هل الفلسفة حرام عند المذهب التيمي ؟ (النسخة 2)
الحمد لله، فإن الكلام في الفلسفة لا يصح حتى يحرّر اصطلاحها، فإن الأحكام تابعة للمعاني لا للألفاظ، والاسم الواحد قد تتعدد مسمّياته، فيختلف حكمه باختلاف حقيقته، فلا يجوز حمل لفظ “الفلسفة” في كل عصر على معنى واحد، ولا جعل الحكم واحدًا مع اختلاف الحقيقة.
فالقوم المتقدمون إذا قالوا: فلان فيلسوف، أرادوا به صاحب مذهبٍ مخصوص من مذاهب اليونان، كأرسطو وأفلاطون وأفلوطين، وكان هذا الاسم عندهم اسمًا لمذهب معين، له أصول باطلة، كقولهم بقدم العالم، وإنكار علم الرب بالجزئيات، والقول بأن النبوة مكتسبة، وإنكار المعاد الجسماني، وتقسيم الشرع إلى ظاهر وباطن، ونحو ذلك مما هو معلوم في كتبهم.
فهذا هو معنى الفلسفة بالمعنى الخاص القديم.
وأما في هذا الزمان، فقد صار لفظ الفلسفة يستعمل استعمالًا عامًا، يراد به مجرد النظر العقلي، والتحليل، ونقد المفاهيم، ودراسة المناهج الفكرية، وهذا هو من جملة العقليات، والعقليات لم ينه الشارع عنها، بل أمر بها، ودعا إليها، وذمّ من عطّل العقل.
ولهذا فالعلماء من أصحاب السنة كالشيخ ابن تيمية وابن القيم وغيرهما قد استعملوا الأدلة العقلية، لكنهم لم يسمّوها فلسفة، لأن اسم الفلسفة يومئذ كان مختصًا بالمذهب الباطل المذكور آنفًا، فعدلوا عن ذكر اسم الفلسفة؛ لا عن استعمال العقل.
والناس اليوم إذا رأوا قولًا مثل قول القائل: “العالم متغير وكل متغير حادث فالنتيجة العالم حادث” ظنوا أنه فلسفة، وهو في الحقيقة من علم الكلام، وهو ضد مذهب الفلاسفة، فصار الاسم عندهم مشتركًا، والمشترك لا يحمل على معنى واحد بلا بيان.
وعليه، فالقاعدة المقررة:
الاشتراك في اللفظ لا يستلزم الاشتراك في الحكم.
فكما أن لفظ “العين” قد يراد به الباصِرة، وقد يراد به عين الماء، وقد يراد به الجاسوس، ولكل معنى حكمه، كذلك لفظ “الفلسفة” اليوم غير لفظ “الفلسفة” بالأمس في الحقيقة.
وإنما وقع تكفير الفلاسفة بالمعنى الخاص القديم، لأجل العلل التي تقدمت من الأقوال الكفرية، لا لمجرد استعمال العقل، فإن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدما:
فإذا وجدت تلك الأقوال وجدت أحكامها، وإذا عدمت عدمت.
فلا يجوز إسقاط الحكم على غير محل العلة.
وإذا قيل اليوم عن رجل إنه فيلسوف، فالمراد به أنه مفكر يستعمل النظر العقلي، لا أنه يقول بقدم العالم ونحو ذلك من أباطيل القوم.
فالقول بتحريم الفلسفة اليوم بإطلاق خطأ، إذ ليست الفلسفة اليوم هي الفلسفة التي ذمّها المتقدمون، بل هي اسم لما يدخل في جنس العقليات، والعقليات مأمور بها شرعًا.
فالخلاصة:
الفلسفة عند المتقدمين: مذهب معين باطل
الفلسفة اليوم: اسم للعقليات
والتحريم إنما وقع على الأول، لا على الثاني
والتكفير إنما وقع لعلة مخصوصة، لا لاسم الفلسفة بمجرده
وبهذا يظهر أن الفلسفة اليوم – بالمعنى المشتهر المعاصر – جائزة، بل الواجب منها ما لا يقوم الدين إلا به.
والله أعلم.
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
احببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0