لماذا الله لم يستشرني قبل أن يخلقني، وقبل أن يبتليني؟

مما دفعني للردّ أني رأيتُ جاهلةً تُورد هذه الهلوسة بوثوقيةٍ تامة، وتعتقد أنه لن يستطيع أحدٌ الردَّ عليها، ولا تدري مريضةُ السريرة أن الشبهات عندنا – معشرَ المسلمين – تتكسر بين أيدينا كما يتكسر القصب الأجوف. تقول ضعيفةُ النظر: «لماذا الله لم يستشرني قبل أن يخلقني، وقبل أن يبتليني؟».

نوفمبر 19, 2025 - 11:12
نوفمبر 29, 2025 - 14:12
 0
لماذا الله لم يستشرني قبل أن يخلقني، وقبل أن يبتليني؟

بسم الله الرحمن الرحيم

لو قال قائلٌ: إن الذي تريد الردَّ عليه لا يعدو أن يكون وسوسةً يجب إماتتُها بالتجاهل، ومثل هذا لا يُردُّ عليه، لكان قولُه هذا قولًا سديدًا متينًا.
 ولكن الذي دفعني إلى الرد هو انتشارُه، ومخافةُ أن يقع في بعض القلوب الضعيفة، والذي حفزني أيضًا أني رأيتُ جاهلةً تُورد هذه الهلوسة بوثوقيةٍ تامة، وتعتقد أنه لن يستطيع أحدٌ الردَّ عليها، ولا تدري مريضةُ السريرة أن الشبهات عندنا – معشرَ المسلمين – تتكسر بين أيدينا كما يتكسر القصب الأجوف.

تقول ضعيفةُ النظر: «لماذا الله لم يستشرني قبل أن يخلقني، وقبل أن يبتليني؟».

نقول – وبالله التوفيق – إن الله، حتى يستشيرَ المخلوقَ، لا بد أن يكون المخلوقُ موجودًا؛ إذ كيف يستشير معدومًا حال عدمه؟ فهذا الشق الأول من الوسواس فرضٌ للمحال، وفيه أيضاً فرضّ لنقصٍ كما سنبيّن.

أما الشق الثاني، وهو أن يستشيرك الله قبل أن يبتليك، فهذا لا يَرِدُ إلا على مريض القلب؛ فالذي يستجيز أن الخالق ذا الكمال المطلق يستشير مخلوقًا ناقصًا، في ماذا يفعل به: أَيبتليه أم لا؟ فهذا – ولا شك – نقصٌ ممتنع في حق الباري؛ إذ لو جاز هذا النقص أو ما هو من جنسه، للزم من ذلك سدُّ باب المعرفة والنظر، فالذي خلق دماغها لا يمكن بحال أن يكون ناقصا وإلا انسحب هذا النقص على خلقه فيجوز أن يكون دماغها عبثيا عشوائيا موجودا لا لغاية.

ومع كفاية ما سبق، نزيد بيانا فنقول إن هذا المطلب السفسطائي لا يخرج عن أمرين:

-        الأول: أنه حين يستشير الخالق المخلوق، يحدث الاتفاق على حصول الابتلاء أو عدمه.

-        الثاني: عكس الأول فيحدث الاختلاف على حصول الابتلاء أو عدمه.

بخصوص الأمر الأول فهو ليس موضع إشكال عند المسفسطة، وإن كان يلزم عنه النقص كما أسلفنا، ولكن سؤالنا بالتحديد في الأمر الثاني: إذا اختلف الخالق ذو الكمال الحق مع المخلوق الناقص، مع مَن يكون الحق والصواب؟ 

طرحتُ هذا السؤال على مريضة السريرة فلم تجد له جوابًا أبدًا، واتضح لها مدى سخف هذه الهلوسة؛ ففرض مثل هذا من العبث، إذ الحق مع ما يفعله الخالقُ الحق ذو الكمال، وإذا اختلف ذو العلم الكامل مع ذي العلم الناقص لا شك أن الحق مع الأول، ففرض مثل هذا الوسواس لا طائل منه بحال، والعبد المسلم يجب أن يستسلم للحق سبحانه، وألا يستسلم لأغلوطات أتباع إبليس أخزاهم الله.

فرضُ الاستشارة نقصٌ، فالذي يستشير فذلك لنقص في علمه أو لتردّده أو غير ذلك من لوازم المخلوقين، وهذا يختلف كليًّا عن الإشهاد الذي كان من الله لأجل إقامة الحجة والبرهان على العباد، كما في ميثاق الذر في قول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ‌أَنْ ‌تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: 172].

وقبل أن نختم، يجب على المسلم أن يعلم أن مثل هذا ونظائره من وحي الشيطان، وأن يستحضر أن الشيطان خلف كل شبهة، عدوٌّ صابرٌ يتربص بدين العبد حتى ينتزعه منه انتزاعًا، كما أوحى للمشركين وغيرِهم في اعتراضهم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يزال يوحي لأتباعه إلى يوم الناس هذا. يقول ربنا سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ ‌لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: 121].

وفي الختامِ: أفضَلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التسليمِ على نبينا محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه.

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 1
احببته احببته 3
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0
تاشفين الأصغر مسلمٌ مغربي أمازيغي.. أقل من عامّي