زَكَاةُ الفِطْرِ عَلَى مَذْهَبِ السَّادَةِ المَالِكِيَّةِ
نقولات عن فقهاء المالكية
مَكِيلَةُ زَكَاةِ الْفِطْرِ
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» )
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى النَّاسِ» يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ هَذِهِ الزَّكَاةِ خِلَافًا لِمَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ وَالْأَصَمِّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى فَرَضَ أَلْزَمَ فَصَدَقَةُ الْفِطْرِ فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مِنْ رَمَضَانَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ابْتِدَاءَ الْفِطْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ زَمَنٍ مِنْ شَوَّالٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْفِطْرُ يَوْمَ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ الَّذِي يُخَالِفُ حُكْمَ الصَّوْمِ فِيهِ وَأَمَّا الْفِطْرُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِفِطْرٍ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيَ صَوْمَ مَا بَعْدَهُ.
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ذِكْرٌ لِمَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إخْرَاجِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَأَنَّ الْمِقْدَارَ الْمُخْرَجَ مِنْهُ هُوَ صَاعٌ، وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ رِطْلٌ وَثُلُثٌ فَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ هَاهُنَا عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةِ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّقْسِيمِ وَلَوْ كَانَتْ لِلتَّخْيِيرِ لَاقْتَضَى أَنْ يُخْرِجَ الشَّعِيرَ مَنْ قُوتُهُ غَيْرَهُ مِنْ التَّمْرِ مَعَ وُجُودِهِ وَلَا يَقُولُ هَذَا أَحَدٌ مِنْهُمْ فَتَقْدِيرُهُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ قُوتَهُ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ قُوتَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ هَذَا الْحُكْمِ بِالْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ الْحُكْمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَمْ يُطْلِقْهُ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ ذَلِكَ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إشْغَالِهَا بِالشَّرْعِ وَعَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ هَذَا الْحُكْمِ بِالْمُسْلِمِينَ وَانْتِفَائِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّى مَا يُخْرَجُ زَكَاةً وَالزَّكَاةُ إنَّمَا هِيَ تَطْهِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: ١٠٣] فَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُطَهِّرُهُمْ وَلَا تُزَكِّيهِمْ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِصِفَةِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا حَصَلَ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لَا فِيمَنْ تَجِبُ عَنْهُ؛ وَلِذَلِكَ تَكُونُ طُهْرَةً وَزَكَاةً فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّقْيِيدَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ بَعْدَ ذِكْرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا تَجِبُ فَيَجِبُ أَنْ تُصْرَفَ إلَى جَمِيعِهِمْ وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهَا تَنْصَرِفُ إلَى جَمِيعِهِمْ دُونَ بَعْضٍ لَكَانَ انْصِرَافُ ذَلِكَ إلَى مَنْ تَجِبُ عَنْهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ إلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِلَيْنِ قَائِلٌ يَقُولُ: إنَّ الصِّفَاتِ وَالتَّقْيِيدَ وَالِاسْتِثْنَاءَ يَنْصَرِفُ إلَى جَمِيعِ الْمَذْكُورِ، وَطَائِفَةٌ تَقُولُ يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ دُونَ غَيْرِهِ وَلَا أَحَدَ يَقُولُ: إنَّهَا تَنْصَرِفُ إلَى أَبْعَدِ مَذْكُورٍ دُونَ أَقْرَبِهِ، وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ لَنَا إذَا اُعْتُبِرَ الْإِسْلَامُ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ يَلْزَمُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيمَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ.
-المنتقى شرح الموطأ - أبو الوليد الباجي-
[ بابُ في زكاةِ الفِطْرِ ]
وزكاةُ الفِطْرِ سُنَّةٌ واجِبَةٌ، فَرَضَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على كلِّ كَبِيرٍ أو صَغِيرٍ، ذَكَرٍ أو أُنثى، حُرٍّ أو عَبدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، صَاعًا عن كلِّ نَفْسٍ بصَاعِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وتُؤدَّى مِن جُلِّ عَيْشِ أهلِ ذلكَ البَلَدِ مِن بُرٍّ أو شَعِيرٍ أو سُلْتٍ أو تَمْرٍ أو أَقِطٍ أو زَبِيبٍ أو دُخْنٍ أو ذُرَةٍ أو أَرُزٍّ، وقِيلَ: إنْ كانَ العِلْسُ قُوتَ قَوْمٍ أُخْرِجَتْ مِنهُ، وهو حَبٌّ صَغِيرٌ يَقْرُبُ مِن خَلْقَةِ البُرِّ.
ويُخْرِجُ عنِ العَبدِ سَيِّدُهُ، والصَّغِيرُ لا مالَ لهُ يُخْرِجُ عنهُ والِدُهُ، ويُخْرِجُ الرَّجُلُ زَكَاةَ الفِطْرِ عن كُلِّ مُسْلِمٍ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وعن مُكَاتَبِهِ وإنْ كانَ لا يُنْفِقُ عليهِ؛ لأنَّهُ عَبدٌ لهُ بَعْدُ.
ويُسْتَحَبُّ إخْرَاجُها إذا طَلَعَ الفَجْرُ مِن يَومِ الفِطْرِ، ويُسْتَحَبُّ الفِطْرُ فِيهِ قَبْلَ الغُدُوِّ إلى المُصَلَّى، وليسَ ذلكَ في الأَضْحى، ويُسْتَحَبُّ في العِيدَيْنِ أنْ يَمْضِيَ مِن طَرِيقٍ وَيَرْجِعَ مِن أُخْرَى.
- الرسالة لإبن أبي زيد القيرواني -
(٢٨ - بَابُ مَكِيلَةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ)
٥٨٤ - ذِكْرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صاعا من تمر أو صاعا من شعير عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ
٥٨٥ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ وَذَلِكَ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٢٨ - بَابُ مَكِيلَةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ)
٥٨٤ - ذِكْرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صاعا من تمر أو صاعا من شعير عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِين
٥٨٥ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ وَذَلِكَ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٢٨ - بَابُ مَكِيلَةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ)
٥٨٤ - ذِكْرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صاعا من تمر أو صاعا من شعير عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ
٥٨٥ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ وَذَلِكَ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فأما قوله في حديث بن عُمَرَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَوْجَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِأَمْرِ اللَّهِ أَوْجَبَهُ وَمَا كَانَ لِيَنْطِقَ عَنِ الْهَوَى فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نَسْخِهَ
فَقَالَتْ فِرْقَةٌ هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ وَرَوَوْا عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِهَا قَبْلَ نُزُولِ الزَّكَاةِ فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الزَّكَاةِ لَمْ يَأْمُرْنَا بِهَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ
وَقَالَ جُمْهُورٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ هِيَ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى حَسَبِ مَا فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وإسحاق بن راهويه
قال إسحاق هو لا الْإِجْمَاعُ
وَقَالَ أَشْهَبُ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ قَالَ نَعَمْ
وَفِي سَمَاعِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عن تفسير قول الله تعالى (وءاتوا الزَّكَاةَ) الْبَقَرَةِ ٤٣ هِيَ الزَّكَاةُ الَّتِي قُرِنَتْ بِالصَّلَاةِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ هِيَ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ كُلِّهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ وَالْمَوَاشِي وَزَكَاةُ الْفِطْرِ
وَتَلَا (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ) التَّوْبَةِ ١٠٣
وَذَكَرَ أَبُو التَّمَامِ قَالَ قَالَ مَالِكٌ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ
قَالَ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ كُلُّهُمُ إِلَّا بَعْضَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُ قَالَ هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابٍ مَالِكٍ فِي وُجُوبِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ فَرْضٌ وَاجِبٌ
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ
وَأَمَّا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ فَإِنَّهُ قَالَ هِيَ سُنَّةٌ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَضَعْ شَيْئًا
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ دَاوُدَ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضًا أَحَدُهُمَا أَنَّهَا فَرْضٌ وَاجِبٌ وَالْآخَرُ أَنَّهَا سُنَّةٌ (مُؤَكَّدَةٌ)
وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أنها واجبة
وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا مِنْ جِهَةِ اتِّبَاعِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُمُ الْأَكْثَرُ وَالْجُمْهُورِ الَّذِينَ هُمْ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهَا سُنَّةٌ قول ضعيف وتأويله في قول بن عُمَرَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ صَاعًا وَأَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فَرَضَ الْقَاضِي نَفَقَةَ الْيَتِيمِ رُبْعَيْنِ أَيْ قَدَّرَهَا خِلَافَ الظَّاهِرِ ادِّعَاءً عَلَى النَّبِيِّ مَا يُخْرِجُهُ فِي الْمَعْهُودِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) النِّسَاءِ ١١ أَيْ إِيجَابٌ مِنَ اللَّهِ وَكَذَلِكَ لَهُمْ فَرَضَ اللَّهُ طَاعَةَ رَسُولِهِ وَفَرَضَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ هَذَا كُلَّ ذَلِكَ أَوْجَبَ وَأَلْزَمَ
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْوَاجِبِ هُوَ فَرِيضَةٌ وَمَا لَمْ يَلْزَمْ لُزُومُهُ قَالُوا سُنَّةٌ وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى بِزِيَادَاتٍ فِي الِاعْتِرَاضَاتِ فِي التَّمْهِيدِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحِينِ وَالْوَقْتِ الَّذِي يَلْزَمُ لِمَنْ أَدْرَكَهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ
فَقَالَ في رواية بن القاسم وبن وَهْبٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْهُ تَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ
وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَنْ مَنْ وُلِدَ أَوْ مُلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَذَكَرُوا عَنْهُ مَسَائِلَ إِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَهِيَ تَنَاقُضٌ عَلَى هَذَا وَهِيَ فِي الْمَوْلُودِ ضُحَى يَوْمِ الْفِطْرِ أَوِ الْعَبْدِ يُشْتَرَى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ أَنَّهُ يُزَكِّي عَنْهُ أَبُوهُ وَسَيِّدُهُ
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرٍ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَهِيَ لَيْلَةُ الْفِطْرِ
وَقَالَ مَالِكٌ إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَعَلَى الْمَوْلَى صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَدْرَكَهُ وَقْتُ وُجُوبِهَا حَيًّا وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْفِطْرِ لَيْسَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَمَنْ وُلِدَ فِيهَا مِنَ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ وملك فيها من العبيد فإنه لم يلد وَلَمْ يُمْلَكْ فِي رَمَضَانَ وَإِنَّمَا وَقْعَ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ إِنَّمَا هِيَ لِرَمَضَانَ لَا لِشَوَّالٍ
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ بِبَغْدَادَ كَانَ أَنَّهَا تَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَدْرَكَهُ ذَلِكَ الْوَقْتُ حَيًّا
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَقَوْلُهُمْ فِي ذلك كما رواه بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ
وَمَنْ قَالَ بِهَذَا لَمْ يَعْتَبِرْ لَيْلَةَ الْفِطْرِ لِأَنَّ الْفِطْرَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ صِيَامٍ يُرَاعَى وَيُعْتَبَرُ
وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ لِأَنَّ يَوْمَ الْفِطْرِ لَيْسَ بِمَوْضِعِ صِيَامٍ فَأَحْرَى أَلَّا يُرَاعَى
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ
فَرَوَى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ لَهُ عَبْدٌ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ
قَالَ مَالِكٌ وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَعِيشَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ نَحْوَهَا وَالشَّهْرَ وَنَحْوَهُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ
قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا هِيَ زَكَاةُ الْأَبْدَانِ
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ أَيْنَ يُؤَدِّيهَا
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَنْ جَازَ لَهُ أَخْذُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لَمْ تَلْزَمْهُ
وَذَكَرَ أَبُو التَّمَامِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَقِيرِ الَّذِي يفصل عَنْ قُوتِهِ صَاعٌ كَوُجُوبِهَا عَلَى الْغَنِيِّ
قَالَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ مَلَكَ قُوتَهُ وَقُوتَ مَنْ يُمَوِّنُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَمَنْ يُؤَدِّي عَنْهُ وَعَنْهُمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا مَا يُؤَدِّي عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْبَعْضِ أَدَّى عَنْ ذَلِكَ البعض
وقول بن عُلَيَّةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ إِذَا أَصَابَ فَضْلًا عن غذائه وَعَشَائِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ وَيُعْطِيَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ
٥٨٦ - وأما قوله في حديث بن عُمَرَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ وَرِوَايَتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كان لا يُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَّا التَّمْرَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ أَخْرَجَ شَعِيرًا
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ فَقَالَ فِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَعَدَلَ النَّاسُ بَعْدُ نِصْفَ صَاعٍ مَنْ بُرٍّ بِصَاعٍ مَنْ تَمْرٍ
قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُعْطِي التَّمْرَ فَيَعُوزُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ التَّمْرَ عَامًا فَأَعْطَى الشعير
وروى بن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَقَالَ فِيهِ قال بن عُمَرَ فَلَمَّا كَانَ مُعَاوِيَةُ عَدَلَ النَّاسَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ
قَالَ نَافِعٌ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ مِنْ أَهْلِهِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ
ورواه بن أَبِي رَوَّادٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ وَقَالَ فِيهِ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَكَثُرَتِ الْحِنْطَةُ جَعَلَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهَا مِثْلَ صَاعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَذَكَرَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ زَبِيبٍ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَنْ نَافِعٍ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ إِذَا خَالَفَهُ حُفَّاظُ أَصْحَابِ نَافِعٍ وَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَأَيُّوبُ وَفِي التَّمْهِيدِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَكْثَرُ مِنْ هَذَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ كُنَّا نُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَذَكَرَ الشَّعِيرَ وَالتَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَالْأَقِطَ صَاعًا صَاعًا
فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ فِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ولم يَخْتَلِفْ مَنْ ذَكَرَ الطَّعَامَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحِنْطَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ
وَمِنْ رُوَاتِهِ أَيْضًا مَنْ ذَكَرَ فِيهِ نصف صاع من بر
وذكر فيه بن عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الدَّقِيقَ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ السُّلْتَ وَالدَّقِيقَ أَوْ أَحَدَهُمَا
وَذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ مِنْ طَعَامٍ وَحَسْبُكَ بِهِمَا حِفْظًا وَأَمَانَةً وَإِتْقَانًا وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَمَنْ رَوَاهُ وَمَنْ أَسْقَطَهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مِقْدَارِ مَا يُؤَدِّي الْمَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ مِنَ الْحُبُوبِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ أَقَلُّ مِنْ صَاعٍ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي مِقْدَارِ ذَلِكَ مِنَ الْبُرِّ وَهِيَ الْحِنْطَةُ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا لَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ أَقَلُّ مِنْ صَاعٍ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كبي وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ نِصْفُ صَاعٍ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ
وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي إِيجَابِ الصَّاعِ مِنَ الْبُرِّ وَأَنَّهُ كَغَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرَ عنه حديث بن عُمَرَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صاعا من تمر أو صاعا من شعير
قَالُوا وَذَلِكَ كَانَ قُوتَ الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ فَكُلُّ مَنِ اقْتَاتَ شَيْئًا مِنَ الْحُبُوبِ الْمَذْكُورَاتِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِ لَزِمَهُ إِخْرَاجُ صَاعٍ مِنْهُ
وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ ثُمَّ ذَكَرَ الشَّعِيرَ وَغَيْرَهُ
فَبَانَ بِذِكْرِهِ الطَّعَامَ هُنَا أَنَّهُ أَرَادَ الْبُرَّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّعِيرِ فِي الْحِنْطَةِ وَفِي الْمَكِيلَةِ بَلْ جَعَلَهُ كُلَّهُ صَاعًا صَاعًا
وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يُجْزِئُهُ من البر نصف صاع فقول بن عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ وَقَدْ ذَكَرَ التَّمْرَ وَالشَّعِيرَ قَالَ فَعَدَلَ النَّاسُ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ
وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كِبَارُ الصَّحَابَةِ وَحُجَّتُهُمْ أَيْضًا حَدِيثُ الزهري عن بن أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ
وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ إِلَّا أنه لم يروه كبار أصحاب بن شِهَابٍ وَلَا مَنْ يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ مِنْهُمْ إِذَا انفرد ولكنه لم تخالفه فِي رِوَايَتِهِ تِلْكَ غَيْرُهُ
وَرَوَى الثِّقَاتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ كَانَتْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ
وَرُوِيَ عَنْ أبي بكر وعمر وعثمان وبن مسعود وبن عَبَّاسٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ ومعاوية وبن الزُّبَيْرِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَفِي الْأَسَانِيدِ عَنْ بَعْضِهِمْ ضَعْفٌ (وَاخْتِلَافٌ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي سَلَمَةَ وَمُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُؤَدِّي نِصْفَ صَاعٍ مَنْ بُرٍّ أَوْ دَقِيقٍ أَوْ سَوِيقٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ
قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الزَّبِيبُ بِمَنْزِلَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَخْرُجُ بِالْقِيمَةِ قِيمَةِ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ قِيمَةِ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ لَوْ أَعْطَيْتَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ عَدْلَ ذَلِكَ أَجَزَاكَ يَعْنِي بِالْقِيمَةِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُؤَدِّي كُلُّ إِنْسَانٍ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ بِمُدِّ أَهْلِ بَلَدِهِ
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يُخْرِجُ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ بِمُدِّ هِشَامٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الشَّعِيرِ أَوِ الْأَقِطِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يُخْرِجُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ زَبِيبٍ وَسَكَتَ عَنِ الْبُرِّ
وَقَالَ أَشْهَبُ سَمِعَتْ مَالِكًا يَقُولُ لَا يُؤَدِّي الشَّعِيرَ إلا من هو أكله يؤده كَمَا يَأْكُلُهُ قِيلَ لَهُ إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ مُدَّيْنِ مِنْ بُرٍّ قَالَ إِنَّمَا الْقَوْلُ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (صَاعٌ) قَالَ فَذَكَرْتُ لَهُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُدَّيْنِ مِنَ الْحِنْطَةِ فَأَنْكَرَهَا
وَأَمَّا قوله في حديث بن عُمَرَ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنَ الْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكِ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ نَافِعٍ غَيْرُهُ وَرَوَاهُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ لَمْ يَقُولُوا فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ فِي التَّمْهِيدِ مَنْ قَالَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ وَذَكَرْنَا فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا أَيْضًا حُكْمَ قَوْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ وَالْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا وَزَكَاةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ الْعُشُورِ كُلُّ ذَلِكَ بِالْمُدِّ الْأَصْغَرِ مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الظِّهَارَ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهِ بِمُدِّ هِشَامٍ وَهُوَ الْمُدُّ الْأَعْظَمُ فَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْكَفَّارَاتِ كُلَّهَا بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الظِّهَارَ فَإِنَّ مَالِكًا خَالَفَ فِي الْإِطْعَامِ بِهِ فَأَوْجَبَهُ بِمُدِّ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ عَامِلٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ لِبَنِي مَرْوَانَ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَمُدُّ هِشَامٍ بِالْمَدِينَةِ مَعْرُوفٌ كَمَا أَنَّ الصَّاعَ الْحَجَّاجِيَّ مَعْرُوفٌ بِالْعِرَاقِ
- كتاب الاستذكار - باب مكيلة زكاة الفطر -
الْبَاب الْعَاشِر فِي زَكَاة الْفطر
وَهِي فرض فِي الْمَشْهُور وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل سنة وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَاجِب عير فرض على اصْطِلَاحه وفيهَا أَرْبَعَة فُصُول (الْفَصْل الأول) فِيمَن يُؤمر بهَا وَهُوَ كل مُسلم حر عِنْده قوت يَوْمه مَعهَا وَقيل من لَا تجحف بِهِ وَقيل من لَا يحل لَهُ أَخذهَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة من يملك مِائَتي دِرْهَم وَهِي تلْزم الرجل عَن نَفسه وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته من مُسلم حر أَو عبد صَغِير أَو كَبِير ذكر أَو أُنْثَى كالأولاد والآباء وَالْعَبِيد وَالزَّوْجَة وخادمها وَإِن كَانَتملية وَزَوْجَة الْأَب الْفَقِير وخادمه وَقَالَ أَبُو حنيفَة تخرج الزَّوْجَة عَن نَفسهَا وَإِن كَانَ الإبن الصَّغِير ذَا مَال فَمن مَاله عِنْد الثَّلَاثَة وَإِن كَانَ كَبِيرا زَمنا فَقِيرا فعلى وَالِده خلافًا لأبي حنيفَة وَلَا يزكّى عَن العَبْد الْكَافِر خلافًا لأبي حنيفَة وَالْمكَاتب كالرقيق فِي الْمَشْهُور وَالْمُعتق بعضه على السَّيِّد حِصَّته دون العَبْد على الْمَشْهُور وَقيل عَلَيْهِمَا وَالْعَبْد الْمُشْتَرك على مالكيه بِقدر الانصباء فِي الْمَشْهُور (الْفَصْل الثَّانِي) فِي الْوَاجِب وَهُوَ صَاع من قَمح أَو شعير أَو سلت أَو تمر أَو زبيب أَو أقط أَو أرز أَو ذرة أَو دخن وَقَالَ أَشهب من السِّت الأول خَاصَّة وَيخرج من غَالب قوت الْبَلَد وَقيل من غَالب قوت مخرجها إِذا لم يشح فَإِن كَانَ الْقُوت من القطاني أَو التِّين أَو السويق أَو اللَّحْم أَو اللَّبن فتجزىء فِي الْمَشْهُور وَفِي الدَّقِيق بريعه قَولَانِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة يخرج من الْقَمْح نصف صَاع وَمن غَيره صَاع (الْفَصْل الثَّالِث) فِي وَقت وُجُوبهَا وَهُوَ غرُوب الشَّمْس من لَيْلَة الْفطر فِي الْمَشْهُور وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل طُلُوع الْفجْر من يَوْم الْفطر وفَاقا لأبي حنيفَة وَقيل طُلُوع الشَّمْس وَفَائِدَة الْخلاف فِيمَن ولد أوأسلم أَو مَاتَ أَو بيع فِيمَا بَين ذَلِك وَيسْتَحب إخْرَاجهَا بعد الْفجْر قبل الْخُرُوج إِلَى الْمصلى اتِّفَاقًا وَتجوز بعده وَفِي تَقْدِيمهَا بِيَوْم إِلَى ثَلَاثَة قَولَانِ (الْفَصْل الرَّابِع) فِيمَن يَأْخُذهَا وَهُوَ الَّذِي لَهُ أَخذ الزَّكَاة وَقيل الْفَقِير الَّذِي لم يَأْخُذ مِنْهَا فعلى الأولى يجوز أَن يَأْخُذ الْوَاحِد زَكَاة أَكثر من وَاحِد وَهُوَ الْمَشْهُور وعَلى الثَّانِي لَا يعْطى أَكثر من ذَلِك وَلَا تُعْطى لفقراء أهل الذِّمَّة خلافًا لأبي حنيفَة
- القوانين الفقهية - ابن جزي الكلبي -
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
احببته
1
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0