والفقهاء رأوه خاصًا بهذه الواقعة.

وقال أم سلمة وأزواج النبي ﷺ: "ما نرى هذا إلا رخصةً رخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة."

وكذلك إنَّ عبدَ الله بن عمر رضي الله عنهما، لما جاءه رجل يسأله عن رضاع الكبير وهل يُحرِّم، قال:

رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:
"إنّي كانت لي وليدة (جارية) وكنت أطؤها، فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها، فدخلتُ عليها، فقالت: دونك! فقد واللهِ أرضعتُها."

فقال عمر رضي الله عنه:
"أوجِعْها، وأْتِ جاريتَك، فإنما الرضاعةُ رضاعُ الصغير."

"أوجِعها، وأْتِ جاريتك، فإنما الرضاعة رضاعة الصغير."

وكذلك ما نُقِل من فتوى ابن مسعود رضي الله عنه، أن رجلًا كان معه امرأته في سفر، فولدت، فجعل الصبي لا يرضع، فأخذ زوجها يمصُّ لبنها ويمجه حتى وجد طعم اللبن في حلقه، فأتى أبا موسى الأشعري فذكر له ذلك، فقال له: حرمت عليك امرأتك.

فذهب إلى ابن مسعود رضي الله عنه، فقال له: أنت الذي تفتي بكذا وكذا؟! وقد قال رسول الله ﷺ: «لا رضاع إلا ما أنبت اللحم وشدَّ العظم».

وفي رواية أبي عطية: جاء رجل إلى أبي موسى فقال: إن امرأتي ورِمَ ثديها، فمصصته فدخل حلقي شيء سبقني، فشدد عليّ أبو موسى.

فأتى عبدَ الله بن مسعود رضي الله عنه فقال له: سألتَ أحدًا غيري؟ قال: نعم، أبا موسى، فشدّد عليّ.

فقال أبو موسى حين بلغه قول ابن مسعود: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم.

وفي "مجموع الفتاوى" قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"وأما رضاع الكبير، فإنه لا يحرّم في مذهب الأئمة الأربعة، بل لا يحرّم إلا رضاع الصغير الذي في الحولين."

فأجمع جمهور العلماء والفقهاء على أن رضاع سالم خاص بسهلة بنت سهيل، وأن التحريم لا يكون إلا في الصغر لقوله تعالى:

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}.

وهذا نصّ صريح يدل على أن تمام الرضاعة يكون في الحولين، وما بعد ذلك فهو مجرد غذاء لا يثبت به حكم التحريم.

ومن هنا يتضح أن هذه الشبهة لا وجود لها أصلًا، لأن الشرع الحكيم الذي جعل الرضاعة تامة في الحولين هو نفسه الذي رخّص في قصة سالم لحالةٍ خاصةٍ اجتماعيةٍ محدودة، لا يُقاس عليها، ولا يُتخذ منها أصلٌ عامٌّ .

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
احببته احببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
الباحث بالدارجة مرحبًا بكم في عالم نكشف فيه أسرار الماضي، نعيد قراءة الحقائق الغائبة، ونصحح المغالطات الرائجة. هنا حيث يلتقي التاريخ بالدقة، وتتجلى الحقائق بعيدًا عن التشويش والزيف. جميع روابط التواصل الاجتماعي https://linktr.ee/albahtalbahit